الجزائر
حق الأولياء في التفقد مرّة أسبوعيا والعمل في العطل وتواجد نفسانيين

القانون الدّاخلي النموذجي للرّوضات… ترحيب الأولياء وتخوف المربين

نادية سليماني
  • 1113
  • 0

أثار النظام الدّاخلي النموذجي لمؤسّسات استقبال الطفولة الصغيرة، الصادر مؤخرا عن وزارة التضامن، الكثير من التساؤلات لدى أصحاب روضات الأطفال، والذين اعتبروه “مُجحفا” في حقّهم، وأنه يخدم الوليّ أكثر على حساب المربين، بينما رأته العائلات، قانونا يحمي أطفالهم ويضمن حقوقهم الأساسية.

تُرافق صُدور القانون الداخلي النموذجي لمؤسّسات استقبال الطفولة الصغيرة، استفسارات وتساؤلات من أصحاب الروضات والمُربيّن، حول بعض المواد التي رأوها “صعبة التجسيد” ميدانيا، ومن أهم مواد النظام النموذجي، التي كثُر بشأنها اللغط، إلزامية فتح مؤسسات استقبال الطفولة الصغيرة إلى غاية السادسة مساء، كما يكون غداء الأطفال مطهيا إجبارا داخل الروضة، وتلزم الأخيرة بالخدمة الدنيا في العطل السنوية، وأن الولي يسدد الأشهر الفعلية لا العطل، مثلما كان معمولا به سابقا، وتنص مادّة أخرى، على إمكانية إلغاء الوليّ اتفاقه مع الرّوضة بعد شهر من تسليمه للطّلب.

استقبال ذوي الاحتياجات الخاصة بشروط…

وتنصّ المادة 5، على إطّلاع وليّ الطفل على الخدمات المقدمة بالرّوضة، مع تحديد أيّام استقبال الأطفال من يوم الأحد إلى الخميس، أما المؤسّسات التي تفتح نهاية الأسبوع، فلا بد لها من تراخيص مسبقة، مع الاستماع للولي والردّ على انشغالاته، بينما تطرقت المادة 8 من النظام الداخلي، إلى ضرورة استقبال الروضة للأطفال خلال العطل المدرسية، لأن بعضها يغلق أيام العطل، بينما البقية تفتح طيلة 11 شهرا في السنة، وذلك بالاتفاق المسبق دائما مع الأولياء.

بن خروف: الهدف حماية حقوق الطفل والوليّ

وشدّد القانون الجديد، على ضرورة الامتناع عن إمساك الأطفال المرضى، وعدم تقديم أي أدوية بل تقدم لهم إسعافات الجروح الخفيفة فقط، مع إلزام الأولياء بإحضار بعض المستلزمات الصحية للطفل، من منشفة وملابس داخلية، جوارب ومصاصات، ودعا القانون الجديد الروضات إلى استقبال الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ما لم تستدع حالتهم تواجدهم في مؤسسات تناسب وضعيتهم. ويدفع الولي (3%) من المنحة الشهرية عن كل ساعة تأخير بعد مرتين تأخر عن أخذ الطفل.

التركيز أكثر على نظافة وصحة الأطفال

وفي الموضوع، استغربت، رئيسة الفدرالية الوطنية لمؤسسات استقبال الطفولة الصغيرة، المنضوية تحت لواء الاتحاد العام للتجار والحرفيين، نوارة بن خروف، ما اعتبرته “مخاوف مبالغا فيها” من أصحاب روضات الأطفال والمربين، مؤكدة أن الدولة تسعى لحماية حقوق الأطفال والأولياء، عبر النظام الداخلي لروضات الأطفال، وأن القانون الصادر هو نظام نموذجي، بمعنى أن مؤسسات استقبال الطفولة الصغيرة، ملزمة بتطبيقه “ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار ما يناسبها وبالاتفاق مع الأولياء، أي ترك هامش للتصرف”.

دواجي: مواد طموحة صعبة التجسيد على الواقع

وتطرقت نوارة بن خروف، لبعض المواد الواردة في النظام الداخلي الجديد، وقالت بأن بعضها ليس جديدا على أصحاب الروضات، ومواد أخرى “جديدة” يمكن التأقلم معها.

وبحسبها، القانون ينص على عدم تجاوز طاقة استيعاب الروضة، المقررة في قانون الاعتماد، واحترام الفئة العمرية “لأنّ بعض الروضات تستقبل رضّعا، عكس ما دونته في قانون اعتمادها”. كما تتم عملية التسجيل طول السنة بحسب عدد الأماكن المتوفرة.

وبحسب رئيسة الفدرالية الوطنية لمؤسسات استقبال الطفولة الصّغيرة، فالنظام الداخلي بات يركز أكثر على نظافة الأطفال والاهتمام بأكلهم الصحي.

ضمان سلامة الطفل الجسدية والنفسية

ومن جهته، قدّم المدير العام لمؤسسة “روضتي دي زاد المتخصصة” في مرافقة وتأطير وتكوين أصحاب روضات الأطفال والعاملين بها، إداريًا وبيداغوجيًا وتقنيًا وتسويقيًا، دواجي عبد الله، قراءة مهنية متوازنة لمضمون هذا النظام، وأكد لـ “الشروق” أن النظام الداخلي الجديد “يتحدث بشكل واضح عن تنظيم وكيفية إنشاء وتسيير مؤسسات الطفولة الصغيرة، ويضبط حقوق وواجبات جميع المتدخلين في هذا المجال”.، مضيفًا، أن النص يعطي أهمية كبيرة لشروط الاستقبال، والعمل، والتغذية، وآليات المتابعة الطبية والبيداغوجية.

ويرى المتحدث، أن من أبرز نقاط القوة في هذا النظام تركيزه الكبير على حماية الطفل وضمان سلامته الجسدية والنفسية والصحية، وهو ما من شأنه “تعزيز ثقة الأولياء في مؤسسات الروضات” على حد قوله.

وثمن دواجي، ما وصفه بالتنظيم الواضح للأطوار والمسؤوليات داخل الروضة، ما يقلل من الفوضى ويخلق بيئة عمل أكثر انضباطًا.

ومن الإيجابيات الأخرى، بحسبه، اعتماد معايير وطنية موحدة للتكفل بالأطفال، سواء في الروضات العمومية أم الخاصة، بما يضمن حدًا أدنى من الجودة والتنظيم، إلى جانب الاهتمام بالجانب البيداغوجي، النفسي والترفيهي، وهو ما يحوّل الروضات من مجرد فضاءات لحراسة الأطفال إلى مؤسسات تربوية آمنة ومتخصصة، كما يمنح النظام حيزًا لإدماج الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في حدود الإمكان.

طموح كبير يصطدم بواقع الإمكانيات

ورغم الإشادة بالرؤية العامة للنظام، يرى دواجي عبد الله أن بعض القانون الداخلي الجديد “طموح بشكل مبالغ فيه وبعيدة عن الواقع الميداني”، خاصة في ما يتعلق بالمتطلبات البشرية والمادية.

ويضرب مثالًا، بنقطة توفير فرقة نفسية داخل الروضة، معتبرًا أن تطبيقها “صعب جدًا في الروضات الصغيرة محدودة الإمكانيات”، متسائلًا عن كيفية تسديد رواتب هذه الكفاءات في ظل غياب مداخيل كافية أو اتفاقيات دعم مع مؤسسات أخرى.

كما يثير المتحدث، إشكالية الالتزامات الصحية الصارمة، من زيارات وفحوصات طبية دورية “غير محددة المعالم”، مؤكدًا أن تعاقد الروضة مع طبيب لفحص عشرات الأطفال يكلّف مبالغ كبيرة، في وقت لا تتجاوز فيه رسوم التسجيل ببعض المناطق الداخلية خمسة آلاف دينار للطفل، مع وجود أعباء أخرى تتعلق برواتب العمال والتكفل اليومي بالأطفال.

دوام موسع ومسؤوليات قانونية ثقيلة

ومن بين النقاط المثيرة للجدل أيضًا، مسألة الدوام الموسع من السابعة صباحًا إلى السادسة مساء، التي يرى دواجي أنها قد تكون مناسبة في العاصمة بسبب الازدحام المروري، لكنها غير واقعية في البلديات الصغيرة والمناطق الداخلية، حيث يغادر الأطفال في وقت مبكر.

ويقترح في هذا السياق، أن يكون الدوام الموسع اختياريًا وليس إلزاميًا، مراعاة لقدرات الروضات وظروف المستخدمين، خاصة وأن أغلب المربيات نساء.

كما عبّر محدثنا، عن قلقه من المواد التي تُحمّل المدير والعاملين مسؤولية قانونية كبيرة، خاصة ما ورد في المادتين 14 و30، معتبرًا أن ذلك يخلق ضغطًا نفسيًا ومهنيًا متزايدًا. ورغم إشادة مدير عام “روضتي دي زاد” بثقافة التبليغ عن سوء المعاملة في الروضات، إلا أنه نبّه إلى خطر التبليغات الكيدية من بعض الأولياء، في ظل غياب حماية قانونية واضحة لأصحاب الروضات ومستخدميهم، ما قد يؤدي إلى نفور مستقبلي من هذا النشاط.

أعباء مالية إضافية…

وفي ما يخص إدماج الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، يشدد عبد الله دواجي على أن هذا التوجه “نبيل ومهم”، لكنه يتطلب كادرًا بشريًا مؤهلًا وتجهيزات خاصة، وهو ما يفرض أعباء مالية إضافية، داعيًا إلى ضرورة استفادة الروضات من دعم مادي من الدولة لإنجاح هذا المسعى، كما اعتبر أن فرض 17 سجلًا بيداغوجيًا وتحيينها المستمر يشكل عبئًا إداريًا وبيروقراطيًا، قد يصرف المؤسسات عن التركيز على جوهر عملها التربوي والبيداغوجي.

ويخلص المدير العام لمؤسسة روضتي دي زاد إلى أن النظام الداخلي الجديد “قوي من حيث الرؤية والأهداف”، لكنه يعاني من طموح زائد لا يراعي واقع الإمكانيات، مؤكدًا أن إنجاحه يتطلب مرافقة فعلية من طرف الدولة، سواء من خلال الدعم المالي، أم التدرج في التطبيق، أو إشراك مهنيي القطاع في التعديل والتكييف.

يميل أكثر إلى مصلحة الوليّ...

وبدورها اعتبرت بعض مُربّيات الأطفال في حديث مع “الشروق”، أن مهنتهن شاقة نوعا ما، مقابل ما يتلقينه من مرتب، حيث قالت نوال: “أحيانا نستقبل أطفالا بحفاظاتهم الليلية، فنضطر إلى تغيير حفاظتهم وتنظيفهم والوقوف على أقل حاجياتهم.. لذلك، بقاؤنا بالروضة إلى غاية السادسة مساء هو منهك لنا”. وأخريات تساءلن عن حقيقة إجبار المربية على العمل يومي السبت والجمعة.

بينما أشارت صاحبة روضة ببلدية القبة الجزائر العاصمة، لـ”الشروق”، بأنّ النظام الدّاخلي النموذجي، يميل أكثر لمصلحة الوليّ على حساب استقرار الروضة من الناحية التنظيمية والمالية، وبحسبها: “.. إلزاميّة الخدمة في العطل مع عدم احتسابها في التسديد والغرامات دون مرونة، قد تثقل كاهل المؤسسة، ما قد يتسبب في إخلال التوازن بين مصلحة الطفل واستدامة الرّوضة”.

بينما رحّب الأولياء، بالنظام النموذجي الجديد، معتبرينه “إيجابي” يحمي الطفل ويضمن حقوق الولي ويعزز الجودة التربوية والصحية داخل الروضة، خاصة، في ما يتعلق بتخصيص ساعات للاستقبال، وتوفير التغذية المناسبة والرعاية النفسية داخل الروضة.

مقالات ذات صلة