القضية الفلسطينية ضحية سياسة التطبيع
ماذا يمكن أن نقول اليوم عن مستقبل القضية الفلسطينية، وخاصة استمرار الإبادة الجماعية في غزة؟ الجواب هو أن إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيساً للدولة الفيدرالية لا يبشر بالخير للشعب الفلسطيني، لأن ما يريده في الواقع الرئيس المنتخب هو توسيع “اتفاقيات إبراهيم” التي ترمي إلى تطبيع العلاقات بين الدولة الصهيونية والبلدان العربية في المنطقة، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى محو فلسطين من الخريطة واستيعابها من قبل الدولة الصهيونية. ترامب، الذي لا يخفي تعاطفه القوي مع إسرائيل، يدعم أكثر من أي وقت مضى أنصار ضم الضفة الغربية.
كل المؤشرات السياسية والتحالفات المعلنة والخفية توحي بأن فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية يؤدى حتميا إلى تلبية مطالب إسرائيل التوسعية، وفي مقدمتها اليمين المتطرف في حكومة نتانياهو الذي لا يخفي هو أيضا رغبته في ضم كل الأراضي الفلسطينية ودمجها في إسرائيل الكبرى.
وليس من قبيل الصدفة عندما رحّب قادة الحركة المؤيدة للاستيطان بفوز ترامب في الانتخابات، إذ رأوا فيه فرصة لإسرائيل لضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية.
والدليل أن يوشاي دامري، رئيس المجلس الإقليمي هار الخليل في جنوب الضفة الغربية، لا يخفي هدفه عندما يعلن: “أدعو رئيس الوزراء وحكومة إسرائيل إلى استئناف البناء على الفور في جميع أنحاء يهودا والسامرة مع فرض السيادة الإسرائيلية على نصف مليون يهودي الذين يعيشون هناك”.
من جانبه صرح يوسي داغان، الذي يرأس المجلس الإقليمي السامرة، بأن “رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمامه فرصة تاريخية… وهي إلغاء جميع عمليات تجميد البناء، وربما أن نتمكن في النهاية من فرض السيادة على شمال الضفة الغربية”.
وقد جرى الإدلاء بهذه التصريحات في الواقع في اليوم التالي للفوز الأول لترامب في الانتخابات عام 2016.
وقد حدث في ذلك الوقت نموٌّ غير مسبوق في بناء المستوطنات خلال فترة ولاية الرئيس الجمهوري. ومع ذلك، علّقت جهود ضم هذه المستوطنات بسبب المفاوضات التي قادتها إدارة ترامب كجزء من وضع اللمسات الأخيرة على “اتفاقيات إبراهيم” في أواخر عام 2020. وبذلك وافقت الإمارات العربية المتحدة على تطبيع علاقاتها مع الدولة اليهودية إذا وافقت إسرائيل على تعليق خطة الضم لمدة أربع سنوات.
ولكن مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 20 جانفي 2025، وانتهاء تلك السنوات الأربع تقريبًا، يشعر مؤيدو الضم مرة أخرى أن وقتهم قد حان.
ومن أقوى المؤيدين للضم، هما بزلال سموتريش، وزير المالية، وإيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي للدولة الصهيونية. الأول توقّع أن “عام 2025 سيكون عام السيادة في يهودا والسامرة”، والثاني قدّر أن “لحظة السيادة قد حانت، لحظة النصر الشامل، حان الوقت لتمرير مرحلة القانون الذي ينص على عقوبة الإعدام للإرهابيين”، والعديد من التشريعات الأخرى التي قال إن ترامب لن يعارضها.
واختار ترامب المدافعَ عن الاستيطان مايك هاكابي سفيرا لدى إسرائيل باعتباره شخصية من رموز اليمين المسيحي ومدافعًا متحمسًا عن المستوطنات الإسرائيلية، وأشاد به اليمين الصهيوني المتطرف بهكابي باعتباره الصديق الذي لا يتزعزع لإسرائيل والذي يمكن الاعتماد عليه لتحقيق حلمها التوسُّعي.
ولم يفشل تعيين هذا الحاكم السابق لولاية أركنساس في منصب سفير لدى الدولة اليهودية في إثارة البهجة بين جميع مؤيّدي توسُّع المستعمرات الصهيونية. وأوضح هاكابي، وهو مؤيد منذ فترة طويلة للحركة المؤيدة للاستيطان، أن ترامب يمكن أن يدعم ضمّ الضفة الغربية لإسرائيل، على الرغم من أن ترامب لم يكن واضحًا تمامًا بشأن مصيرها النهائي. قبل إعادة انتخابه عام 2024، قال ترامب إنه إذا أعيد انتخابه، فإن “أولويته القصوى” ستكون إحياء “اتفاقيات إبراهيم” من حيث توقفت.
يقول مسئول بالجيش الإسرائيلي إن هناك “مشاورات مع مسئولين فلسطينيين لتسهيل الأنشطة في مخيم جنين”، كما كتبت من جهتها جريد “هآرتس” بأن الجيش العبري: “يدرس تزويد أمن السلطة الفلسطينية بمُعدّات عسكرية لمواجهة التنظيمات وتعزيز التعاون ألاستخباري”.
هذه التصريحات الإسرائيلية لا تحتاج إلى أي تفسير، وهي أفضل من التحليل النظري الطويل. إنها ببساطة تصريحاتٌ تبرهن عن تواطؤ هذه السلطة مع المحتل الصهيوني.
وفي بداية ديسمبر 2024، أعلن ترامب تعيين مستشاراً أعلى لشؤون الشرق الأوسط وهو والد صهره مسعد بولس، الذي سيتعامل بشكل أكثر تحديدا مع القضايا العربية، وسيعمل جنباً إلى جنب مع ستيف ويتكوف، للدفع بملف “اتفاقيات إبراهيم”. وسيركّز بولس على الدول العربية، بينما سيركز فيتكوف على العلاقات مع إسرائيل، بحسب تايمز أوف إسرائيل.
وأشار بولس، في مقابلة حصرية أجرتها معه صحيفة “Le Point” الفرنسية في 3 ديسمبر 2024، إلى أن إدارة ترامب ستدرس أوّلا وقبل كل شيء إمكانية انجاز اتفاق مع السعودية “لأننا نعلم جيدًا –وهذا ما ذكره الرئيس– أنه بمجرد إبرام اتفاق بين السعودية وإسرائيل، سيكون هناك على الفور أكثر من اثنتي عشرة دولة عربية ستكون مستعدّة لتحذو حذوها من دون تأخير”.
و في هذا السياق، يجب قراءة وفهم إعادة انتخاب الرئيس ترامب على أنها انتصارٌ لمؤيدي توسّع إسرائيل على حساب الفلسطينيين، وفي الوقت ذاته لصالح إسرائيل الكبرى التي تمتد حدودها من الأردن بما فيها الأردن مروراً بلبنان وسوريا وسيناء وغيرها.
يعكس اعتراف ترامب بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل في عام 2017 ولاء الرئيس الأمريكي الثابت للدولة اليهودية؛ فهو الصديق الذي لا يتزعزع للكيان الصهيوني المغتصِب.
إن الميزة الكبرى للولايات المتحدة هي أنها تقول وتكرر بصوت عالٍ وواضح أن الصديق الاستراتيجي الذي يمكن الاعتماد عليه في الشرق الأوسط هو إسرائيل.
أما الدول الأخرى التي تعتبر “أصدقاء” لهذا “الشرق المعقد”، مثل دول الخليج وغيرها، فلا تعتبرها الولايات المتحدة سوى مصدر الثروة والإمداد للصناعة الأمريكية.
في الأساس، ليس لدى الولايات المتحدة أي اعتبار أو احترام لهذه الأنظمة الملكية التي لا تمنحها سوى القليل من الفضل السياسي. ومع ذلك، فهي ممالك مفيدة، لأنها سهلة الانقياد وغير قادرة على ضمان أمنها الداخلي والخارجي، من دون المظلة الأمريكية.
إن إعادة تفعيل التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي اقترحه ترامب وفرضه سابقًا على هذه الأنظمة الملكية الغنيّة ولكن الخاضعة، لن يفشل في تعزيز إسرائيل في رؤيتها المهيمنة والتوسُّعية في هذه المنطقة من العالم.
إن المغرب الملكي، الذي يقدّم الدعم لإسرائيل من دون خجل أو ضبط نفس في مشروعها للإبادة الشاملة للشعب الفلسطيني، يشكل أيضاً خطراً على استقرار منطقة المغرب العربي. ويتم الآن نسج نوع من التحالف المقدّس بين هذه المملكة والدولة الصهيونية التي لم تعد تخفي نيّاتها في أن يكون لها قاعدة خلفية في المغرب.
والسؤال الآن: هل السلطة الفلسطينية لعبة في يد إسرائيل؟
الجواب على هذا السؤال هو نعم. الإسرائيليون أنفسهم يقولون ذلك: السلطة الفلسطينية سهلة الانقياد “إنها تستمع وتنفذ أوامرنا بحماس”.
وبالفعل أن السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس لم تعد كما كانت في السابق لأن منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثم فتح، قد تلاشت صفتهم الثورية منذ اتفاقيات أوسلو 1993، وهذا ما دفعهم إلى التنازل عن كرامتهم من خلال السماح لأنفسهم بأن يُقادوا كالدمى بيد مستعمرهم. لقد تجاوزوا التطبيع الذي فرضه ترامب ليصبحوا أدوات لتنفيذ القانون الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.
وهذا ما يفسر لماذا يشيد الإسرائيليون بالحط من شأن هذه السلطة المزعومة الفلسطينية.
والإسرائيليون أنفسهم لا يتورعون عن شكر السلطة الفلسطينية على “تعاونها” وعلى القتال الذي تخوضه هذه السلطة التابعة ضد المقاتلين من جنين وغيرها.
وما يقوله الإسرائيليون عن هذه السلطة يكفي لإقناع أكثر المشكّكين. وماذا يقولون بالضبط؟ يقولون –وفق هيئة البثّ الإسرائيلية- إن “الجيش الإسرائيلي راض عن العملية الفلسطينية في جنين ويدعو إلى تعزيز السلطة الفلسطينية” وإن “القيادة المركزية للجيش أوصت بتعزيز آليات السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني معها”، كما يقولون أيضا:”الجيش تلقى تعليمات من المجلس الوزاري المصغر لتعزيز التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية”. ويستمر التلفزيون الإسرائيلي على النحو التالي:” 300 مسلح من السلطة الفلسطينية يعملون في مخيم جنين تحت مراقبة الجيش الإسرائيلي” (هيئة البث الإسرائيلية) وتضيف الهيئة ذاتها عن مسئول بالجيش الإسرائيلي بأن هناك: “مشاورات مع مسئولين فلسطينيين لتسهيل الأنشطة في مخيم جنين”، كما كتبت من جهتها جريد هآرتس بأن الجيش العبري: “يدرس تزويد أمن السلطة الفلسطينية بمُعدّات عسكرية لمواجهة التنظيمات وتعزيز التعاون ألاستخباري”.
هذه التصريحات الإسرائيلية لا تحتاج إلى أي تفسير، وهي أفضل من التحليل النظري الطويل. إنها ببساطة تصريحاتٌ تبرهن عن تواطؤ هذه السلطة مع المحتل الصهيوني.