الرأي

القوة الناعمة.. الشيفرة المدمِّرة للأمن القومي

بقلم: لونيس بن جبل الجزائري
  • 2484
  • 0
ح.م

“عندما تستطيع دولة أن تجبر دولا أخرى أن تفعل ما تريده، فيمكن أن نطلق على هذا مصطلح القوة الاختيارية أو القوة الناعمة، وهي على النقيض من القوة الصارمة”، هي مقولة ضمّنها جوزيف ناي، في كتابه الذي ألفه سنة 1990م.
هذا المفكر الأمريكي الذي شغل منصب رئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي في حكومة كلينتون سنة 1993م، إذ كان ظهور المصطلح لأول مرة على يده في هذا الكتاب الذي يضع معالم الهيمنة والسيطرة والسبل المنهجية لبسطها عن طريق مقاربة جديدة، هي مقاربة القوة الناعمة، صحيح أن لهذه المنهجية جذورا أخرى، تظهر مثلا في كتابات الفيلسوف الإيطالي قرامشي، الذي تحدث عن الهيمنة إبان الحرب العالمية الأولى والثانية، وكذلك في كتابات المفكر الفرنسي بورديو إذ تحدث عن القوة الرمزية، لكن كتاب جوزيف ناي جاء كدليل منهجي لممارسة وإدارة هذه العملية المعقدة والتكتيكية لفرض السيطرة وتحقيق التغلغل والاجتياح بطريقة مغايرة عن الطرق الأخرى حتى أنها تعدّ مغايرة عن الحرب النفسية.
جاءت هذه المنهجية في الاجتياح التي لا تعتمد على الأدوات العسكرية ولا تكلف تكاليف باهظة حلا بديلا أو داعما لمنهجية فرض العقوبات والحصار مثلا، وجاءت كذلك حلا بديلا أو تمهيديا مسهّلا لدخول مرحلة القوة الصلبة، فمصطلح القوة الناعمة SELF POWER يقابله القوة الصلبة HARD POWER وفي كتابه الموسوم بـ”القوة الناعمة”، يقول في أحد صفحاته إن جدار برلين أختُرق بالتلفزيون والأفلام السينمائية قبل سقوطه سنة 1989م، وهنا تبدو خطورة القوة الناعمة واضحة في تخطيط مسارات السقوط، وهي ذات خطورة شديدة بالنظر إلى عدة عوامل منها أنها غير رسمية ولا معلَنة من جهة وأنها تستهدف العديد من الجوانب والقطاعات في الوقت ذاته بعكس القوة الصلبة، وكذلك لا تظهر معالمها إلا بعد أن تحقق الغرض المطلوب وهو اختراق الأمن القومي للدول بطريقة سلسة ومدروسة بعناية، حتى أن مجموعة الأفراد الذين تعمل عليهم أو كما يمكن أن نطلق عليه بنطاق العنصر البشري، الذي لا يستطيع أصلا أن يعلم بأنه موظف تحت لواء هذه الأجندات المرعبة والهدامة إلا بعد فوات الأوان.

 في كتابه الموسوم بـ”القوة الناعمة”، يقول في أحد صفحاته إن جدار برلين أختُرق بالتلفزيون والأفلام السينمائية قبل سقوطه سنة 1989م، وهنا تبدو خطورة القوة الناعمة واضحة في تخطيط مسارات السقوط، وهي ذات خطورة شديدة بالنظر إلى عدة عوامل منها أنها غير رسمية ولا معلَنة من جهة وأنها تستهدف العديد من الجوانب والقطاعات في الوقت ذاته بعكس القوة الصلبة، وكذلك لا تظهر معالمها إلا بعد أن تحقق الغرض المطلوب وهو اختراق الأمن القومي للدول بطريقة سلسة ومدروسة بعناية.

ومن بين المبادئ التي تعمل عليها الهيئات التي تقوم على تصميم وإدارة الحرب الناعمة، أنها تعمل على مرحلة أولية ومرحلة متقدمة ومرحلة نهائية. وتهدف خلال المرحلة الأولية إلى استكشاف الإقليم المستهدَف من كافة الجوانب لإبراز مكامن القوة ونقاط الضعف، لتأتي صياغة التكتيكات اللازمة بناءً على نتائج مرحلة الاستكشاف، وتأتي المرحلة النهائية والتي قد يتم فيها دمج عناصر القوة الصلبة وتحييد أو إبادة الخلايا التي عملت من خلالها، وكل هذا يتم تحت إستراتيجية الحشد والسيطرة على النطاق العام للإقليم المستهدَف عن طريق زرع أفكار وجماعات ذات توجّه يخدم المشروع، هذا كتحليل سطحي للشكل الذي تعمل عليه هذه الآلية الهدامة لأمن الأوطان وإخضاعهم.
والمقام لا يكفي أن أستطرد في الغوص تقنيا في هذا المجال المعقد، لكنني سأقدم خمس مراحل تنشط عليها الهيئات التي تدير هذه العمليات المرعبة التي تستهدف أولا الأفراد ومن ثم الأوطان. الخطوة الأولى هي الخطوة الاستكشافية لمعرفة وتشخيص كامل المعطيات عن الإقليم المستهدَف من كافة جوانبه الحياتية، وهذه الخطوة يكون في طياتها تحديد وتقسيم الفئات، ويتم إعداد عمل موجَّه نحو الفئة المراد توظيفها، وغالبا ما يتبع هذا بالخطاب التعاطفي الإسنادي الذي من شأنه أن يمارس التغلغل الناعم المبني على روح التعاون والمبادئ المثالية.
وخلال هذه المرحلة يتم الاعتماد في أغلب الحالات على المنظمات غير الحكومية ONG وكمثال توضيحي بسيط، فإنه إذا أفادت عملية الاستكشاف الأولي داخل إقليم بلاد معينة أن أفرادها يعانون من شبح البطالة مثلا، فهنا برنامج الغزو الناعم يكون مضمَّنا في مناهج منظمات وجمعيات تعمل على مساعدة الأفراد على التوظيف كمثال، كي يزيد الأثر التحكمي لضمان نجاح السيطرة والتحريك وكذا الحشد، وكما قلت سابقا فإن حشد الأفراد والسيطرة على النطاق العام يعدان عاملين خطيرين في منظومة القوة الناعمة، وعملية الاستكشاف تكون عبر عدة وسائط وآليات، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، الإجابة عن استمارات في الفضاء الافتراضي، الولوج إلى بيانات وتفاعلات أصحاب حسابات التواصل الاجتماعي وغيرها من الأساليب.
الخطوة الثانية هي بناء منظمات وخلايا بشرية مسيَّرة تعمل بالمرجعية الفكرية المكلفة بها. وخلال هذه المرحلة تعمل الهيئات على توسيع حجم هذه الخلايا وتعددها عبر أكثر من قطاع أو جانب، وذلك لتحقق اجتياحا شاملا وسيطرة كاملة.
الخطوة الثالثة وهي الخطوة العملياتية إذ تفعّل هذه الخلايا لتحريك الاستقرار، مثلا كتبنّي قضية ما أو استغلال موقف ما، لتصنع تلك الموجة التي ستُركب من قبل أجندات أجنبية تستهدف الأمن القومي للبلاد.
أما الخطوة الرابعة فتكون عبارة عن خطوة تتبعية لمجمل النتائج والأحداث، إذ تكون هذه الأجندات قد أحاكت الفخ وراقبت الأحداث عن بعد بما يخدم مصالحها ويدمّر الأمن القومي للبلدان.
أما الخطوة الخامسة، فخلال هذه المرحلة تتم عملية إدماج القوة الصلبة لتحقيق القوة التجاوزية الفائقة التي أشار إليها الأمريكي ستيف هامنز لتحقيق الهدف المنشود وتحييد تلك الخلايا التي ساعدتها في التغلغل وتمهيد الطريق لها لتحقق ما تصبو إليه تكتيكيا، والجدير أن أشير إلى أن لكل خطوة مجالا زمنيا تطبق فيه يختلف ويتفاوت من إقليم إلى آخر ومن تركيبة شعب إلى آخر.
صحيحٌ أن جوزيف ناي قدّم نموذجا فعالا في بسط التغلغل عن طريق سياسة القوة الناعمة، لكن القوة الناعمة أتت كعمل تقني بشري، وما دامت من عمل البشر فلابد أن لها مواطن ضعف في صياغتها وفي آليات عملها، والمقام لا يكفيني لتشريح ذلك في هذا المقال، لكن كتوصيات لمجابهة ذلك وجب أن أقدّم ما يلي: ضرورة التنبّه من قبل الوعي الفردي والجمعي إلى أن مآلات هذه الأجندات فقط يكون الدمار للأوطان والأفراد، وخير دليل على ذلك ما حدث في بعض الدول الشقيقة، إذ شرِّد أصحاب الأرض فدمّرت بنيتها واستبيحت أراضيها وصار الاستقرار فيها حلما عاشه أصحاب الوطن البارحة لكنه اختفى اليوم.
كذلك ضرورة تطوير برامج القوة الناعمة المضادة والتدرب على إدارتها بفعالية متقدمة، ومراقبة ومتابعة أنشطة المنظمات غير الرسمية وتطوير الآليات الرقابية الرقمية عبر العالم الافتراضي، وذلك للتصدي للحملات الرقمية والفكرية، وتطوير مختبرات التحليل الفكري والسلوكي، وتطوير فرق خاصة تعمل على التحليل والبحث السلوكي والتنظيمات غير الرسمية ومتابعتها، كل هذا لأن الأمن القومي للوطن لا يقدَّر بثمن، ووجب علينا كلنا حمايته وتقوية الجبهة الداخلية لنكون الحصن المنيع لحماية وطننا.

مقالات ذات صلة