الجزائر
مطلوب إشراك علماء الدين في إعداد المنصات الرقمية

القرآن والذكاء الاصطناعي.. تحديات كبيرة لثورة بين الروح والتقنية

وهيبة. س
  • 520
  • 0
ح.م
تعبيرية

علي كحلان: القرآن يمنح إطارًا للقيم والذكاء الاصطناعي يقدّم أدوات قوية
حجيمي: خطر الهلوسة المعرفية في نماذج الذكاء الاصطناعي قد تأتي بمحتوى غير صحيح

“كيف يمكن أن يخدم الذكاء الاصطناعي كلام الله عز وجل دون المساس بقدسيته ومصداقيته؟”.. سؤال قد يتبادر إلى عقول الكثير من المسلمين في عصر تتسارع فيه التطورات التقنية.. يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد محض أداة للبحث العلمي أو الصناعة فحسب، بل بات شريكا محتملا في حفظ القرآن الكريم، شرحه، ونشره، هذا التحول الذي يتفاءل له خبراء الذكاء الاصطناعي من العرب والمسلمين.
وفي تطور غير مسبوق، بدأت شركات ومبادرات رقمية حول العالم في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة القرآن الكريم، ليس فقط في مجال الحفظ أو التلاوة، بل في مجالات أعمق مثل الفهم، التفسير، التدبر، والرد على الشبهات، فهذا السبق يعتبر نقلة نوعية في كيفية تفاعل الإنسان مع كلام الله، مع الحفاظ على الثوابت الشرعية ومراعاة قدسية النص القرآني.
ونحن في “أسبوع القرآن الكريم”، كحدث وطني سنوي تنظمه وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر، تجدر الإشارة إلى أن هناك تطبيقات جزائرية مخصصة لحفظ وتفسير القرآن الكريم تشمل تطبيق “مصحف الجزائر الإلكتروني” الرسمي للوزارة الوصية، والذي يوفر التفسير والترجمة والتلاوات الجزائرية، بالإضافة إلى “مقرأة الجزائر الإلكترونية” التي تعد منصة رسمية لتعليم القرآن وتجويده، كما أن هناك أيضا تطبيقات عامة تستخدم في الجزائر وتقدم ميزات مماثلة مثل “المختصر في تفسير القرآن الكريم” و”آيات”.
وقال في السياق، الأستاذ فؤاد لموشي مدير منظومة الروبوت التعليمي، إن هناك تطبيقات تتحدث بلغة الذكاء والإيمان، ففي الآونة الأخيرة، أطلقت شركات عربية وإسلامية تطبيقات مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تصحيح تلاوة المستخدم صوتيا، وتقديم تفسيرات مبسطة للآيات حسب عمر واهتمامات المستخدم، كما توفر ميزة “سؤال وجواب” حول معاني القرآن وتاريخه وأسباب النزول وتسهيل عملية الحفظ بمستويات تفاعلية ذكية.
وأكد لموشي، أن هناك خطوات جريئة من خلال روبوتات تتحدث عن الإعجاز، حيث بدأت بعض المشاريع التجريبية في تطوير مساعدين ذكيين قادرين على شرح مظاهر الإعجاز العلمي واللغوي في القرآن الكريم بلغة يفهمها غير المسلم أو الشاب المعاصر، بل وربطها بالاكتشافات الحديثة.

نقلة في مسار الدعوة الرقمية لقراءة وفهم القرآن
ويعتبر الدكتور علي كحلان، خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي، أن بعض التطبيقات التي وضعت لخدمة القرآن وتفسيره، تعتبر بمثابة ثورة هادئة في ميدان الدعوة والتعليم القرآني، حيث يمكن للكثير من سكان العالم الوصول إلى فهم أعمق لكلام الله بلغاتهم، وبأسلوب يراعي ثقافاتهم ومستوياتهم المعرفية، ففي زمن تتسابق فيه الأمم لتطويع الذكاء الاصطناعي لمصالحها، يمكن للأمة الإسلامية أن تخطو أولى خطواتها نحو توظيف هذه القوة التقنية لخدمة القرآن الكريم ونشر نوره عالميا.
وقال إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم القرآن حيث تصبح التقنية جسرا بين الحفظ، التفسير، والدعوة، لكن شريطة أن تراعي التوافق مع الشريعة الإسلامية وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتوفير شرح وتفسير موثوق.
وحسب ذات المتحدث، فإن هناك فوائد يمكن أن تستقيها من الذكاء الاصطناعي، من خلالها يتم تسهيل الاجتهاد العلمي للدراسين والباحثين كالبحث السريع في التفسير، الربط بين الآيات، تحليل المفردات، ومساعدة طلبة القرآن على الحفظ والمراجعة باستخدام تطبيقات ذكية تتكيّف مع مستواهم، وتوسيع دائرة الفهم والدعوة من غير الناطقين بالعربية، واستخدام وسائل تفاعلية تليق بثقافاتهم.
وأوضح كحلان، أن القرآن والذكاء الاصطناعي، أحدهما يخاطب القلب والعقل، والآخر يتعامل مع البيانات والخوارزميات، العلاقة ليست مباشرة، لكنها تكاملية، فالقرآن يمنح إطارًا للقيم، والذكاء الاصطناعي يقدّم أدوات قوية، معًا، يدعوان إلى التفكير في سؤال بسيط: ما فائدة التقنية إذا لم تكن في خدمة الإنسان وكرامته؟
وقال إنه من الناحية العلمية يمكن طرح سؤال “في أي مجالات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم القرآن؟”، وأكيد هي الحفظ، والتلاوة، والوصول إلى النص، مضيفا “لدينا اليوم تطبيقات للتعرّف على الصوت تساعد الأطفال على تصحيح التجويد، وأدوات لغوية تضيء على دقائقه، وكذلك مترجمات تفتح باب الفهم أمام لغات أخرى. هكذا يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة”
وأكد في ذات السياق، أنه من خلال طرح سؤال “كيف يمكن للقرآن أن “يخدم” الذكاء الاصطناعي؟”، يمكن أن تكون الإجابة أن بالنظر إلى الأخلاق، فالقرآن يذكّر بأن الإنسان يظل مسؤولًا عن أفعاله، وهذا ما يجنبنا الوقوع في فخ ذكاء اصطناعي بلا ضوابط أو مسخّر للتلاعب. فالقيم القرآنية كالعدل، والصدق، والمسؤولية توفر سياجًا أخلاقيًا للاستخدامات التقنية.
وقال خبير التكنولوجيا، الدكتور علي كحلان، إن هناك حدودا لهذا الحوار بين الروحاني والتقني، موضحا أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تحليل كلمة، جملة أو بنية، لكنه لا يستطيع إدراك النية أو الإيمان أو البعد الروحاني الذي يربط المؤمن بخالقه. هذا البعد خارج عن نطاق الخوارزميات، وهذا أمر حسن، لأنه يذكّرنا بأن الآلة ستبقى أداة، لا وعيًا مستقلًا.

بين التقنية والقدسية.. مخاطر وتحديات
ورغم الحماس الكبير، باستغلال الذكاء الاصطناعي في خدمة القرآن الكريم، يحذر علماء الشرع والتقنية من الانزلاق نحو الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي في فهم النصوص المقدسة، فالنماذج اللغوية قد تخطئ أو تسيء الفهم، وعلى هذا الأساس يجري الآن تطوير منصات تخضع لإشراف علماء متخصصين لضمان التوجيه الشرعي السليم.
وحول الموضوع، أكد الأمين العام للفيدرالية الوطنية للأئمة وموظفي الشؤون الدينية، الشيخ جلول حجيمي، أن مسألة الذكاء الاصطناعي معقدة جدا، فهذه التقنية لها أمور متعلقة بتداعياته وتطورات سريعة وما تخلفه من آثار اجتماعية ونفسية، وخاصة عندما الأمر بقضايا دبلجة الفتاوى واستعمالها واستغلالها وتأثيرها على مستوى العالم والأفراد والمجتمعات.
وقال إنه ينبغي أخذ كل الأساليب التي من خلالها نستطيع توقيف مثل هذه التطورات التكنولوجية عندما تجعل المجتمع في تضرر كبير، أي عندما تقلد أصوات التجويد لأموات وأحياء وتنسب إلى الغير، أو عندما “نسمع فتاوى وقرارات وما غير ذلك باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي وبعض منصات التواصل، تكون خاطئة ومسيئة للإسلام”، ويضيف الشيخ حجيمي، موضحا أن مثل هذه الأمور التي عقدت الأشياء خاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيا والتواصل، ينبغي إيجاد حل واضح بين يعتمد على قوة التكنولوجيا في أبناء المسلمين المختصين الدارسين الذين يحسنون هذا العلم، حتى لا يصبح المجتمع هدرا للفتوى، وقد يدخل في تناقضات وصراعات وافتتان بسبب نقاشات سطحية.
ودعا حجيمي، إلى ضرورة أن تكون التفاسير والمعاني المستخدمة مأخوذة من مصادر موثوقة ومن أهل العلم، لأن خطر الهلوسة المعرفية في نماذج الذكاء الاصطناعي قد تأتي بمحتوى غير صحيح أو مضلل، مضيفا أن احترام القدسية أمر مطلوب، حيث لا بد من اجتهاد لكيفية منع استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليد أسلوب القرآن أو محاكاة نصوص مشابهة بشكل قد يخل بالتمييز بين كلام الله وفعل بشري.

مقالات ذات صلة