-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

القابلية للاستعمار: حين نسلّم المفاتيح بأيدينا

لعلى بشطولة
  • 1721
  • 0
القابلية للاستعمار: حين نسلّم المفاتيح بأيدينا

لنبدأ من النقطة التي يخاف الجميع الاقتراب منها.

حين نتحدث عن الاستعمار، نفكّر فوراً في الدبابة، في الجندي، في المحتل القادم من البحر. صورة مريحة نفسيا، لأنها تعفينا من أي مسؤولية. هناك “شرير” خارجي، ونحن ضحايا أبرياء. انتهى النقاش.

لكن مالك بن نبي قلّب المعادلة رأسا على عقب، وقال ما لم نكن نريد سماعه.

قال: الاستعمار لا يدخل مجتمعا سليما، يدخل فقط حين يجد أرضا مهيّأة، عقلا مُستعدا، نفسا مهزومة.

وهنا تحديدا تظهر فكرته الأخطر: القابلية للاستعمار.

ما هي القابلية للاستعمار؟ من دون فلسفة زائدة

القابلية للاستعمار لا تعني حبّ المستعمِر.

ولا تعني الخيانة، ولا تعني تبرير الجرائم الاستعمارية.

هي شيء أبسط وأخطر، هي حالة داخلية:

حين تفقد الثقة في ذاتك، وحين تعتقد أن الحل دائماً يأتي من الخارج، وحين ترى نفسك غير قادر على الإنتاج، فقط على الاستهلاك، وحين تصبح تابعا فكريا قبل أن تكون تابعا سياسيا.

الاستعمار، عند بن نبي، نتيجة وليس سببا، الاستعمار يبدأ في الرأس.

دعنا نكون صريحين، قبل أن يُحتلّ البلد:

تُحتلّ اللغة، ثم تُحتلّ الذائقة، ثم تُحتلّ المعايير، ثم يُحتلّ العقل، وحين يكتمل هذا الاحتلال الصامت، تصبح الدبابة مجرد إجراء إداري متأخر.

اسأل نفسك بصدق:

من يحدّد لك ما هو “التقدّم”؟ من يعرّف لك “النجاح”؟ من يقرر ما هو “العلم” وما هو “التخلّف”؟

إن لم تكن أنت… فاعلم أن الاستعمار لم يخرج بعد. فقط غيَّر شكله.

خرجت فرنسا، ارتفع العلم، عُزف النشيد، لكن بن نبي كان يسأل سؤالا مزعجا: هل خرجت فرنسا من العقول؟ لأن أخطر أنواع الاستعمار هو الذي:

لا يحتاج جنودا، لا يرفع راية، لا يفرض قوانين بالقوة، بل يتركك تستهلك نموذجه، تدافع عنه، تقلّده، وتحتقر نفسك باسم “الحداثة”.

كيف نُعيد إنتاج استعمارنا يوميا؟

هنا الجزء الذي لا نحبّه.

  1. حين نؤمن أن الحل دائما مستورَد

في الاقتصاد، في التعليم، في السياسة، في الفكر، ننتظر “وصفة جاهزة” من الخارج، لا نثق في قدرتنا على إنتاج نموذجنا الخاص.. هذه قابليةٌ للاستعمار.

  1. حين نستهلك بلا وعي، نشتري، نقلّد، نكرّر، لكننا لا نفهم لماذا صُنعت الأشياء، ولا كيف، نستهلك الفكرة بعد أن ماتت… ونفرح.
  2. حين نختزل النهضة في المظاهر: مبانٍ، طرقات، شاشات، شعارات… لكن بلا أخلاق عمل، وعقل نقدي، وروح مسؤولية..

هذا ديكورٌ حضاري. ليس حضارة.

  1. حين نخاف من السؤال

أخطر علامة على القابلية للاستعمار:

الخوف من التفكير الحر، حين يصبح السؤال جريمة، والنقاش فتنة، والنقد خيانة…

اعلم أن المجتمع مستعد لأي استعمار قادم.

لماذا هذا الكلام يزعجنا؟

لأنه يسحب منّا دور “الضحية الكاملة”.

بن نبي لا يقول إننا مذنبون وحدنا، لكنه يقول إننا لسنا أبرياء بالكامل. وهذا موجع.

أسهل شيء هو أن نصرخ:

“هم السبب!”

أصعب شيء هو أن نسأل: “ما الذي فعلناه نحن… أو لم نفعله؟”

القابلية للاستعمار اليوم: نسخة 2025

اليوم لا يأتي الاستعمار على ظهر سفينة.

يأتي عبر: الخوارزميات، والمنصات، والنماذج الجاهزة، الاستهلاك الثقافي السريع.. إن لم تكن منتجا للفكرة، ستكون مادة خامّا في فكرة غيرك.

بهذه البساطة.

هل هذا قدر؟ لا. وهنا بيت القصيد.

بن نبي لم يكن عدميّا، لم يكن يائسا، لم يكن يكتب ليجلد الناس، كان يقول: ما دامت القابلية صُنعت، فهي قابلة للتفكيك، لكن التفكيك لا يبدأ بالشعارات، بل بـ:تعليم يعلّم التفكير لا الحفظ

دين يُنتج أخلاقا لا طقوسا فقط

اقتصاد يخلق قيمة لا ريعا

إنسان يؤمن أنه فاعل، لا مجرد متلقٍّ

خلاصة صادمة، لكن ضرورية:

الاستعمار لا يبدأ عند الحدود، بل في العقل

الاستقلال لا يُقاس بالأعلام، بل بالقدرة على الإنتاج، لا نهضة بلا أفكار حية، ولا أفكار حية في مجتمع يخاف من التفكير.

القابلية للاستعمار ليست شتيمة، هي تشخيص، والتشخيصُ الصادق هو أول طريق العلاج.

النص القادم

كيف نحوّل الأشياء الميتة إلى أشياء حيّة؟

من الاستهلاك إلى الإنتاج

من التبعية إلى الفاعلية

من الشكوى إلى الفعل

الرحلة مستمرة.

والأصعب لم يأتِ بعد.

هذا التحليل مستوحى من “شروط النهضة” (1949) و”وجهة العالم الإسلامي” (1954) لمالك بن نبي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!