القتل في جمعة رمضانية؟
هل يمكن لشهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى، أن يكون داميا؟ وهل يمكن ليوم الجمعة الذي يسعى فيه الناس إلى ذكر الله أن يكون أسود؟
أسئلة سافرت عبر القارات، بعد الذي حدث أول أمس، في الصومال، حيث المجاعة مزقت الناس والموت أيضا، وفي تونس حيث تتشبث البلاد بصناعة السياحة في محاولة لاسترجاع ما أضاعته في سنوات الثورة، وفي فرنسا، حيث صارت كل شمروخة تتفجر، إلا وكانت الأصابع جاهزة لتوجّه إلى الضفة الجنوبية، وفي الكويت، حيث حكم بعض الناس على بعض الناس بالكفر والردة وأطلقوا حكم القتل بالنار.
سواء كانت هذه التنظيمات حرّة وغير مرتبطة بأية جهة خارجية ومقتنعة بما تقوم به، أو كانت تحركها أياد صهيونية أو غربية لتشويه الإسلام، وجمع العالم على كلمة سواء لمحاربته، فإن الإسلام لم يكن أبدا دينا للموت وإنما للحياة، وبالأدلة القاطعة من القرآن ومن السيرة ومن تاريخ الإسلام كله، ففي كل الأحداث التي شهدها اليوم المشؤوم كان فيه ضحايا من المسلمين، وطعن لقيم إنسانية ونسف لما بني على مدار قرون، من رجال كانوا يدعون الناس إلى الحوار الفكري، ويردون على الطغاة والحاقدين بالبناء، وكان منح مزيد من الفرص للحاقدين لكي يقدموا تلك الصور الدامية عبر وسائل إعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي لم يعد بمقدور أي كان أن يوقفها أو يشرح لكل واحد منها حقيقة ما يجري أو حقيقة الإسلام، وإذا كانت غزوات الإسلام الأولى، وفي جميعها كان المسلمون مظلومون، تنتهي بغالب قد تدور الدائرة عليه، وبمغلوب قد تدور الدائرة له، فإن الغزوات الفضائية والإلكترونية الدائر رحاها منذ الحادي عشر من سبتمبر المشؤوم، تبدو فيها الغلبة لطائفة واحدة والخسارة لطائفة واحدة أيضا، والخسارة هنا لا تعني الأرواح والذخيرة والأرض فقط، وإنما كل ما عاش وما يجب أن يعيش عليه المسلم.
لم يخسر الرسول صلى الله عليه من غزواته السبع وعشرين غزوة سوى مرة واحدة، في غزوة أحد، حيث قُتل صحابة من طينة مصعب بن عمير وحنظلة بن أبي عامر، وفقد الرسول الكريم أقرب الناس إليه وذراعه الأيمن في الغزوات، عمّه حمزة بن عبد المطلب، الذي قتله وحشي بطريقة وحشية غادرة، وشوهت جثته هند بنت عتبة، بطريقة وحشية حاقدة، ولعب خالد بن الوليد دور محوّل انتصار المسلمين إلى هزيمة بمكره وخداعه للمؤمنين، وقتله لهم وتنكيله بهم، وهم يجمعون الغنائم، ومع ذلك لم يحكم الرسول على قاتل عمه بالقتل ولا بممزقة جسده بالقتل ولا على قاتل المسلمين بالقتل عندما تمكّن منهم، بل قبل إسلامهم، فساهم وحشي في انتصارات حروب الردة وقتل مسيلمة الكذاب، ومنحت هند للمسلمين أول خليفة أموي هو معاوية بن أبي سفيان، وفتح خالد بلاد الروم في معركة اليرموك الخالدة، وما كان شيء من هذا ليتحقق لو أن الرسول قتل كل قاتل، وكانت أشياء كثيرة ستتحقق، لو سارت الأمة على نهجه تدعو للحياة وليس للموت، الذي حوّل عيد المؤمنين الجمعة إلى السواد، ورمضان الرحمة والبركة إلى الدماء.