الرأي

الفصائل الفلسطينية.. الفرصة الأخيرة

بقلم: بن عجايمية بوعبد الله
  • 501
  • 0

في اعتقادي، لم تشهد القضية الفلسطينية انتكاسة في تاريخها مثل ما تعيشه في السنوات القليلة الأخيرة من تعقيد وتهلهل في المواقف وهشاشة في اللحمة الفلسطينية التي أثرت تأثيرا بالغا ومؤلما على قضية التحرر التي يرافع من أجلها وفي سبيلها الجميع في فلسطين المحتلة، لكن كلٌّ يرى التحرير بمنظوره الأيديولوجي الخاصّ به ولذلك تعددت الفصائل إلى درجة الاحتراب والاقتتال والتنافس والصراع الذي أصبح شرسا ومدمرا يفكر فيه كل فصيل بإلغاء الفصيل الآخر، فقط لأنه يختلف معه في الرأي وفي الوسائل مع أن هدف القضية واحد ومتفق عليه بين الجميع في الداخل الفلسطيني وفي الشتات ومختلف دول العالم.

وأبرز مظاهر هذا التشتت الذي تعرفه القضية الفلسطينية في اعتقادي يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولا: وصول الكيان الصهيوني إلى قمة انتصاراته وأمجاده وتفوُّقه، سواء من الناحية العلمية أو العسكرية أو الأمنية وحتى التغلغل بقوة المال والإعلام في أوساط صنَّاع القرار العالمي في أمريكا وأوروبا تحديدا، بل زاد توسُّع الصهاينة حتى في قارات أخرى كآسيا وخاصة في إفريقيا، ويجب الاعتراف بهذا الواقع لكي نعرف كشعوب عربية وإسلامية موقعنا تحديدا، لأن إنكار تطوّر الخصم أو العدوّ هو نوعٌ من النرجسية والمرض النفسي الذي يجعلنا نشعر بأننا الأحسن والأفضل والأكثر تطورا، في حين أننا لا نزال في حضيض الحضارة ومؤخرة الأمم.

ثانيا: موضة التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني ضرب القضية الفلسطينية في مقتل؛ فبعد تطبيع مصر والأردن في القرن الماضي، من كان يتصور أن التطبيع سينتقل إلى دول الخليج العربي (الإمارات والبحرين)؟ ومن كان كذلك يظنُّ أو يعتقد أن السودان، البلدَ العربي والقومي والمحافظ، هو الآخر سيطبِّع مع الكيان الصهيوني؟ أمَّا المغرب فلم نُفاجَئ به نحن ساكنة المغرب العربي الكريم بحكم معرفتنا بعلاقة الأسرة الحاكمة تاريخيا مع اليهود والصهاينة، لكن المفاجأة كانت عند الجميع مشرقا ومغربا في أن هذا التطبيع جاء في زمن حكم حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي والمحافظ والذي طالما كان يتشدّق بدفاعه عن الأراضي المحتلة في فلسطين التاريخية، ليس هذا فحسب بل إن قائمة الدول المطبِّعة لا تزال مفتوحة ومرشحة لانضمام دول أخرى حسب ما صرح به الساسة الإسرائيليون أنفسهم.

 ثالثا: السلطة الفلسطينية الهشة والضعيفة والمستسلمة التي لم تعد تحرِّك ساكنا ولا تزال مستمرَّة في ترديد خطابٍ سياسي ممجوج ومحنَّط لم يعد ينفع في هذا الزمن القائم على القوة وحجم أوراق الضغط التي تملكها على الأرض، يضاف إلى ذلك دخولها المستمرّ والدائم في صراع محموم مع الفصائل الفلسطينية التي تقاسمها همَّ الوطن وحلم التحرير، وبدل أن تكون هذه السلطة مظلة للجميع أصبحت للأسف الشديد طرفا في الصراع بل ومؤجِّجة له بحكم ثقافة الاستسلام والانبطاح التي تنتهجها منذ اتفاقية السلام بداية تسعينيات القرن الماضي (اتفاقية أوسلو 1993)، ليس هذا فحسب بل ما تزال الذهنية المسيِّرة لهذه السلطة تمارس الأبوية على جميع الفلسطينيين كونها رائدة التحرير والسبَّاقة للمقاومة، شأنها في هذا السلوك الاستبدادي والفهم المتخلف شأن الحكام العرب الذين عمَّروا في كرسي السلطة بالحجة ذاتها وهي التغني بالتاريخ والأمجاد والأسبقية في النضال والجهاد والمقاومة.

رابعا: التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني والذي تتعهد بموجبه السلطة الفلسطينية بتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية مع الكيان الصهيوني، والذي اقتصر دائما على تسليم المطلوبين والوشاية برجال المقاومة من الفصائل التي تختلف اختلافا كليا في وسائل المقاومة مع السلطة الفلسطينية، هذا التنسيق الأمني الذي أخلط معايير وحدة الصف الوطني: من هو المقاوِم ومن هو العميل؟ وبماذا نصف التنسيق الأمني؟ هل هو مقاومة؟ هل هو استسلامٌ تحت الضغط؟ أم هل هو خيانة وعمالة تعطي المشروعية للفصائل الأخرى للخروج من عباءة السلطة الفلسطينية وعدم الاعتراف بها؟ وهي أسئلة في اعتقادي مهمَّة جدا في ظل قوة الخصم وانسجام الخصم وتسجيل الخصم لنقاط مُهمَّة داخليا وخاصة خارجيا، فهل حدث في التاريخ أن سلطة تحت الاحتلال تزايد على الجميع بالمقاومة والتحرير تنسِّق أمنيا مع من يحتلها وتسلّمهم أبناءها حتى وإن اختلفت معهم؟

خامسا: الانقسامُ الحادّ بين “رام الله” و”غزة” وكأنك لست في بلد واحد ولا شعب واحد ولا قضية واحدة ولا مقاومة مشتركة، “رام الله” تحت سلطة حركة فتح التي لا ينكر أحدٌ تاريخها المقاوِم والمشرق، و”قطاع غزة” تحت سيطرة وحكم حركة المقاومة الإسلامية حماس التي لا ينكر كذلك أي منصف فضلها على القضية الفلسطينية والأثمان الباهظة والمؤلمة التي قدَّمتها في سبيل هذا الخط المقاوِم الذي تؤمن به في إطار التحرير والاستقلال، ومهما كانت حججُ كل طرف في اتهامه للآخر ومهما اصطف هذا مع تيار وتلك مع تيار آخر سيبقى هذا الانقسامُ عارا على القضية الفلسطينية والقيادات من الطرفين سواء حركة فتح أو حركة حماس، فالانقسام هو ضعفٌ مهما كانت حججك في تعزيز الانقسام قوية أو مشروعة أو صائبة، فالثورة الجزائرية ما كان لها أن تنجح لولا الانسجام الذي فرضه قادة الثورة، صحيح كانت هناك اختلافاتٌ ولكنها لم تؤثر على سير عملية التحرير وهذا الذي تحقق فعلا سنة 1962 بسب توحيد الجهود رغم اختلاف القناعات وأحيانا حتى الوسائل.

بماذا نصف التنسيق الأمني؟ هل هو مقاومة؟ أم هل هو خيانة وعمالة تعطي المشروعية للفصائل الأخرى للخروج من عباءة السلطة الفلسطينية وعدم الاعتراف بها؟ وهي أسئلة في اعتقادي مهمَّة جدا في ظل قوة الخصم وانسجام الخصم وتسجيل الخصم لنقاط مُهمَّة داخليا وخاصة خارجيا، فهل حدث في التاريخ أن سلطة تحت الاحتلال تزايد على الجميع بالمقاومة والتحرير تنسِّق أمنيا مع من يحتلها وتسلّمهم أبناءها؟

سادسا: الولاء للأجنبي الذي عمَّق الاختلافات والانقسامات، أنا شخصيا لا أجرِّم أن يستعين فصيلٌ مقاوِم ببلد أجنبي لهدف التحرير والانعتاق كما فعلت كل الثورات التي عرفها التاريخ وعرفها القرن الماضي تحديدا، وهو عمل في نظري مشروع وواقعي، لكن أن يتحوّل الدعم الأجنبي وسيلة للاستقواء على الطرف الآخر الذي هو ابن الوطن والقضية والهدف والغاية فهذا يمكنني أن أصفه بكل جرأة وقناعة بأنه عمالة حقيقية لا غبار عليها للأجنبي وخيانة للوطن والقضية سواء قامت به فتح أو حماس أو الجهاد أو أي فصيل سياسي أو جهادي أو مقاوم آخر.

السؤال المشروع الجدير بالطرح هنا: ماذا استفادت القضية الفلسطينية من العمالة للأجنبي؟ ماذا استفادت السلطة الفلسطينية من المجتمع الدولي الرسمي الذي يعلن صراحة وفي كل المحافل دعمه المطلق وغير المشروط للكيان الصهيوني؟ وفي المقابل ماذا استفادت حماس من دعم الإيرانيين مثلا الذين لا يريدون من وراء هذا الدعم سوى مكانة إيران وتمدّدها؟

يجب التفريق عميقا بين الدعم الأجنبي الذي يتقاسم معي همَّ التحرير والمقاومة وهمَّ مشروع الأمة لتحرير أراضيها من أي احتلال، وبين الدعم الأجنبي الذي يخدم الأجندات الخاصة للدول باستخدام فصائل المقاومة الفلسطينية لتتحوّل القضية إلى ورقة شطرنج يسعى أصحابُها إلى أن تكون رابحة في إطار تبادل الأوراق على المسرح الدولي الذي لا يؤمن إلا بالقويِّ والصامد.

يُتبع

مقالات ذات صلة