القدرة الشرائية…الإنهيار
دقّ اقتصاديون ونواب ونقابات عمالية ناقوس الخطر، من الوضع الاقتصادي الراهن، مؤكدين في ندوة “الشروق اليومي” أن ما تعيشه الجزائر هو أزمة حقيقية على المستوى الاجتماعي، وإرهاصات أزمة على المستوى الاقتصادي، متخوفين من تدهور القدرة الشرائية للمواطن، في ظل تضخم تعدّى 5 ٪ وانهيار أسعار النفط، مع محدودية مساهمة القطاع الصناعي في المداخيل والذي لا يمثل سوى 3 ٪. فرجل الاقتصاد متخوف من تبعات تراجع قيمة الدينار في ظرف أسابيع فقط بنسبة أكثر من 50 ٪، وارتفاع أسعار المواد واسعة الاستهلاك بنسبة 30 ٪، فيما رأى النواب أن الفترة الحالية بحاجة لـ”ديمقراطية اقتصادية”، فيما حمّلت النقابات العمالية المستثمرين المحتالين مسؤولية الأزمة.
الخبير الاقتصادي فارس مسدور:
القدرة الشّرائية انهارت بنسبة 50 بالمئة خلال أسابيع!
“القدرة الشرائية للجزائريين انهارت بنسبة 50 بالمائة في ظرف بضعة أسابيع“، هو ما تحدث عنه الخبير الاقتصادي فارس مسدور الذي حمل بنك الجزائر مسؤولية تآكل مدخرات الجزائريين وتدهور قدرتهم الشرائية، بفعل الإجراء الذي يتبناه محافظ البنك في كل مرة من خلال تخفيض قيمة الدينار، واصفا إياه بـ“الحل السهل لرفع عائدات الجباية البترولية“.
الدينار الجزائري فقد 25 بالمئة من قيمته
عاد الخبير نفسه خلال نزوله ضيفا بمنتدى “الشروق اليومي” إلى تشريح الوضع الاقتصادي العام في الجزائر، مؤكدا أن المؤشرات الحالية تنبئ بأزمة اقتصادية بدأت تخنق الجزائريين، وهو ما تطبعه حسبه الأرقام والإجراءات الأخيرة المتخذة، من خلال تخفيض سعر صرف العملة بما يتراوح ما بين 20 و25 بالمائة، وهو ما ساهم في تدهور القدرة الشرائية للجزائريين إلى النصف منذ التصريح الأخير لمحافظ بنك الجزائر محمد لكصاسي، قائلا إنه كان من المفروض أن يكون أكبر سلطة مالية في الجزائر وصاحب القرار.
13 دقيقة كافية لتأسيس شركة استيراد
انتقد مسدور التسهيلات الكبرى التي لا يزال يستفيد منها المستوردون الجزائريون، خاصة أصحاب الحاويات القادمة من الصين، والذين كشف أنهم يستطيعون تأسيس شركتهم الخاصة بالاستيراد في ظرف 13 دقيقة وجني أرباح مالية طائلة قد تكون مضاعفة 10 مرات، من خلال التحايل وتضخيم الفواتير، مقزّما من حجم الإجراءات التي تبنتها الحكومة لتقليص الواردات، والتي قال إنها ما تزال محصورة في إجراء القرض المستندي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، متحدثا عن مقدمات أزمة اقتصادية في الأفق.
ودعا الخبير إلى ضرورة تبني سياسة فعالة للخروج من الضائقة قبل فوات الأوان، من خلال توسيع دائرة اللقاءات مع خبراء الاقتصاد وإعطاء الأولوية للاقتصاديين قبل السياسيين، كما شددّ على ضرورة مسارعة الحكومة إلى استعادة أموالها الموزعة في الخارج عبر البنوك والصناديق البريطانية والأمريكية واليابانية وتسمية الأشياء بمسمياتها، معتبرا إجراء القرض الصيني الذي أعلن عنه وزير التجارة بختي بلعايب أحد خطوات الاستدانة الخارجية، عكس ما صرح به الوزير.
يجب تطبيق سياسة “من دخل بنك الجزائر فهو آمن“
دعا المتحدث إلى تحويل الجزائر إلى جنة ضريبية حتى تستطيع الحكومة جلب المستثمرين الأجانب كما تتمناه، منتقدا النظام الضريبي الذي تتعامل به السلطات الجزائرية والذي وصفه بالمنفر للمستثمرين قائلا :”كنت أحد الداعين إلى اعتماد نظام الجنة الضريبية ومازلت كذلك، فالنظام الجبائي في الجزائر جد معقد ويفرض ضرائب كبرى على المستثمرين“، مجددا طلبه في نفس الوقت باعتماد مبدأ المصالحة الاقتصادية واللجوء إلى مبدأ “من دخل بنك الجزائر فهو آمن“، في إشارة منه إلى المستفيدين من الإجراءات التي أقرها قانون المالية التكميلي لسنة 2015 والخاصة بالعفو الجبائي، إلا أنه طالب في نفس الوقت بمنح تسهيلات أكبر في هذا الإطار من خلال إلغاء إلزامية تسديد 7 بالمائة من الأموال المودعة، وكذا تمديد العفو لخمس سنوات ،“المهم أن تلمس الحكومة الأموال الموجودة خارج القطاع الرسمي وتراها” يضيف الخبير.
تجار يلجؤون إلى وزن الأموال بدل عدّها
عاد فارس مسدور إلى الحديث عن إمكانية إسهام القطاع الخاص في إخراج الخزينة الجزائرية من عنق الزجاجة، من خلال مدخرات واستثمارات رجال الأعمال، قائلا “الأفسيو لوحدهم يديرون 25 مليار دولار، وهو رقم ضخم يوازي ميزانية مضاعفة جدا لأي دولة“، داعيا إلى أهمية الاستنجاد بهؤلاء في إطار تمويل داخلي للمشاريع، كما تحدث عن السوق الموازية التي أوضح أنها تضم أزيد من 50 بالمائة من حجم السيولة المالية المتداولة في الجزائر، وصرح في هذا الإطار بقيام عدد من التجار بوزن أموالهم بدل حسابها لأنها “لا تعد ولا تحصى” حسبه، داعيا في هذا الإطار بالاقتداء بالنموذج التركي والرئيس أردوغان حينما قام هذا الأخير بتطبيق مبدأ العفو غير المشروط عن كافة المتهربين من أصحاب “الشكارة“، مشددا “الأموال الوحيدة التي يجب رفضها هي تلك الآتية من تجارة المخدرات والسلاح والرق“.
هذه الحلول المتاحة للخروج من الأزمة
في سياق الحلول المتاحة للخروج من الأزمة، أكد فارس مسدور أن الحكومة مطالبة أولا بانتهاج سياسة التخفيف الجبائي للمستثمرين والانفتاح البنكي، عبر تأسيس شبابيك إسلامية غير ربوية، كما طالب باستحداث هيئة وطنية لمكافحة الفساد بدل اللجنة الوطنية المكلفة بذلك، وتخصيص رقم الكتروني لمكافحة البيروقراطية، إضافة إلى إنشاء مجلس أعلى لخبراء الاقتصاد، يكون دوره أكبر من دور الوزارات في حد ذاتها والعودة إلى الجلسات الحوارية مع مختلف الأطياف، واستحداث القطاع الثالث الذي يمثل جمعيات المجتمع المدني، والتي قال إن دورها في أمريكا أكبر من دور الوزارات والهيئات الرسمية، وبناء على ذلك دعا إلى الانسحاب بشكل تدريجي لهيئات الدولة لفائدة المجتمع المدني .
كما شدد على أهمية الأخذ بعين الاعتبار الابتكارات المسجلة من طرف المديرية العامة للبحث العلمي، وتطوير قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة، التي ستكون حسبه بوابة الخروج من النفق.
مجدوبي بن عبد الله “برلماني“:
مشروع قانون المالية 2016 اعتمد على ما يدفعه المواطن البسيط
ركّز ضيف الشروق، مجدوبي بن عبد الله عضو لجنة المالية بالبرلمان، حديثه حول اختلال قوانين المالية في الجزائر، بسبب تناقض التقديرات والإنجازات، وأوضح أن “ …في 2014 كنا نلحظ تدهور أسعار البترول، ومع ذلك أعدّت وزارة المالية وثيقتها التي “لا تُعدّل” على أساس سعر 100 دولار لبرميل النفط في السوق، ثم ناقشنا مشروع قانون المالية على مستوى البرلمان، ونبّهنا لانخفاض سعر النفط إلى 70 دولارا في السوق، ومع ذلك خرج قانون المالية 2015 بتقديرات مبنية على سعر 100 دولار للبرميل في السوق“، والمشكل حسب المتحدث أن الوثيقة لا تُعدّل، يعلق بالقول “لا يتغير في الوثيقة إلا ختم رئيس الجمهورية، فمثلما يدخل المشروع البرلمان يخرج منه” والحل حسبه أن يرافق كل تغيير في البلد، قانون تكميلي يُصلح الاختلالات….” كانت لدينا فرصة للتصحيح مع بداية تهاوي أسعار النفط شهر ماي 2014 ،“. والوقوع في الأزمة حسب تعبير النائب عن حزب تكتل الجزائر الخضراء، تكون بعد تقدير الخبراء وقرار السّاسة الذين يصرحون أن الأزمة ظرفية فقط.
والغريب – حسبه – أنه لما وصل السعر المتوسط لبرميل البترول 120 دولار أعددنا الميزانية على أساس 37 دولارا للبرميل، وهو ما جعله يصف صندوق ضبط الإرادات بالصندوق “الميت” الذي أصبح خارج الموازنة العامة التي يراقبها البرلمان، وهو – يقول – من الصناديق الخاصة غير الخاضعة للمراقبة والشفافية. واعتبر مجدوبي أن الخروج من الأزمة يحتاج لـ“ديمقراطية اقتصادية” تخضع للمساءلة وتمنع الفساد، خاصة ما تملكه الجزائر من خبراء في جميع المجالات، “حتى المواطن أصبح يمتلك ثقافة اقتصادية“. وشبّه المتحدث ما تعيشه الجزائر حاليا، بإرهاصات أزمة 1986 “.. كل تداعياتها بادية، تغيرت فقط الظروف، من طرق استهلاكية وثقافية…نحن في “نهاية البداية” يقول مجدوبي.
نحن بحاجة لوزارة اقتصاد تمدّنا بالإحصاءات الدقيقة…
وأكد مجدوبي أن لجنة المالية على مستوى البرلمان ستلتقي الاثنين مع وزير المالية لمناقشة خلفيات كل الإجراءات المتخذة، لكن يوضح “الصورة الواضحة، أنه مع انخفاض الجباية البترولية، ستوجه الحكومة أنظارها في مشروع قانون مالية 2016 نحو الجباية العادية، ومعظمها عبارة عن ضريبة على الدخل العام، مقتطعة مباشرة من جيب الموظف، فيما لن تدفع المؤسسات الكثير” . وتساءل عضو لجنة المالية عن المقابل الذي قدمته المؤسسات المستفيدة من دعم الدولة لرفع الاقتصاد في ظل تصاعد فاتورة الاستيراد؟
واعتبر مجدوبي أن قانون الجباية يحتاج لاستشارة خبراء اقتصاد وقانون وتاريخ، حتى يكون مفصلا وشفافا، وأكد ضيف “الشروق” أن بوادر الأزمة التي تعيشها الجزائر حاليا، سبق أن حذر منها خبراء أثناء غلاء أسعار النفط. وعرج المتحدث على موضوع دعم الدولة لبعض المنتجات، “والتي تذهب لغير مستحقيها“.
وشكك محدثنا في الأرقام الواردة من وزارة المالية “ …لدينا وزارة المالية وليس لدينا وزارة الاقتصاد التي تراقب ميزان المدفوعات“، ومن أسباب الاختلال الاقتصادي في نظر مجدوبي هي صناديق الدعم التي أنشأتها الدولة، ومنها صندوق توطيد الدعم، صندوق الإنعاش والنمو، دعم النمو…والتي جاءت بمشاريع، منها من لم يُنجز منذ 2004 و2005، ومشاريع أخرى تم إعادة تقييمها بأضعاف مضاعفة، بمبرّر أن دراستها لم تكن ناضجة، وهو ما جعله يصرح “كل أموال الدعم التي ضخت لإنعاش الاقتصاد لم تأت بنتيجة، وتسببت في أزمة لأقلّ خلل“، ويوضح “في التسعينيات عندما نسجل مشروعا نراقبه كل سنة، بعدما نمنحه قرض الدفع فيكون المسير حذر، الآن المشاريع أدرجناها في برامج خماسي، لا يراقبها البرلمان بعد المصادقة عليها، ودخلنا في سرعة الإنتاج من دون رؤية واضحة“.
وتحدث ضيف “الشروق” عن فقدان ثقة المواطن في الدولة، خاصة فيما يتعلق بضخ أمواله بالبنوك، لتخوفه من الضبابية في الإجراءات، “التي لا تتناسب مع سلوكه وعقليته“. خاتما حديثه، بضرورة الاستفادة من التجارب السابقة التي مرّت بها الجزائر.
بلّعموري لغليّظ “السناباب“:
تجميد التوظيف والتقاعد النسبي سيُحيلان آلاف الشباب على البطالة
تساءل المتحدث، عن سبب عدم الاتعاظ من الأزمات التي عاشتها الجزائر في 1986 وديسمبر 1996 “ ..ساعتها لم نقدر على تغطية حتى تكلفة باخرة من القمح“، وتأسف للزيادة الأخيرة في أجور الموظفين، والتي لم تحقق حسبه، “تطور معيشة الفرد” مقارنة بالغلاء الفاحش “ما أخذناه يمينا صرفناه يسارا…فمثلا سعر الحُمص قفز من 100 دج إلى 220 دج في ظرف شهرين فقط“. وبخصوص لجوء الحكومة لسياسة تجميد التوظيف في بعض الأسلاك، تساءل بلعموري عن مصير المتخرجين مستقبلا من الجامعات، وأيضا إلغاء التقاعد النسبي الذي كان يوظف عددا كبيرا من خريجي الجامعات، ما يطرح تخوفات من إغلاق المناصب المالية مباشرة بعد إحالة الموظف على التقاعد. وهو ما جعله يصف الوضعية الاجتماعية بـ“المقلقة“.
درّاف أحمد ناشط مجتمع مدني:
إلغاء المادة 87 مكرر لم يحسن المستوى المعيشي
اعتبر أن إلغاء المادة 87 مكرر لم يأت بالكرامة للموظف، فحسبه “أكبر زيادة استفادت منها بعض الشرائح لم تتعد 3000 دج“، يقول “نريد استثمارا منتجا، لأن كثيرا من المستثمرين أضحوا طرفا فعالا في الفساد“، وبخصوص الضرائب، اعتبر دراف، أنه لو كانت تسير بطريقة منتظمة، لساهمت في زيادة مداخيل الدولة، لكن “الوحيد الذي يسدد ضريبته بشكل منتظم هو الموظف، لأن 25 ٪ أي ربع أجره يذهب مباشرة للضرائب، بينما يتهرب الأثرياء من دفعها بطرق شتى“، ليختم بالقول “الموظف البسيط صاحب الجيب الفارغ، هو من سيتأثر مباشرة بالأزمة الاقتصادية“.