الجزائر
الشروق" تخترق أسوار القوة الضاربة للشرطة

الـ”BRI”.. خطوة واحدة بين الحياة والموت

الشروق أونلاين
  • 37931
  • 0
جعفر سعادة

يخاطرون بحياتهم مقابل أمن المواطنين والشخصيات والوزراء وكبار مسؤولي الدولة، هم شباب مفعم بالحيوية والنشاط، يتميزون بالسرعة في التنفيذ والتدخل، والدقة في البحث والتحري، لكنهم في نفس الوقت “علبة سوداء” عندما يتعلق الأمر بسرية التحقيق، تختلف مسمياتها وسط المواطنين بين النينجا والنمور السوداء أوالسنايبر، لكنها في الحقيقة فرقة من طراز خاص لا تعرف حدودا لاختصاصها الإقليمي، لذلك لا مجال للخطأ والإهمال والتهاون… إنهم رجال الـ “BRI”

“الشروق” اقتحمت عالما كله أخطار، وعاشت يوما كاملا مع فرقة الـ”BRI”، وهي المدة التي كانت كفيلة لتؤكد أن هذه “العلبة السوداء” التي لا يعرف عناصرها “المستحيل” تكرس مبدأ “الكاسكيطة والبذلة الزرقاء” وحب الوطن، متيقنة أنها مسبلة حياتها ومسلمة إياها لآخرين، رافعة شعار “الشرطة واجب، التزام، تضحية واستمرارية”، وعندما يتعلق الأمر بالضحية فإن القضية تصبح شخصية.

الجريمة المنظمة والإرهاب نقاط تحت أعين “النمور السوداء”

لم نكن نتوقع أن اختراق أسوار “دار البياري”، الفرقة التي يثني أغلب المواطنين على كفاءاتها واحترافيتها سيكون سهلا، لكن خلية الاتصال والصحافة، سواء على مستوى المديرية العامة للأمن الوطني أو على مستوى أمن ولاية الجزائر دعمتنا وجعلتا من “الصعب سهلا” للقيام بهذا الربورتاج.

الساعة كانت تشير إلى العاشرة صباحا عندما وصلنا إلى مقر أمن ولاية الجزائر، حيث تم استقبالنا من طرف عميد الشرطة رابح زواوي المكلف بالإعلام بأمن ولاية الجزائر، ليتم توجيهنا مباشرة رقفة الملازم الأول مهدي إلى الطابق الأول، حيث مقر فرقة البحث والتدخل، أين تم استقبالنا من طرف المسؤول الأول للفرقة عميد الشرطة حاج لمين صدوق وعدد من إطاراته، إذ تلقينا العديد من التفاصيل حول الفرقة عموما والمهمة المكلفة لأصحابها خصوصا، قبل أن ننتقل إلى الميدان، وتزامن إنجازنا لهذا الروبورتاج وبمقر الفرقة بأمن ولاية الجزائر، الاستماع لأكثر من 15 شخصا راحوا ضحية شبكة مختصة في النصب والاحتيال لسرقة مركبات الضحايا، بينهم هؤلاء الذين استفادوا منها في إطار لونساج ولكناك.

 

جاهزية قصوى …الاقتحام والتفاوض أمور دقيقة

أكثر من 8 ساعات قضيناها رفقة الـ ،”BRIوهي المدة التي كانت كافية لندرك أنهم رجال ينشطون في الظل، لا يبتسمون، ويرمقونك بنظارات حادة وثاقبة، وهي النظرات التي لمحناها ونحن نعد هذا الروبورتاج، فبالرغم من تقربنا منهم واحتكاكنا بهم طيلة يوم كامل، غير أننا لم نفلح في افتكاك ولو ابتسامة أو ضحكة بسيطة، فهم يتميزون بالانضباط والسرية وواجب التحفظ من أجل إنجاح كل عملية توكل إليهم، شريطة أن يكون العمل بروح الجماعة، فكل عنصر يكمل زميله لأداء المهمة الموكلة له، يقضون يوما كاملا دون أكل بعيدا عن أهاليهم وأبنائهم، ليلهم كنهارهم، لا يغمض لهم جفن، لكنهم يشعرون بالارتياح والفرحة بعد تأدية واجبهم.

لسنا نبالغ في وصف النمور السوداء، لكن حاولنا إظهار الحقيقة الكاملة لمن لا يعرفونهم، لأنهم  قادوا  وبكل سرية أكبر عمليات التحقيق والتحري في كبريات الفضائح المالية، وتمكنوا بنجاح من إحباط عمليات إرهابية خططت لتفجير العديد من المقرات الرسمية والحساسة  في عاصمة البلاد، كما تمكنوا من تحرير الرهائن وتفكيك شبكات الدعم والإسناد وكانوا وراء توقيف مسؤولين كبار في قطاعات عمومية مختلفة، مهما كان منصبهم أو نفوذهم.

 

هكذا تم الإطاحة بالبرلماني الجاسوس لصالح المخابرات الإسبانية

كما كان عناصر البحث والتدخل وراء الإطاحة بجواسيس من العيار الثقيل على شاكلة البرلماني  السابق الذي كان يتجسس لصالح المخابرات الإسبانية، والمتواجد حاليا في السجن قيد التحقيق، حيث إن المتهم الذي يتواجد حاليا رهن الحبس، كان يشغل منصب برلماني بالمجلس الشعبي الوطني من أحد الأحزاب الحاكمة، كما أنه معروف بكونه أحد إطارات الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية والاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين.

تفاصيل القضية حسب ما علمناه في عين المكان، تعود إلى ورود معلومات إلى عناصر الفرقة تفيذ بتجسس أحد الأشخاص لصالح المخابرات الإسبانية، وعلى إثر ذلك وبمساعدة من زوجة المتهم التي لا تعرف أنها الزوجة الخامسة تم الإطاحة به، حيث تبين أنه برلماني سابق كان يستعمل الواتساب والفايبر لتزويد المخابرات الإسبانية عن طريق سفاراتها في الجزائر عن أحوال الرئيس بوتفليقة، والوضع المالي للجزائر واحتياط البترول، والأخطر أنه كان يقدم تقارير مفصلة عن أحداث غرداية.

 

السنايبر القناصين والمفاوضون… اختصاصات نوعية لرجال الـ “BRI”

الوقوف ميدانيا على فرقة البحث والتدخل، أكد أن رجال البياري اختاروا مهنة كلها أخطار وصعوبات، فلم نكن نتوقع لدى دخولنا مقر فصيلة التدخل أن خلف تلك الأسوار تختفي كفاءات رسمت مكافحة الإجرام، هدفها، ولا تعرف الخوف، لأن العزيمة والتحدي شعارها، بنظرات ثاقبة تحمل في عمقها خبرة تؤكدها نتائج عمل البياري ميدانيا في مكافحة الإرهاب واختراق أخطر الشبكات الإجرامية، وشعار أدائهم السرية التامة، والخطر بات أمرا مفروضا في مهنتهم، بجاهزية قصوى 24 ساعة على 24 ساعة  وبسيارات سوداء رباعية الدفع، ونوافذ عازلة للرؤية تجعل كل من يلاحظهم يؤكد فعالية هذا الجهاز في ضرب ومكافحة الإجرام، لأنها فرقة من الطراز الخاص، فبمجرد أن تكتمل مرحلة التحري لدى فرقة البحث تدخل فصيلة التدخل على الخط.

استقبلنا من طرف إطارات فصيلة التدخل التي يرأسها ملازم أول للشرطة شهير جبوري، الذي تظهر خبرته رفقة نخبة من إطاراته المسؤولين في تجهيز وتدريب ما يسمون بالنينجا أو النمور السود، حيث أكد لنا رئيس فصيلة التدخل جبوري، أن عنصر فصيلته حين ينطلق في مهمته فإن حياته تكون على المحك وإنهاء مهمته بنجاح هو هدفه، فلا مجال للخطأ لأن هذا قد يكلفه حياته، حيث إن عنصر البياري يجب أن يعرف كيف يتدخل، وكيف يوقف، ومتى يفاوض، ومتى يقتحم، مضيفا إلى أن التغلغل وسط الجريمة وشبكات المافيا ليس بالأمر السهل، غير أن عناصر البياري نجحوا من خلال التسلل إلى عدد من الشبكات خاصة شبكات الاتجار بالمخدرات والعصابات التي تحترف النصب والاحتيال والتزوير وغيرها، وهذا وفق قانون التسلل وتمكنوا من تفكيكها.

وأحيانا يقول رئيس الفصيلة الرابعة محافظ الشرطة سيد أحمد زكي دنان أنه في بعض الأحيان يتطلب العمل ارتداء الزي المدني واستعمال سيارات مموهة للتمكن من التوغل في بؤر التوتر والإجرام، أين يكون الخطر دائما قائم، لكن المعطيات التي تكون قد وفرتها فرقة التحري التي تضع عنصر التدخل أمام تصور شامل عن العملية قد يجعل المهمة أسهل حسب ذات المسؤول.

 

أجسامهم هي أسلحتهم.. وشبح الموت يخيّم على قاعة الرماية

وفي سياق متصل أكد مرافقنا طيلة إنجازنا لهذا الربورتاج مفتش الشرطة المعروف بـ “أدام”، رئيس فوج التدخل أن تقنيات التوصل للمعلومة تعد هي الأخرى من أسرار المهنة، لكن الأمر المؤكد حسبه هو أن تقنيات الفرقة تخضع للتحديث وتكوين عالي المستوى، وذلك تماشيا مع تطور الجريمة المنظمة وتقنياتها، غير أن طرق الوصول إلى هذه المعطيات خط أحمر، لكن الأكيد أن المهنية الكبيرة التي يعمل بها أعوان الفرقة قد تجعل أي شخص محل شبهة في موقع مراقبة دون أن يشعر إلى حين استكمال جمع كافة خيوط القضية.

من جهته، أكد مفتش الشرطة محمد أيت منصور مدرب عناصر التدخل في الرياضة القتالية أن فرقة الـ “BRI”، اختصاصها غير محدود، غير أن الاستقرار والمساس بممتلكات المواطنين حسب المسؤولين، ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والتغلغل وسط الشبكات أكبر تحدي يعمل لأجله نخبة من عناصر الشرطة، مشددا على عنصر البياري، يتقيد ببرنامج دقيق ومتنوع المحاور كفنيات الشرطة وفنيات الاقتحام والتدخل وفنيات النزول بالحبال، وأضاف بأنه يتم التركيز على فنيات القتال بتلقي تمرينات رياضية ودروس في الدفاع الشرعي كـ”الجيدو” و”البوكس”.

في حين أكد مفتش الشرطة عبد الحميد بوجعادة مدرب عناصر الفرقة في الأسلحة والرماية، وهذا خلال تواجدنا في قاعة الرمي بمقر الفرقة المتنقلة للشرطة القضائية لباب الزوار أن عملهم يرتكز أيضا على الرمي العملياتي، موضحا أنه يتم انتقاء المختصين في الاقتحام، وفي تقنيات استخدام الأسلحة، وحتى المتفجرات، وبعد ذلك يأتي الدخول في المرحلة الثانية التي يوجه فيها النمور إلى التخصصات المناسبة كل وفق مؤهلاته، عمليات تكون بها أطراف مسلحة أو تكون بها احتجاز لرهائن، وأشار المتحدث في هذا الصدد أن فرقة الـ”BRI”  تحظى بعناصر مختصة في التفاوض مع المجرمين، تقوم بمخاطبتهم قبل اللجوء إلى القوة على غرار حجز الرهائن والتهديد بتصفيتهم جسديا، إذ تلقوا تكوينا عاليا في فنون التواصل مع أصحاب الفكر الإجرامي.

 

رئيس فرقة البحث والتدخل لأمن ولاية الجزائر عميد الشرطة حاج صدوق لمين 

سرية في التحقيق وتقنيات عالية في جمع واستغلال المعلومة

أكد رئيس فرقة البحث والتدخل لأمن ولاية الجزائر عميد الشرطة حاج صدوق لمين أن الـ”BRI” ، تغطي كامل قطاع اختصاص ولاية أمن الجزائر، وتتمثل مهامها في محاربة الجريمة المتوسطة والكبرى بمختلف أشكالها، خاصة مكافحة الجرائم الإرهابية، وهذا عن طريق المبادرة التلقائية بالبحث عن المعلومة ذات الطابع القضائي، مع القيام بعمليات المراقبة والتتبع التي تهدف إلى تفكيك الشبكات الإجرامية وكذا تقديم المتهمين أمام الجهات القضائية.

وأوضح ذات المسؤول أن عمل الفرقة يعد عملا متكاملا، حيث إن مرحلة العمل الأولى تكون عن طريق البحث والتحري والأهم وتحظى بسرية تامة، يتولى فيها عناصر الشرطة المنتمين لهذه الفرقة بالتكم، إذ لا يمكن معرفة طبيعة الملفات المعالجة بين مختلف الضباط المكلفين بمتابعة أي ملف، ولا تتسرب تفاصيل القضية محل المتابعة إلا لرئيس أمن الولاية، وكذا المحافظ ورئيس الفرقة، وهذه السرية تحتمها طبيعة عمل الفرقة التي ترتكز أساسا على استغلال المعلومات، حيث يتم تكليف عناصر من الفرقة بالتحريات اللازمة من خلال توفير الإمكانيات، ويتم التحقيق بالتنسيق مع الجهات القضائية، كما يتم أيضا التحقيق في ملفات خارج الاختصاص الإقليمي، وذلك بالتعاون مع الشرطة الدولية “الأنتربول” في كثير من القضايا.

مقالات ذات صلة