الفراعنة والأمازيغ حافظوا على مكانة المرأة المرموقة في المجتمع
لا شيء يغريها أكثر من السفر عبر الأزمنة والعصور، في حلّ وترحال بين ضفاف الكتب المختلفة. ولأنها ابنة أمة صرخ في مهدها التاريخ أولى صرخاته، اختارت التاريخ القديم تخصصا لدراستها وبحثها.. إنها الباحثة المصرية “نهى إسماعيل” التي خصت جواهر الشروق بالحوار التالي:
ـ من هي نهى إسماعيل؟
سيدة متزوجة وأم لطفلين، خريجة كلية الآداب قسم التاريخ بجامعة المنصورة، حاصلة ماجستير في التاريخ القديم ومشرفة على بحوث في التاريخ القديم لحوض البحر الأبيض المتوسط.
ـ ماذا يعني لك البحث في التاريخ؟
البحث في التاريخ من أصعب مجالات البحث العلمي، فهو لا يعتمد على المعاينة والتشريح واكتشاف المادة الجامدة والحية، ولا على الغوص في جوهر الإنسان ومعرفة دوافع سلوكياته، إنما يعتمد على استنطاق الفناء من خلال البحث في حياة إنسان الماضي؛ الذي لم يبق منه سوى آثاره، وما نُقِل عنه بسمينه وغثه، أما باحث التاريخ فهو رسول الأجيال يسافر عبر الأزمنة والعصور ليمد جسور التواصل بين ماضي الأمم وحاضرها، والبحث في التاريخ هو مهمة بالغة الأهمية، وانصياع لأمر الله تعالى الذي زودنا بقصص الأمم البائدة، وأمرنا بالتنقل في أرضه الواسعة، والتأمل في حياتهم، من أجل أخذ العبرة ومعرفة نواميس الكون، والحكمة الإلهية في تدبير وتسيير شؤون خلقه، يقول الله تبارك وتعالى: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين”.
ـ برأيك هل البحث في التاريخ متاح للجميع؟
لا يمكن ذلك، التاريخ ليس مجرد توثيق، هو دراسة أكاديمية متخصصة كما وصفه العلامة ابن خلدون “علم النظر والتدقيق” وبول فاليري يصفه بـ “أخطر محصول أنتجته كيمياء الفكر” لأنه عبارة تفاعل بين المَوثّق وفكر الموثِّق، ويعتمد على منهجية بعدة مراحل، أولها البحث والتقصي والتدقيق والتحقيق في المعلومات التاريخية، ثم تأتي بعدها مرحلة التفكيك ثم التحليل والتركيب من أجل الحصول على مادة صالحة للدراسات العلمية. والشرط الذي ينبغي أن يتقيد به باحث التاريخ، ومدوّنه هو الحيادية التامة والتجرد من الأهواء، أما البحوث التي أصبحت تنشر عشوائيا وتفتقر إلى هذه المنهجية المتكاملة فهي مع احترامي مجرد تطفل على البحث التاريخي.
ـ ما هي الصعوبات التي تواجهك كباحثة؟
باحث التاريخ في البلدان العربية يعاني من عدّة صعوبات أولها افتقاره للبيئة المناسبة للبحث، بسبب قلة الدعم المادي، وصعوبة الحصول على الوثائق وقلة المصادر، صعوبة الربط بين طرق البحث الحديثة والتقليدية، بالإضافة إلى المشكل الأخطر والمتمثل في القيود المفروضة على الباحث وتسييس البحث التاريخي وهذا يقلل من مصداقية التاريخ.
ـ تشرفين على بحوث في التاريخ القديم وانتروبولوجيا حوض البحر الأبيض المتوسط كيف كانت حياة المرأة في هذه المنطقة؟
منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط المكتنف بين ثلاث قارات هي مهد الحضارات العريقة جدا، مثل البابلية والأشورية والفرعونية التي تعتبر من أقدم الحضارات الإنسانية، بالنسبة لحياة المرأة في هذه المنطقة فيمكن تقسيمها إلى مرحلتين مرحلة المجتمع الأمومي ومرحلة المجتمع الأبوي، فالمجتمع الأمومي هو أول صورة للمجتمع الإنساني، وكانت فيه المرأة هي القائدة والرائدة في القبيلة، وهي زارعة بذور الحضارة الإنسانية الأولى، حيث كانت كاملة القوة والنفوذ، قبل أن يقايض الرجل سلطتها وحريتها، براحتها وتفرغها للإنجاب والاهتمام بالأطفال، بينما يتولى هو الصيد وخدمة الأرض وتوفير لقمة العيش، وهذه المرحلة تسمى الإنقلاب الذكوري، لأنه في هذه المرحلة أفاقت عشتار وحفيداتها ليجدن أنفسهن دون حقوق، وانحسر دور المرأة من صانعة الحضارة إلى دمية الرجل، فاحتقرت وأهينت لدى الإغريق والرومان والعرب والصينيين والهنود، بينما حافظت على مكانتها الرفيعة لدى قلة من الأمم الأخرى منها الفراعنة والأمازيغ الذين ظهرت في مجتمعاتهم ملكات وقائدات عظيمات مثل حتشبسوت، كليوباترا، تهيا الزناتية، تينهينان.
ـ كلمة أخيرة توجهينها لكل باحث مبتدئ في التاريخ
لا شكّ أنّكم تقرؤون في عدة مصادر عن معارك خاضها أسلافنا في سبيل الحفاظ عن شرف الجسد، لنترك لأبنائنا قصصا عن معارك في سبيل الحفاظ عن شرف الفكر. وليكن قادة جيوشها الباحثون في التاريخ وناسخوه.