القورصو: اعتراف هولاند واعتذاره شجاعة تؤسس لعلاقات ندية
كشف “مخاض” زيارة الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، إلى الجزائر ضعف وتهلهل أداء المجتمع المدني عندنا، مقارنة بالضجيج والغبار الذي تحدثه هيئات المجتمع المدني في فرنسا، ما جعل أجندة هولاند تفرض نفسها، على الأقل، حسب ما يبدو إلى حد الآن، فيما غابت مطالب الجزائر عن الواجهة، خاصة وأن مطلب الاعتذار قد حذف من أرضية المطالب المعهودة بالنسبة لبعض الجهات الرسمية، وحتى بالنسبة للكثير من المواقع السياسية، بما أن الاستعمار جريمة ثابتة لا تحتاج إلى وثيقة، وأن جلاديه يعترفون تلقائيا بممارساتهم الجهنمية ضد الشعب الجزائري، باستثناء تحرك وسائل الإعلام كفاعل وليس كوسيط أو وسيلة، وهي تحاول التجاوب مع طبيعة الحدث وخصوصيته منذ الوهلة الأولى لإعلان الزيارة، بالمبادرة وفتح ندوات للنقاش لملء الفراغ الصارخ، والذي سيحرم السلطات العمومية المعنية من هوامش وأسلحة المناورة.
وباعتباره أحد نشطاء المجتمع المدني المهتم بالتاريخ، أكد محمد القورصو، على أهمية تمسك الجزائريين بمطالبة الرئيس الفرنسي الجديد بالاعتراف الكامل وليس بصفة جزئية بجرائم الاستعمار والاعتذار والتعويض، لأن تعامل فرنسوا هولاند مع المطلب يكشف حقيقة نوايا باريس في عهد اليسار تجاه قضايا التاريخ ورهانات المستقبل، ومن ثمة استعدادها لنسج علاقات تقوم على الندية والصدق.
وأوضح الباحث، في تصريح لـ”الشروق” حول ما ينتظره الجزائريون من هولاند، أن قناعات الرئيس الفرنسي بدت مغايرة وشجاعة إلى حد ما، حيث أنه خطا خطوة معتبرة حينما أقر رسميا، ولأول مرة، بأن قمع متظاهرين جزائريين بباريس في 17 أكتوبر 1961 كان جريمة، غير أن مصادقة البرلمان الفرنسي في شهر نوفمبر الموالي، على تاريخ 19 مارس كيوم وطني للذاكرة الفرنسية تتناقض مع الانطباع الجيد الذي تركه القرار المتعلق بأحداث 17 أكتوبر، ليصفه بأنه “تشويش وضرب من المراوغة يجعلنا نقف موقفا نقديا من زيارة هولاند، دون أن نفقد الأمل في أن يعبر عن شجاعة كاملة تنتهي بالاعتراف وذلك في صالح فرنسا ذاتها والشعبين”.
من جهتها، قللت المحامية والباحثة في التاريخ، وعضو هيئة مناهضة الفكر الاستعماري والدفاع عن ذاكرة الجزائر، فاطمة الزهراء بن براهم، من شأن اعتراف هولاند بجرائم فرنسا الاستعمارية أو تنكره لحقوق ومطالب الجزائريين، وتأثيره على صيرورة المطلب الجزائري، خاصة وأن الاعتذار لا يعفي فرنسا الرسمية من المتابعات القضائية والسياسية والتاريخية والدبلوماسية المختلفة، حيث أن اعترافات ومذكرات جلادي الاستعمار تتهاطل تحت تأثير تأنيب الضمير تارة، والغلو في التمسك بالفكر الاستعماري تارة أخرى، حنقا على استقلال الجزائر، ما يؤكد أن الجرائم المرتكبة لم يكن فعلا منفردا أو معزولا، بل ممنهجا تنفيذا لقرارات دولة ضد شعب أعزل، غير أنها أبرزت أهمية التعامل الند للند، باعتباره أساسا لإقامة علاقات نزيهة ومصالح متبادلة.
ولم تستبعد بن براهم أن يتكئ الطرف الجزائري على مطالب الشعب الجزائري الملحة على الاعتراف والاعتذار لمواجهة نرجسية الفرنسيين تجاه ملف الذاكرة، مؤكدة أن جرائم فرنسا مستمرة وبنفس الوتيرة والخلفية الاستعمارية، حيث راحت تعد الجرائم البشعة والمطالب العنيدة المقابلة لها، أهمها استمرار احتجاز أرشيف الجزائر خلال الفترة الاستعمارية، والفترة العثمانية الغنية بكل مكوناتها، والأرشيف العسكري والمدني والاقتصادي، وكل الأشياء الثمينة المنهوبة، منها خيمة أحمد باي، أسلحة، وثائق وكتب نادرة، وحتى رؤوس بعض قادة الثورات الشعبية ماتزال محفوظة “مسجونة” في متاحف فرنسا، وكذا مفاتيح الجزائر، ومدفع بابا مرزوق، وغيرها من الشهادات المادية الرمزية.
كما طالبت باسترجاع أرشيف التجارب النووية وخرائطها، وتعويض المتضررين، خاصة وأن التقرير السري يؤكد وجود 400 ألف مواطن يعيشون في الصحراء و500 قبيلة تتنقل دوريا في اتجاه افريقيا جنوب الصحراء، وتنظيف المناطق من الإشعاعات النووية وبقايا العتاد المستعمل المدفون تحت الرمال، بالإضافة إلى تسليم مخططات زرع الألغام المضادة للأشخاص التي تقتل الجزائريين. وأشارت بالمناسبة إلى قضية المفقودين الجزائريين بسبب معركة الجزائر والمقدر عددهم بـ80 ألف شخص، إلى جانب استرجاع جنسية وهوية الجزائريين المرحلين قسرا إلى كاليدونيا. وتم تزويجهم عنوة بفرنسيات مشبوهات يعملن في كنائس ومنعوا أسماءهم عن أبنائهم.