الغسّالون.. متطوّعون “فوق العادة” في خدمة الموتى
وفي لحظة سكن كلّ شيء إلاّ نحيب الموت يتعالى وكأنه ينذرك بقرب خطر داهم، فترتبك وتتثاقل خطواتك، يزداد نبضك، ونفسك يكاد يتوقف، ترتعش بشدة وتصطك أسنانك بينما تتقدم نحو المغسلة وكأنك تعيش حُلما مفزعا لدرجة يُخيل لك أن الجثة ستمزق الكفن لتجري وراءك فتسقط أرضا مغشيا عليك …
أن تُجالس “الغسالين” وتستمع لقصصهم مع الأموات يجعلك تصاب بالرهبة وتمضي ليالي وأنت مقبوض النفس وترى في منامك كوابيس الموتى ينبشون قبورهم… وستتأمل حقيقة أنت ماض إليها لا محالة، يوم لا تملك من أمرك شيئا، لتكون سوى جثة على خشبة بين يدي غسال سيقلبك “يمينا ويسارا “ ..
ممنوع لذوي القلوب الضعيفة
أن تتعامل مع الجثث أمر ترتعد منه الفرائص، غير أن الغسالين اعتادوا الموت والأموات فنزلت سكينة على قلوبهم جعلتها من حديد فتطوعوا لأداء فرض “كفاية” سقط عن ذوي القلوب الضعيفة، تقول خديجة وهي تختزن تجربة عقدين من الزمن في تغسيل النساء وتكفينهن، “لم تخل أول تجربة لي من الرعب وأنا في السنة أولى جامعي، ورغم إلمامي بالمسائل الشرعية المرتبطة بالغسل غير أني ترددت وتسلل الوجل لقلبي، كما أن أهل المتوفاة التي كانت جارة لعائلتي بالشلف عارضوا في البداية لصغر سني حينها وجسمي النحيل وكيف لي أن أحمل وأقلب الجثة ” تستطرد خديجة “دخلت الغرفة ووجدت نفسي وجها لوجه مع الميّتة العجوز…ازدادت دقات قلبي غير أني استرجعت نفسي واستجمعت قواي وقررت أن أغسل المتوفاة وأجهزّها“.
فيما لم يخف عمي محمّد أنه “خوّاف بطبعه” لما توطن في ذهنه من حكايات “الروحانية والعفاريت ” وراح يسرد تفاصيل تحويلة للعمل بمصلحة الجثث بمستشفى في البليدة منذ خمس سنوات، يوم صدر القرار “الصادم” فراح يحتج ويرسل الشكاوى إلى مديره يتراجع ولكن دون جدوى، ويسترسل محدثنا “ولأن تغسيل الموتى سيكون من صميم عملي باشر زميل بالمصلحة على وشك التقاعد تلقيني الكيفية الشرعية “للغسل” كنت أرتعد وصرت أشم روائح غريبة تنبعث من كل مكان بدت وكأنها “رائحة الموت” وما أن كشف الإزار على الجثة لم أجد سبيلا غير الهرب”، وظلّ محدثنا على هذه الحال لأشهر. ويذكر أن من أصعب المواقف التي صادفته جثة رأسها مفصول عن جسدها وجسمها مقطع لأشلاء متفرقة بعدما دهسها قطار وتلك الجثث التي تخضع للتشريح. بينما مجيد “23 سنة فقرر ألاّ يخوض التجربة مجددا، فبعدما تشجّع رفقة اثنين آخرين لتغسيل ابن عمته وجد نفسه حبيس “تهيؤات” بأن جثة الميت تظهر له في يقظته ومنامه..
لما توفيت المشعوذة!
قصة واقعية لا تزال حديث الناس بـ “عين الرمانة” جنوب البليدة، إذ فارقت سيدة الحياة مؤخرا وكالعادة حضرت عجوز تُغسّل الأموات بالمنطقة، دخلت الغرفة حيث كانت جثة المتوفاة فوق دكّة الغسل، وبينما راحت تنزع الثياب عنها وإذا بيد باردة تلامسها وتشدُّ على أُصبعها الوسطى، وكانت المفاجأة “إنها يد الميتة”، استكان جسد “المُغسّلة” والمشهد بدا مفزعا يهز القلوب، حاولت المرأة أن تفلت من قبضة “الجثة “غير أنها أحكمت قبضتها، مرت لحظات تجرعت فيها اللّواتي كن داخل الغرفة “خوفا ورعبا”، تقول إحدى قريبات المتوفاة “تأكدنا أنها علامة” وكأن الميتة رفضت أن تتولى تلك المرأة تغسيلها فأعاقت حركتها وكان لابُد من إحضار إمام …جاء الإمام ولغرابة ما رأى طلب من “المغسّلة ” أن تصدقه القول وتتوب من ذنب قد ارتكبته فأصابها منه ما أصابها، تقول زوجة الإمام، ارتعبت المرأة وبكت بكاء حارا وأقرّت أنها سبق وعملت سحرا و”ربطا” حال دون زواج فتيات..وراحت المغسلة تستغفر من ذنبها والإمام يتلو القرآن إلى أن انفكت يدها وغادرت من حيث أتت..
قصة أخرى روتها لنا “مُغسّلة”، تقول “توفيت سيدة ستينية” ولأنها كانت تُجاهر بامتهانها الشعوذة لم تجد من يُغسّلها فتمّ الاتصال بي فقبلت من باب إكرام الميت “ورأيت أن أعجل بتجهيزها لتُدفن …” وفعلا دخلت الغرفة واستغربتُ لما وجدت جثتها مسجّاة بمفردها وحتى بناتها رفضن البقاء بجانبها”، “تضيف محدثتنا “ما إن رفعت الغطاء عنها إذا بي أرى منظرا مفزعا فملامح وجه العجوز غير تلك التي أعرفها استوحشت وتغيّرت تغيّرا فظيعا واستحال جسدها أخضرا وانتفخ بطنها بشدة رغم أنه لم يمض على وفاتها إلا وقت قصير تستردف “مُلّات منها رعبا وقدماي لم تعد تقويا على حملي …تراجعت وانهالت دموعي بحرقة من الصورة التي هي عليها …غسّلتها وما إن بدأت بتكفينها اذا بسائل أسود يفيض من جميع أنحاء جسدها واتّسخ الكفن عن آخره تقول المُغسّلة “كان الموقف من أصعب ما مرّ علي في حياتي“.
قد تحمل عملية تغسيل الموتى دلالات تقول إحدى المغسلات وتذكر حكاية سيدة في الأربعينات توفيت ببوفاريك، وغُسّلت بالمستشفى، تروي محدثة الشروق، “رافقتني فتاة إلى المستشفى لتساعدني “وما إن أقعدنا الجثة لعصرها إذا برائحة نتنة تنتشر وتعم الأرجاء، استعملنا “الشامبو” والكافور غير أن الرائحة الكريهة زادت انبعاثا “فطلبت من مساعدتي أن تعيد تغسيلها بيد أن الرائحة زادت انبعاثا لدرجة جعلتنا نتقيّأ، وبمجرد أن وضعنا جثتها فوق الكفن إذا بوجهها الذي بدت عليه صفرة الموت يتحول إلى أسود وانتفخت رجلها ثم انفجرت وسالت منها دماء وقيح في مشهد يربك الرائي” تقول عند سؤالنا عنها علمنا من قريبتها أنها كانت سيئة السمعة ورفض أهلها حتى إدخالها للمنزل لإلقاء النظرة الأخيرة.
الجثة فتحت عينيها.. الجثة تتكلم
تسود معتقدات متوارثة بين الجزائريين أن الميت ما إن تٌقبض روحه ويدخل عالما آخر من الغيب يبدأ في إرسال إيماءات وايحاءات في غالبيتها “نذير شؤم” تجعل ذويه يرتعدون وترتجف قلوبهم، تقول سيدة من البليدة تقوم بتغسيل الموتى منذ سنوات “ما إن نكمل عملنا في تجهيز الميت” حتى يبادرنا أقاربه بالسؤال إن بدرت منه أي علامة أو بالأحرى “هل فتح عينيه؟؟”، معتقدين أن ذلك فأل سوء، تفسيره الوحيد أن فردا من عائلته ستوافيه المنيّة قريبا، ويذكر عامل بمصلحة حفظ الجثث بالبليدة “غلق أعين المتوفى أول ما نقوم به عند بدء التغسيل غير أننا شاهدنا العشرات وهم يعيدون فتح أعينهم إّذ ترتجف جفون الجثة وتنظر أعينها إلى أعلى وكأنها تتطلع إلى شيء لا يراه أحد سواها.
يذكر محدثنا واقعة طريفة صادفته خلال عمله بثلاجة الموتى إذ توفي مريض بمستشفى البليدة وارتأى أهله أن يغسل هناك، فطلبت من أحدهم أن يساعدني وما أن أقعدنا الجثة لعسر بطنها اذا بالميت “يتجشأ ويصدر صوتا” فخيل إلى المساعد أن الجثة تكلّمت فراح يصرخ وفرّ مفزوعا.
فرح بالمغسلة
مثلما يرى الغسّال خيبات خلف أسوار المغسلة فإنه يقف على بشائر وكرامات قد تغيب عن أهل الميت أنفسهم، وتسرد لنا خديجة قصة فتاة توفيت أياما قبل موعد زفافها بعدما أصابها مرض خبيث “بدأت مساعدتي بغسل وجهها بالصابون فاحمرت وجنتاها، وبدا وجهها كالقمر، وما انفكت رفيقتي تكرر غسله وتزيد والنور يشع من وجهها كأنها عروس يوم زفافها وصار ماؤها أبيض كالحليب وفاحت منها رائحة المسك “فالفتاة كانت طالبة علم، لا تترك صلاتها وتصوم النوافل وماتت مبطونة حدثتنا مغسّلتها.
أما الطفلة “ملك” ذات الثمانية أشهر فـ”كأنّ أيادي خفيّة غسلتها”، وعلت فاهها ابتسامة تسرّ الأرواح و”خالتي مريم” التي عرفت بطول قامتها، خشينا ألا يكفيها الكفن غير أنه زاد ذراعا لدرجة احترنا كيف نتدبر ربط القماش الفائض، فالمرأة منذ وفاة زوجها اعتزلت الناس والطرقات لا تخرج إلا لضرورة، استترت ببيتها فسترها الله هكذا وصفت الغسّالة حالها ويقول أحمد “توفي شيخ، قضى عقود من حياته بمصحة الأمراض العقلية وبينما نحن نهّم بتغسيله إذا بنا نشاهد سبابته اليمنى مرفوعة وكأنه يتشهد، حاولنا عبثا فتح يده لمرات، فكفنّاه ودفنّاه على حاله” فالرجل الذي عاش فاقدا زينة العقل، غاب عنه كل شيء إلا التشهد ومات مصرا على التوحيد قبل أن تفيض روحه إلى بارئها، يعلّق الغسّال.
شعر الميت .. ماء التغسال والصابون
بين صدمة الفاجعة والوجع والدموع المنهمرة الذي يذفرها ذوو الهالك، تقف عيون تترقب تحركات الغسالين وسكناتهم أملا في الوصول إلى شيء من الميت، تقول خديجة تعرضت ومساعدتي في عديد المرات لسرقة أغراض من المغسلة واستغربنا قص قطعة من السترة في غفلة منا واختفاء خرقة الغسيل حتى “الضمادات التي ننزعها من المرأة المتوفاة لا نجدها، فصرنا أكثر حرصا نضع ثياب الميت وكل مخلفات غسله في كيس نُحكِم وثاقه ونسلمه لأقرب شخص إليه، وبدلا من الصابون صرنا نستعمل الشامبو حتى لا ندخل في متاهة الخوف من أن تقع القطعة بين أيدي المؤمنين بالسحر والشعوذة”. وتروي مساعدة لها موقفا تعرضت له في إحدى الجنائز فبينما كانت تهم برمي ماء الغسل بالمرحاض فإذا بسيدة تتبعها وتستعجلني في الخروج بحجة أنها تعاني من “السلس” فشككت في أمرها وانتظرتها إلى أن خرجت كانت حاملة منديلا تدسه بين ثيابها واتضح أنها استعملته لتنشيف الماء الذي كان بإناء غسل “الميتة” عن آخره تقول محدثتنا “انتزعته منها بعد عراك”، وادعت عجوز أن كنّتها حامل وأغمي عليها واقتحمت المغسلة بحثا عن قطرة من العطر الذي جلب مع الكفن، وتذكر ذات المغسّلة دخول قريبات عجوز متوفية لإلقاء نظرة عليها وسرقتهن لشعرها الذي تساقط بعد تمشيطه، وكذا إلحاح قريبة ميتة أخرى على وضع خمار داخل كفنها بحجة أنها جلبته من العمرة وما في ذلك من تأويلات لفعلها.
“سيلفي” مع الجثة وأكفان على الموضة
انتقل هوس “السيلفي” من مواكبة الأحداث اليومية والمناسبات ليجتاح مغاسل الموتى. ويروي عامل بمستشفى في البليدة “بعد الانتهاء من تغسيل جثة إذا بشخص يستخرج هاتفه النقال ويلتقط صورة له مع الجثة دون مراعاة لحرمة الميت، مبررا فعلته أنها فقط من باب الذكرى كونهما صديقين ولم يلتقيا منذ زمن بعيد. وتستغرب إحدى المغسلات الموضة التي طالت حتى الكفن “إذ تفاجأنا ونحن بصدد تجهيز امرأة بوجود سروال وقميص إلى جانب الأثواب الخمسة للكفن”، ناهيك عن طقوس إشعال الشموع بـ “المغسلة” التي تجبرنا عليها بعض العائلات، رغم أن المصاب جلل والفاجعة كبيرة ولا يستدعي رومنسية الشموع تقول محدثة الشروق.
وبينما يجتهد الشباب والفتيات ويتنافسون لحضور عمليات التغسيل ويكثفون اتصالاتهم بثلاجات الموتى عبر المستشفيات والجمعيات الخيرية طمعا في الأجر العظيم، يستثمر أخرون في مصائب الناس ويتاجرون في مآسيهم ويضاربون في أسعار الكفن ويطلبون حتى الأجرة عن “تغسيل الميت” التي وصلت إلى 5000 دج بشهادة الكثيرين.