الجزائر
نهاية "أكتوبر الوردي"، مختصون يُجمعون:

الفحص المُبكر والعلاج الطبي والدعم النفسي والمرافقة بعد الشفاء… ضرورة

نادية سليماني
  • 77
  • 0

صبرينة مقران: للأسرة والزوج والمقربين دور محوري في توفير بيئة مناسبة بعيدا عن الشفقة

مع إسدال الستار على شهر أكتوبر الوردي، أجمع المختصون طيلة هذا الشهر على التركيز على أهمية الفحص المبكر والتشخيص والعلاج الطبي أولا، يليه جانب لا يقل أهمية، يتعلق بالحالة النفسية للمرأة التي تتلقى خبر إصابتها بالسرطان، وما تعيشه من مخاوف وصراعات داخلية قد لا تقل قسوة عن الآلام الجسدية. فخلف نتائج التحاليل والتقارير الطبية ومواعيد العلاج، تقف امرأة تجد نفسها فجأة أمام واقع جديد، تتغير معه نظرتها إلى جسدها وأنوثتها ومستقبلها، وتحتاج إلى من يسمعها ويحتوي مخاوفها ويمنحها القوة لمواصلة رحلة العلاج.

إن الرسالة التي حملتها مختلف الأيام التحسيسية والتوعوية والملتقيات الطبية والندوات العلمية، المنظمة خلال شهر أكتوبر الوردي، عبر مختلف ولايات الوطن، هي أن محاربة سرطان الثدي لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الكشف المبكر وتوفير العلاج، بل يجب أن تمتد إلى حماية التوازن النفسي للمرأة ومرافقتها في جميع مراحل رحلتها مع المرض. فالتعافي الحقيقي لا يقاس فقط بانتهاء حصص العلاج أو اختفاء الورم، وإنما أيضا بقدرة المرأة على استعادة ثقتها بنفسها، والتصالح مع جسدها، والعودة إلى الحياة بإرادة وأمل.

فخلف كل مريضة بسرطان الثدي امرأة لها أحلام ومخاوف وعلاقات وتطلعات، تحتاج إلى أن تُرى وتُفهم وتُحتضن إنسانيا، وليس فقط أن تُعالج طبيا. ودون إهمال جانب مهم جدا وهو ضرورة مرافقة المرأة بعد شفائها من سرطان الثدي.

وفي هذا السياق، ارتأت المختصة في علم النفس العيادي، صبرينة مقران، المديرة التنفيذية لمؤسسة Brain Care، تسليط الضوء على الأبعاد النفسية لسرطان الثدي، مؤكدة أن المرافقة النفسية تمثل ركيزة أساسية في التكفل الشامل بالمريضة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد إجراء تكميلي يأتي بعد العلاج الطبي، وإنما مسار موازٍ له، يبدأ منذ لحظة إعلان التشخيص ويستمر خلال مختلف مراحل العلاج وحتى بعد التعافي.

وخلال اليوم العلمي للتحسيس حول سرطان الثدي، المنظم أول أمس من طرف مصلحة أمراض النساء والتوليد بمستشفى الدويرة بالجزائر العاصمة، أوضحت المختصة أن تلقي خبر الإصابة بهذا المرض يشكل صدمة نفسية حقيقية بالنسبة إلى كثير من النساء، إذ تجد المريضة نفسها في لحظة واحدة أمام حقيقة يصعب استيعابها، فتدخل في حالة من الذهول وعدم التصديق، وقد تتساءل عن سبب إصابتها، وما ينتظرها مستقبلا، وكيف ستواجه المرض والعلاجات وتداعياتها على حياتها الأسرية والاجتماعية.

وأضافت أن الصدمة الأولى غالبا ما تترافق مع مخاوف متعددة، لا ترتبط فقط باحتمالات تطور المرض أو الألم، وإنما تمتد إلى الخوف من فقدان صورة المرأة عن نفسها، ومن التغيرات التي قد تطرأ على جسدها، فضلا عن القلق بشأن مستقبلها وعلاقتها بزوجها وأطفالها ومحيطها العائلي.

طريقة إعلان التشخيص… الأهم

ومن بين المسائل التي شددت عليها صبرينة مقران، أهمية الطريقة التي يتم بها إبلاغ المرأة بخبر إصابتها، باعتبارها عاملا مؤثرا في استقبالها للتشخيص وقدرتها على استيعابه والتكيف معه. فالكلمات التي تسمعها المريضة في تلك اللحظة، وطريقة تقديم المعلومات الطبية، ومدى احترام حالتها النفسية، كلها تفاصيل قد تترك أثرا عميقا في تجربتها مع المرض.

فليس من السهل على امرأة أن تسمع فجأة كلمة سرطان، ثم تجد نفسها مطالبة باتخاذ قرارات علاجية ومواجهة سلسلة من الفحوصات والتدخلات الطبية، دون أن تتاح لها فرصة كافية لاستيعاب ما حدث. ولذلك، فإن إبلاغ المريضة بالتشخيص يتطلب قدرا كبيرا من التعاطف والاحتواء، مع تقديم المعلومات بوضوح وتدرج، وترك المجال أمامها للتعبير عن مخاوفها وطرح تساؤلاتها.

ولا تتوقف التحديات عند حدود استقبال الخبر، بل تمتد إلى كيفية إخبار أفراد الأسرة، لاسيما الزوج والأطفال والوالدين، إذ تجد المرأة نفسها أمام معضلة نقل الحقيقة إلى المقربين منها دون إثارة مخاوفهم أو تحميلهم أعباء نفسية إضافية، وقد تختار أحيانا إخفاء مشاعرها وإظهار القوة أمامهم، رغم حاجتها هي الأخرى إلى الدعم والمساندة.

تغيرات الجسد… معركة نفسية كبيرة

وأبرزت المختصة أن رحلة العلاج، رغم أهميتها في إنقاذ حياة المرأة ومساعدتها على تجاوز المرض، قد تحمل معها تحديات نفسية وجسدية معقدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتدخل الجراحي والعلاج الكيميائي والإشعاعي، وما قد ينتج عنها من تغيرات في صورة الجسد.

فتساقط الشعر، والندوب الجراحية، واستئصال الثدي في بعض الحالات، والتغيرات الجسدية المصاحبة للعلاج، كلها أمور قد تؤثر في ثقة المرأة بنفسها وإحساسها بأنوثتها، وقد تجعلها تنظر إلى جسدها بطريقة مختلفة عما اعتادت عليه قبل المرض.

وهنا تبرز أهمية عدم اختزال تجربة المريضة في نتائج التحاليل ومدى استجابتها للعلاج، لأن المرأة لا تواجه المرض بجسدها فقط، وإنما تواجه أيضا انعكاساته على هويتها الشخصية وعلاقاتها وحياتها الحميمة. وقد تشعر بعض النساء بالخجل أو الخوف من نظرة الآخرين، أو تتراجع ثقتهن بأنفسهن، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقة الزوجية والحميمية، وهو ما يستدعي توفير فضاء آمن يسمح لهن بالتعبير عن هذه الانشغالات دون أحكام أو إحراج.

كما أن هذه المرحلة تترافق مع مشاعر متباينة، من الحزن والغضب والخوف والتعب، إلى جانب لحظات من الشجاعة والقوة والرغبة في المقاومة، في ظل توالي المواعيد الطبية والفحوصات وانتظار النتائج، وما يرافق ذلك من إرهاق نفسي وجسدي قد يستنزف طاقة المريضة.

انتهاء العلاج لا يعني انتهاء المعاناة النفسية

ومن النقاط المهمة التي أثارتها صبرينة مقران، أن انتهاء العلاج الطبي لا يعني بالضرورة انتهاء المعاناة النفسية، وهي حقيقة قد يغفل عنها المحيط العائلي والاجتماعي، الذي ينتظر من المرأة العودة مباشرة إلى حياتها الطبيعية بمجرد إعلان تعافيها أو انتهاء حصص العلاج.

غير أن المريضة قد تواجه في هذه المرحلة مشاعر مختلفة، من بينها الإحساس بالفراغ بعد انتهاء رحلة طويلة من المواعيد الطبية والمتابعة المستمرة، إلى جانب الخوف من عودة المرض، والقلق بشأن المستقبل، وصعوبة التكيف مع التغيرات التي طرأت على جسدها وحياتها.

وقد تجد المرأة نفسها مطالبة باستعادة نشاطها وأدوارها الأسرية والاجتماعية والمهنية، في وقت لا تزال فيه بحاجة إلى استرجاع توازنها النفسي والتصالح مع تجربتها السابقة. ومن هنا، تبرز ضرورة استمرار المرافقة النفسية حتى بعد انتهاء العلاج، لمساعدتها على إعادة بناء ثقتها بنفسها، واستعادة علاقتها بجسدها، وتجديد رغبتها في الحياة، وإعادة ترتيب أولوياتها ومشاريعها المستقبلية.

مقاربة تكاملية تجمع الجسد والعاطفة والوجود

وفي ختام مداخلتها، دعت المختصة إلى اعتماد “مقاربة تكاملية في التكفل بالمرأة المصابة بسرطان الثدي، تقوم على عدم الفصل بين الجسد والحالة النفسية، وتجمع بين ثلاثة أبعاد أساسية.”

ويتعلق البعد الأول بالجانب الجسدي، من خلال الإصغاء إلى احتياجات المرأة ومساعدتها على استعادة علاقتها بجسدها وتقبل التغيرات التي طرأت عليه بفعل المرض والعلاج.

أما البعد الثاني فيتمثل في الجانب العاطفي، الذي يركز على مساعدة المريضة في التعرف على مشاعرها والتعبير عنها ومواجهتها، بدلا من كبت الخوف والحزن والغضب أو التظاهر بالقوة طوال الوقت، مع توفير المرافقة المتخصصة التي تساعدها على تخفيف حدة الضغوط النفسية.

في حين يرتبط البعد الثالث بالجانب الوجودي، أي مساعدة المرأة على إعادة قراءة تجربتها الشخصية، وتحديد أولوياتها من جديد، واكتشاف المعاني التي تريد أن تمنحها لحياتها بعد المرض، واستعادة قدرتها على التخطيط للمستقبل ومواصلة مشاريعها وأحلامها.

وشددت المتحدثة على أن كل امرأة تعيش تجربة سرطان الثدي بطريقتها الخاصة وبإيقاعها الخاص، لذلك لا يمكن فرض نموذج موحد للتعافي النفسي، أو مطالبة جميع المريضات بالتعامل مع المرض بالطريقة نفسها، بل ينبغي احترام خصوصية كل تجربة والإصغاء إلى احتياجات كل امرأة.

كما أكدت أهمية مجموعات الدعم والمساندة النفسية، لما توفره من فرصة لتبادل التجارب والشعور بأن المرأة ليست وحدها في مواجهة المرض، فضلا عن الدور المحوري للأسرة والزوج والأشخاص المقربين في توفير بيئة يسودها التفهم والاحتواء، بعيدا عن الشفقة المفرطة أو الضغط على المريضة لاستعادة حياتها بسرعة.

مقالات ذات صلة