الرأي

القطر الذي أفاض الكأس

عمار يزلي
  • 1037
  • 0

عندما استُبدلت مدرجات الاقتتال حتى الموت منذ زمن الرومان بملاعب للتباري بين “الخصوم” والأنداد، كان الهدف من ذلك نقل شُحن الغضب والانتقام والرغبة في القتل أو الدفاع عن النفس باللجوء إلى القتل والتنفيس عن الحيوانية في الإنسانية المتوحشة بمحاكاة الصراع والاقتتال والتحارب بين خصمين أو عدوّين لم يعودا كذلك.

تحوّلت مختلف أنواع الرياضات الجماعية، وعلى رأسها كرة القدم، إلى تنفيس عن غضب واستخراج للقوة الكامنة في الإنسان، المتمثلة في الرغبة في الاصطياد والفوز بالطريدة، لكن من دون اللجوء إلى العنف، وبذلك حوّلت الرياضة الجماعية عنف الإنسان بالطبع إلى “روح رياضية” لا تخلو من التمثّلات القديمة الجديدة الدائمة في الإنسان: القوة والتباري من أجل الفوز. غير أن الفوز صار رمزيّا وسلميّا وتحولت الرياضة إلى أسلوب للتسامي بالتسامح والتوحيد بين الشعوب والدول والمناطق.

مسارٌ تاريخي من أجل أنسنة الرياضة وتحويلها من عنف متوحّش بين أفراد المجموعات القبلية والعرقية والجهوية والمناطقية إلى تبار وتنافس على ألقاب وكؤوس، تحت راية البلد الواحد أو الفريق أو النادي الواحد.

نهاية الكأس العربية بقطر التي توِّج بها الفريق الجزائري الثاني، كان لها أكثر من دويّ وأكثر من عبرة وعبر: لقب أول ونجمة أولى على قمصان أشبال أصغر مدرِّب في الكأس العربية وأحد القلة القليلة من المدرِّبين العرب الذي تمكن في أقل من سنة من بناء فريق ثان مموِّلٍ مستقبليٍّ للفريق الأول. روح رياضية عالية بين الفرق، تسام على الخلافات بين الدول، رفع رايات البلدان المنافِسة من طرف الفرق الأخرى، تنظيم قَطري دولي فوق العادة وحضور قوي لفرق عربية قوية، جعلت المنافسة تبدو عرسا عربيا يعكس وحدة عربية بين الشعوب، قد تدفع مستقبلا إلى توحيد الصفوف والتسامي عن الخلافات العابرة والظرفية والتفطُّن إلى الكيد الذي يُكاد لنا كعرب وكأمة للتفريق بيننا وضمان هزيمتنا وتفريقنا وتشتيتنا جميعا لتستوي لهم الأمور للانقضاض على ما تبقّى منا كأمة، كان من المفروض أن ترث تراث الآباء والأجداد دينا وخُلقا وعلما وعملا ووحدة وتضامنا، وتضرب المثل في التسامح والأخلاق الإنسانية والتفاتي في العمل وضمان أسباب النجاح والقوة والفوز والتغلّب على الصعاب.

كأسٌ وحّدت الأمة العربية على مستوى الشعوب في انتظار أن تدفع الجزائرُ الفائزة بكأس العرب نحو قمة عربية موحِّدة للجميع لا تقصي أحدا إلا من أقصى نفسه أو حُمل على ذلك من طرف القوى الباغية المفرقة بين الشعب العربي الواحد في بلاد المغرب العربي الكبير وشمال إفريقيا وفي بلدان الشرق الأوسط وجنوب القارة السمراء. 22 دولة عربية، حتى تلك التي لم تشارك في العرس العربي الرياضي في قطر، تابعت هذه الملحمة وهذا التلاحم الذي صنعه العرب بأرجلهم وقلوبهم. لقد تحقق ما يسميه بعض الفلاسفة المعاصرين بـ”الرغبة الإنسانية في الاعتراف” لكي يحقق شبابُنا ما عجز عن تحقيقه شيَبُنا.. الشباب الذي حقق بالأمس معجزة التحرير، يتألق اليوم الأحفاد لتحقيق حلم الجزائريين في “الاعتراف” بأننا شعبُ الانتصارات والخسارة عندنا ترادف “المستحيل”.

لعبنا وربحنا وربح العرب: ربح إخوتنا في تونس فريقا عالي القيمة بمدرِّب تونسي “كبير”، وربحت قطر أكثر مما كنا ننتظر: تنظيما ولعبا فوق الميدان، مثلما لعب الفريق المصري ذلك اللعب الشيق، وكما لعب الفريق المغربي الشقيق، وباقي الفرق التي خرجت من الرماد كالعنقاء وحققت ما لم نكن نتوقّعه في هذه الكأس الدولية العربية بامتيار.. هذا في انتظار لقاء قادم على أرض قطر بعد سنة من اليوم.. كما تمنى ذلك أمير قطر لفريقنا المنتصِر.

مقالات ذات صلة