الرأي

الغرب والحرب.. أوكرانيا ليست الصومال!

محمد سليم قلالة
  • 1288
  • 0

ينقل الغرب الحرب إلى بقية العالم دون أن تَمُسَّه. جميع نقاط التوتر في العالم اليوم إنَّما توجد خارج أقاليم الغرب الليبرالي، خارج أوروبا وأمريكا الشمالية. هل يحدث الاستثناء اليوم ويذوق الغرب من الكأس التي سقاها للشعوب الأخرى أم أنه سيجد الحلول الداخلية لمشكلاته؟ وأين الدرس لنا من ذلك؟

بالفعل هذا الغرب الذي يبدو سلميا ويرعى الحريات ويسعى إلى السلام في العالم إنما هو في الواقع صانع الفتن والحروب والإرهاب لكي يبقى سيّدا ويبدو مُنقِذا للآخرين وواحةَ أمن ورخاء يتجه إليها المتنازعون بعد أن يستنزفوا ويُنهِكوا بالقتل والتشريد بعضهم البعض؟
إنه يدير لعبته بإحكام إلى درجة أن يبدو باستمرار في ثوب الضحية ويُصوِّر للناس أن الصومال تُهدِّد أمريكا، ومالي وتشاد يهددان فرنسا وعلى الاتحاد الأوروبي دعم إقامة قواعد ومحميات عسكرية في البلدين!

في حين أن الواقع يقول إن العكس هو الصحيح؛ إن أي نزاع في العالم إنما خلفه أياد غربية ومصالح اقتصادية رأسمالية كبرى خفية وظاهرة تستفيد من إشعاله واستمراره إن كان  في القرن الأفريقي أو في الساحل أوفي آسيا الوسطى أو أمريكا اللاتينية!

السلاح فقط هو الذي ينبغي أن يصل بما في ذلك الطائرات المسيَّرة أو الصواريخ المحمولة ذات التكنولوجيا العالية إن اقتضى الأمر.. هل يصنع الأفارقة أو العرب أو الأفغان أو أي متنازعين خارج أوروبا وأمريكا أسلحتهم بأنفسهم؟ هل لديهم بنوكٌ خاصة في بلدانهم يؤمِّنون فيها ودائعهم المنهوبة؟ أم أن الآخر الغربي الديمقراطي “الإنساني” المُدافع عن حقوق الإنسان هو مَن يؤمّن لهم ذلك في السر والعلن؟
صحيح، توجد بداخلنا أسباب النزاعات، وصحيح أننا نتحمل بجهلنا لطبيعة الصراع الدولي مسؤولية ما يحدث بديارنا، إلا أن الأصح أيضا أنه لولا ذلك التلاعب الخارجي بمصائرنا وذلك النفاق غير المحدود في التعامل معنا ما تأجَّجت الصراعات وما زادت الاختلافات وما أصبحت دموية في بعض الأحيان وما نُهبت خيراتُنا على النحو الذي نراه الآن.

لذا علينا اليوم، إذا كُنّا بالفعل، نريد لبلداننا أن تعيش في أمن وسلام أن نعي بدايةً طبيعة اللعبة الدولية وطبيعة النفاق الغربي تجاهنا، ثم أن نعمل على تفكيك الألغام التي هي بيننا وأن نقضي على العوامل المتسببة في إيجاد الأرضية الملائمة للتلاعب بمصائرنا من جهل وظلم وحقد وخلافات بَيْنية لم نُحسن تسييرها وإدارتها.

إن الغرب لا يستطيع إشعال الحرب بيننا إذا لم نجمع له نحن الحطب اللازم لذلك. ولكنه لا يتردد في إشعالها حيث وجد الحطب ومَن يجمعه له، بل لقد امتلك كل الخبرة في اكتشاف من يقومون بذلك وباحترافية عالية حتى يبدو خارج اللعبة تماما بل ومُوفِّر حق اللجوء “الإنساني” للفارِّين من جحيم الصراع الذي يكون قد ساعد بكل الطرق على تأجيجه.

مَن أنشأ القاعدة ومن زعم القضاء على رأسها؟ مَن أنشأ داعش ومَن زعم القضاء على رأسها؟ مَن يتحكم في خيوط الحرب في اليمن وفي الشام  وليبيا ومَن يصنع الفوضى واللاأمن في دول الساحل الإفريقي، بل مَن أنشأ في قلب أمتنا الكيان الصهيوني وأمده بجميع أسباب القوة؟ أليست القوى الغربية صاحبة المصلحة في بقاء الإرهاب والاضطراب حتى تُستَنزف الثروات وتُباع الأسلحة وتتم صناعة العملاء ثم يأتي الزعم بتوفير اللجوء للضحايا وتمكينهم من حرية التعبير حتى يُستعمَلون كورقة ضغط بطريقة أخرى؟

يبدو أن الأمر سيُصبح اليوم أكثر وضوحا لنا وقد امتدّت يد الغرب إلى جِوار قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين تريد محاصرتها وتهديدها بإمكانية إشعال الحرب. في هذا المستوى سنُدرك الحقيقة تمام الإدراك.  سنعرف أن اللعبة مع الأقوياء ليست أبدا ذاتها مع الضعفاء. إن الغرب الليبرالي يعرف بدقة أن دخوله في حرب مع روسيا لدعم أوكرانيا سيُشعل النار بداره.. أوكرانيا ليست اليمن أو ليبيا أو الصومال. إنها قطعة من أوروبا وإذا اشتعلت النيران بها، سيَدفع الثمن غاليا.. لذلك تجده اليوم يتردد ويناور ويتحاور بكل طرق لعلَّه يجد مخرجا لمنع إشعال نار فتنة حرب داخل دياره. ونتوقع أنه سيجد الحل الذكي لنفسه.. أما لنا فيُترَك لنا أغبى الحلول.. وذلك ما ينبغي علينا إدراكه ونحن نتعامل مع مشكلاتنا المختلفة ونحن نسعى إلى التحكُّم في مستقبلنا.

مقالات ذات صلة