-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

القطرة التي أفاضت “كارا كاس”

عمار يزلي
  • 2580
  • 0
القطرة التي أفاضت “كارا كاس”

مع الزيارة الأخيرة للرئيس الفنزويلي التي قادته إلى تركيا، ثم الجزائر، ثم باتجاه إيران، يمكن القول إن بداية تشكُّل عالم متعدد القطبية لم يعد مجرد كلام وأمان وأحكام، بل أفعال. أفعال تكتسي طابع الندية دون التهور في الانخراط في تحالفات عسكرية، مما يعني أن منظمة دول عدم الانحياز، التي كانت تمثل “العالم الثالث” غير المنحاز إلى أي من المعسكرين وقتها: المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الشيوعي، قد بدأت تعود بشكل قد يكون مغايرا لطبيعة التحولات والتحديات الجديدة.

نهاية الحرب الباردة التي وقعها انهيار جدار برلين، لم تكن في الواقع سوى محطة تحوُّل، كان الغرب الإمريكي والأوربي والحلف الأطلسي يبني عليها من أجل عالم واحد أكثر شمولية وأحادية قطبية. فقد كان وقتها عصر “نهاية التاريخ” على حد تعبير “فوكو ياما”، قد بدأ يخط طريقه نحو أمْرَكة العالم: حلم لم يعزِّزه الواقع؛ فالشرق شرق والغرب غرب، و”صدام الحضارات”، الذي بدا للغرب يمثل أكبر تحد له مع تنامي القوى الاسلامية الرادكالية، جعل الغرب يرى في روسيا وحتى الصين، ليسا مجرد “دبّين قطبيين” ولا حتى “نمرين من كرتون”، كما كان يُسمَّى المعسكر الشرقي، بل مجرد “نمرين في كرتون”، بل وفي “قفص من حديد”. هذا ما حاول الغرب الأمريكي الأوربي أن يقيمه حول روسيا والصين ومبدأ الاحتواء للقوى الاقتصادية والإقليمية الصاعدة بدءا من إيران.

هذا ما دفع الرئيس الفنزويلي، الذي يرأس حاليا منظمة دول عدم الانحياز التي لم يعد ذلك الزخم التكتلي السابق في عهد الحرب البادرة، إلى التحرك في نهاية الشوط الأول؛ فحصار كوبا وفنزويلا وسوريا وتخريب وإضعاف دول في المنطقة العربية ضمن جبهة الصمود والتصدي، وكثير من الدول التي كانت سابقا في طليعة دول عدم الانحياز ومنها الجزائر، التي عانت في التسعينيات من شبه إغلاق تام مع الشمال، جعل اليوم الوقت مواتيا لمحاولة استعادة المبادرة وخلق تكتُّل اقتصادي سياسي جديد يتقاطع مع كل القوى والتكتلات الإقليمية والجهوية العالمية بدءا من دول “البريكس” المتشكّلة منذ 2006 بتوافق الدول الخمس: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، مرورا بدول واقتصاديات أوروبية ناشئة حتى تلك الموجودة في النيتو أو في الاتحاد الأوروبي، المقبل على انقسامات جوهرية لا غنى عنها، مثل صربيا وهنغاريا وتركيا. يضاف هذا إلى دول من أمريكا اللاتينية: فنزويلا، كوبا، نيكاراغوا، المكسيك، الأورغواي، السلفادور، غواتيمالا، الهندوراس، والتي عاقبت الولاياتُ المتحدة بعضا منها ولم تدعوها إلى الدورة التاسعة “لقمة الإمريكيتين” المنعقدة مؤخرا بلوس أنجلس، مما أدى إلى مقاطعة دول أخرى للقمة.

زيارة مادورو للجزائر، قادما من تركيا، له أكثر من بُعد: بُعد اقتصادي، خاصة مع تركيا التي يتوقع ان تستثمر في البلد النفطي بامتياز ما يزيد عن 3 ملايير دولار في الآفاق القريبة، وبُعد سياسي اقتصادي مع الجزائر تُرجم في مشروع خط جوي يربط كاراكاس بالجزائر، والتي يعول عليها إقليميا وإفريقيا على أنها ستكون بوابة وزعيمة القارة الافريقية وبوابتها الكبرى لهذه القوى الاقتصادية والسياسية المتنامية وخاصة تركيا والصين وروسيا. هذه القارة التي تراهن عليها اقتصاديات الدول الرافضة للهيمينة القطبية، وخاصة بعد العقوبات على روسيا وأزمة النفط والغذاء التي تهدد العالم اليوم، لاسيما القارة الافريقية بمجاعةٍ خانقة. كل هذا يفسِّر تحركات القوى الرافضة للهمينة، والتي تقابل التحركات الأمريكية الأوروبية من أجل جمع شمل الدول المناهضة لروسيا وحتى الصين وخلق شبه تكتل دولي معاد لهما، ممثلة في الدول التي فرضت العقوبات على روسيا.

زياردة مادورو للجزائر ولتركيا ولإيران، ولبدان أخرى محتملة، قد تكون بداية لتشكُّل العالم الجديد متعددِ القطبية، كل هذا في ظل تحديات كبرى قد تفجِّر الوضع برمَّته، لاسيما في الشرق الأوسط مع القضية الفلسطينية ولبنان والمياه المتحركة، ومع الملف الإيراني الذي يمثل الصاعق المحتمل في المنطقة بعد بارود أوكرانيا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!