مظاهرات غاضبة تهز كل المدن التونسية للمطالبة بحل الحزب الحاكم
الـ “RCD” سرق ثروتنا لكنه لن يسرق ثورتنا
أشعلت حكومة الوحدة الوطنية التي أعلنها الوزير الأول محمد الغنوشي فتيل المواجهات في كبرى المدن التونسية وتميزت المسيرات الشعبية التي استمرت منذ الحادية عشرة صباحا إلى مساء أمس الثلاثاء برفع شعارات تدعو إلى اجتثاث التجمع الدستوري الحاكم الذي بقي مسيطرا على الحكومة الجديدة، بست وزارات وهو ما اعتبره المتظاهرون استمرارا لنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
- وكان الاحتقان هو سيد الموقف بشارع الحبيب بورقيبة حين تجمعت الجماهير الغاضبة أمام الحزب التقدمي المعارض الذي يشارك في حكومة محمد الغنوشي من خلال الوزير محمد نجيب الشابي الذي كان أول مرشح للرئاسة، مطالبين إياه بالاستقالة من الحكومة، وتطور الوضع إلى مواجهات عنيفة مع رجال قوات مكافحة الشغب التي استخدمت القنابل المسيلة للدموع، واستمر الوضع المتوتر طيلة النهار، حيث تحولت الشوارع الفرعية لشارع الحبيب بورقيبة إلى منافذ لعشرات المسيرات، وكلما قامت قوات مكافحة الشغب بقمع مسيرة وتفريق المشاركين فيها واعتقال بعضهم، فاجأتهم مسيرة أخرى من شارع آخر.
- براميل وفروع أشجار لمواجهة عنف رجال الأمن
- وكان أغلب المشاركين في المسيرات من فئة الشباب، حيث كانوا يحملون عصي وفروع أشجار ويدفعون أمامهم براميل فارغة لمواجهة قوات مكافحة الشغب التي لم تكن تتردد في استخدام أقسى درجات العنف لقمع المتظاهرين، حيث يتم الاستعداد بشكل منسق لتنفيذ الهجوم على المتظاهرين الذين يلوذون بالفرار والمتخلفون منهم يقعون بين أيدي الشرطة، وقد شوهد قرابة 10 رجال أمن يضربون متظاهرا بالعصي والأرجل في استخدام مفرط للقوة. وأمام هذا المشهد العنيف الذي يعبر عن الاستعداد التلقائي لأجهزة الأمن التونسية في استخدام القوة المفرطة في مثل هذه المواقف التي تتطلب ذلك، لم تتمالك سيدة كانت تشاهد من يحدث من شرفة بيتها وبدأت في رشق رجال الشرطة بالحجارة من أجل تخليص المتظاهر منهم، فردوا عليها بالشتم والكلام البذيء.
- وعمّت المسيرات مختلف المدن التونسية الكبرى، رافعة شعارات مناهضة للتجمع الدستوري، طالبين بطرد وزرائه من الحكومة. وقد اقتربت الشروق من بعض المتظاهرين وسألتهم عن السبب وراء إصرارهم على مواصلة التظاهر رغم القمع الذي يتعرضون لها فأكدوا أنهم لن يتوقفوا عن التظاهر سلميا حتى يسقط التجمع الدستوري تماما، وقال الشاب نبيل بن عامر الذي ينحدر من ساقية سيدي يوسف إن المحسوبين على نظام زين العابدين بن علي سرقوا أموالنا، لكنهم لن يستطيعوا سرقة عزيمتنا، وأضاف “لقد نجحنا في تغيير نظام جثم على صدورنا لمدة 23 سنة، فكيف نحن عن إسقاط هذه الحكومة التي أعلنت قبل 24 ساعة”؟
- وقال متظاهرون آخرون للشروق إنهم لم يثوروا بسبب الخبز أو المعيشة وإنما ثاروا طلبا للحرية، ولا نريدها حرية منقوصة، مؤكدين أن هدفهم الرئيسي هو اجتثاث التجمع الدستوري نهائيا باعتباره المسؤول عن الوضع الذي وصلت إليه تونس.
- ومما زاد في حماس المتظاهرين هي الأصداء الواردة عن الاستقالات المتتالية من الحكومة الجديدة، حيث استقال وزيرا اتحاد الشغل والتكتل الديمقراطي بسبب مشاركة التجمع الدستوري فيها، كما أعلن حزب التجديد كذلك انسحابه من الحكومة، فيما دخلت الأحزاب الأخرى في اتصالات واجتماعات ماراطونية لتحديد الموقف من التطورات الأخيرة.
- وبحدود الساعة الثالثة زوالا بدأت المسيرات تتفرق تدريجيا على وقع إطلاق رصاص حي من قبل رجال الشرطة لإخافة المشاركين في المظاهرات، ولم يتم تسجيل مصابين في المواجهات، كما أن المظاهرات في باقي المدن لم يتم قمعها مثلما حدث في العاصمة تونس.
- تصريحات الغنوشي ووزير داخليته أغضبت الجميع
- وحسب مسؤول بالحزب التقدمي المعارض فإن التصريحات الواردة على لسان كل من الوزير الأول محمد الغنوشي ووزير الداخلية الجديد أغضبت التونسيين وجعلتهم يخرجون إلى الشارع من جديد بعد أن أدركوا أنهم حققوا نصف انتصار بإزاحة زين العابدين بن علي والإبقاء على نظامه، ولم يهضم التونسيون خرجة محمد الغنوشي الذي قال في تصريحات صحفية لفرنس 24 إنه اتصل بالرئيس زين العابدين بن علي وشرح له الوضع في تونس وكيف أن الشعب يرفض النظام السائد، حيث فهموا من هذه الحركة التي قام بها الوزير الأول أن بن علي لايزال ريئسا عليهم بدليل أن الغنوشي يكون قد استشاره في قضية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. وكان ذلك واضحا في الشعارات التي رفعها المشاركون في المسيرات من خلال لافتات كتب عليها عبارة “rcd degage”وأخرى كتب عليها ”rcd out”.
- وكذلك الشأن بالنسبة للتصريحات الصادرة عن وزير الداخلية الجديد الذي اعتبر ما يحدث من مظاهرات، عمل تقوم به مجموعة من المشوشين، مستخدما نفس التحليل والمصطلحات التي كانت تستخدم في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وهو ما يؤكد استمرار نظام زين العابدين رغم هروبه.
- الشارع التونسي يتنفس الحرية لأول مرة منذ عهود
- وبعيدا عن أجواء الشحن في المظاهرات، فإن الشارع التونسي لا يتحدث إلا عن الحرية التي أصبحوا يتمتعون بها بعد الرحيل المذل للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، حيث أصبحوا ينتقدون المسؤولين علانية بعد أن كان ذلك من أشد الممنوعات قبل أسبوع فقط، حيث حدثنا العديد عن البوليس السري الذي كان ينتشر في كل مكان ويرصد أية همسة ضد نظام بن علي، ليتم إيداع من يقوم بها مباشرة في السجن، وقال خالد وهو كهل في الخمسين من العمر إن التونسيين تمكنوا من التخلص من ثلاثة “استعمارات” إلى الآن، وهم الاستعمار الفرنسي، واستعمار الحبيب بورقيبة، واستعمار زين العابدين بن علي.
- غير أن الشارع التونسي يتحدث كذلك عن مسارعة البعض إلى قطف ثمار الثورة التي قاموا بها من خلال الإدعاء بأنهم كانوا طرفا فاعلا في التغيير الذي حدث، بينما هم في الواقع كانوا مستفيدين من نظام زين العابدين بن علي، ويدرجون فتح المجال أمام التجمع الدستوري الذي قاد البلاد إلى الهاوية.
- وفي آخر تطورات السياسية، التحق أمس المعارض التونسي منصف المرزوقى بعد عشرين سنة قضاها خارج البلاد، وعبر عن رغبته في الترشح إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما أعطى دفعا للمعارضة التي تسعى إلى تعزيز حضورها في المشهد السياسي، حيث تزايدت المطالبات بالمرور إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني بدل الحكومة التي شكلها الوزير الأول محمد الغنوشي المتهمة بأنها امتداد للنظام السابق بسبب العديد الكبير من الوزراء السابقين.
- وفي التطورات الأمنية، فقد سجل اختفاء كلي لميلشيات الرئيس السابق زين العابدين بن علي التي نشرت الرعب خلال الأيام الماضية عبر حوادث إطلاق النار وأعمال الاعتداء والحديث الذي ساد حول وجود عدد كبير من السيارات المفخخة.