الشروق العربي
عندما تنعكس تراكمات الطفولة على العمل والزواج

الغيرة بين الإخوة.. خلافات بريئة تتحول إلى صراعات عميقة

نسيبة علال
  • 1081
  • 0

تعد من أقل الظواهر التي يتم التعامل معها بوعي واهتمام، في كثير من البيوت، بالرغم من كون الغيرة بين الإخوة واحدا من أكثر المشاعر الإنسانية شيوعا داخل الأسرة، إذ يتم اعتبار مشاحنات الأبناء وتنافسهم المستمر أمرا طبيعيا بين الإخوة.

بينما قد تكون بعض هذه المشاعر مؤشراً عن صراعات نفسية أعمق تستمر لسنوات طويلة، وقد تمتد آثارها إلى الحياة الزوجية والاجتماعية والمهنية في مرحلة البلوغ، فتتحول من غريزة فطرية مرتبطة بالتنافس على الحب والاهتمام، إلى مشكلة نفسية واجتماعية مزمنة.

يكشف الواقع أن العلاقات الأخوية قد تتحول إلى ساحة تنافس وصراعات مكتومة، قد تبدأ بلعبة أو هدية أو كلمة مدح، ثم تتطور مع السنوات إلى غيرة وعداوات وخلافات قد تصل إلى القطيعة، وفي وقت يعتقد كثيرون أن الغيرة بين الإخوة أمر طبيعي يزول تلقائيا مع التقدم في العمر، يرى مختصون في علم النفس الأسري أن بعض أشكال هذه الغيرة قد لا تختفي، بل تتغير مظاهرها فقط، لترافق أصحابها في الدراسة والعمل والزواج والعلاقات الاجتماعية. تقول الأخصائية في علم النفس، نادية جوادي: “بذور الغيرة الأخوية تبدأ غالبا منذ السنوات الأولى من العمر، خاصة عند ولادة طفل جديد في الأسرة، فالطفل الذي كان يحتكر اهتمام والديه يجد نفسه مضطرا إلى تقاسم هذا الاهتمام مع وافد جديد، ما قد يثير لديه مشاعر الخوف من فقدان مكانته العاطفية. وهذه المشاعر لا تعني بالضرورة أن الطفل سيئ أو أناني، بل هي استجابة طبيعية لشعوره بالتهديد العاطفي”.

 شعور فطري أم نتاج أخطاء تربوية؟

يؤكد علماء النفس أن الغيرة بين الإخوة ليست ظاهرة حديثة ولا سلوكا مكتسبا بالكامل، وإنما هي شعور فطري له جذور بيولوجية، ترتبط بطبيعة الإنسان وحاجته إلى الشعور بالأمان والانتماء والحصول على الاهتمام، تظهر هذه المشاعر غالبا في صورة سلوكيات مختلفة، مثل العناد، أو التعلق الزائد بالأم، أو المشاحنات المتكررة مع الأخ الأصغر، أو حتى التراجع المؤقت في بعض المهارات والسلوكيات. وهنا، يجب التعامل مع هذه المرحلة على أنها طبيعية في نمو الطفل، لكنها تحتاج إلى تعامل تربوي واع حتى لا تتحول إلى شعور دائم بالنقص أو الرفض.

تؤكد الأخصائية النفسية جوادي، على أن: “طريقة تعامل الوالدين مع هذه المرحلة هي التي تحدد ما إذا كانت الغيرة ستبقى في حدودها الطبيعية، أم ستتحول إلى عقدة نفسية طويلة الأمد، عندما يتحول التفضيل إلى وقود للغيرة في كثير من الأسر، لا تنشأ المشكلة من وجود الإخوة أنفسهم، بل من المقارنات المستمرة بينهم، عند القول مثلا: أخوك أذكى منك، أو أختك أكثر جمالا، قد تبدو للبعض مجرد وسائل تحفيز، لكنها في الواقع تزرع إحساسا عميقا بالغيرة”… تضيف: “التمييز الواضح بين الأبناء، سواء في المعاملة أم الهدايا أم الاهتمام أم الثقة، يترك آثارا نفسية للفرد تستمر مدى الحياة، بأنه الأقل حظا في الحب أو التقدير، وقد يكبر وهو يحمل شعورا دفينا بالظلم تجاه أخيه أو أخته، حتى وإن لم يعد هناك سبب حقيقي لهذا الشعور”.

 امتدادات وانعكاسات على الحياة الخاصة والاجتماعية

بعض الخلافات الحادة بين الإخوة في مرحلة الرشد لا تكون مرتبطة بالأحداث الحالية، بقدر ما تكون انعكاسا لجراح قديمة، لم تعالج منذ الطفولة، إذ لا تقتصر آثار الغيرة الأخوية على العلاقة بين الإخوة فقط، بل قد تمتد إلى مختلف جوانب الحياة، فالشخص الذي نشأ في أجواء تنافسية قاسية قد يطور حساسية مفرطة تجاه نجاح الآخرين، أو يميل إلى مقارنة نفسه باستمرار بمن حوله، كما قد يواجه صعوبة في بناء علاقات صحية قائمة على الثقة والتعاون، لأنه اعتاد رؤية الآخرين كمنافسين لا كشركاء، وفي الحياة الزوجية، قد تظهر هذه الآثار على شكل غيرة مفرطة، أو خوف من التهميش، أو حاجة مستمرة إلى التأكيد والاهتمام. وفي بيئات العمل، يمكن أن تؤدي هذه المشاعر إلى صراعات خفية مع الزملاء أو إلى شعور دائم بعدم الرضا، مهما حقق الشخص من نجاحات، فيتحول الزواج والعمل وحتى تربية الأبناء إلى وسائل غير مباشرة لتعويض نقص قديم.

مقالات ذات صلة