الكآبة الرقمية والعلاج الروحي
الكآبة المقصودة هنا، ليست تلك الحالة المرضية التي تستدعي احياناً مراجعة الطبيب، وإنماهي الكآبة الرقمية: الحزن المزمن أو المؤقت، والتدهور في الصحة النفسية الناتج بشكل مباشر عن الاستخدام المفرط الإيجابي أو السلبي للتكنولوجيا والمنصات الرقمية ” مواقع التواصل الاجتماعي، الهواتف الذكية، وألعاب الفيدو”.
* إنّ الحضارة الحديثة ظلمت البشرية كثيراً، أنهكتها، قدمت لها الجليل من الخدمات، لكنها تجهل لغة الروح والتحدث بلسانها، ما فعلته بالبشرية دفعت حتى أبنائها للهروب منها ومن أمراضها، في السابق كان مما يؤخذ على الغرب وماديته الطاغية، أنه يتعامل مع الجانب المادي للإنسان ويهمل الروحي فيه، وقد كان يفسر حالة الكآبة المتفشية فيه الى هذا السبب الذي يدفع الى الانتحار أو اللجوء الى شرب الكحول باعتبارها مشروبات روحية للخروج من الضائقة النفسية والهروب من مشاكل الحياة، الغربيون كانوا في الصف المتقدم لناقدي حضارتهم في رحلة البحث عن معنى الحياة،لأن ذلك كانت المشكلة الحقيقية وطغت بها الرؤية الغربية للحياة، أما الآن ومن خلال التكنولوجيا الحديثة فُصِلَ بين العقل والجسد والروح والقلب، وهي مرحلة تتجاوز الفصل بين الجسد والروح حين كان العقل يتعامل مع كيلهما، فالفصل الثنائي صارَ فصلاً ثلاثياً، وفي وقت كان الحديث عن الإدمان على الكحوليات والمخدرات، جاء العلم الحديث الطلق من كل كابِح بنوع جديد من الإدمان وهو الإدمان على وسائط التواصل الحديث وتطبيقاتها. وما يساعدها هي البحث عن الربح، العاملون في الشركات يقولون انهم يفضلون ملايينالدولارات على صحة الأطفال.
إن المشاهدالمنشورة على فيسبوك وتيك توك وانستغرام تراقب المستخدم من خلال القدر من الوقت الذي يقضيه في المشاهدة، فيتعرف التطبيق على مزاجه ورغباته، ويضع أمامه على الشاشىة اللقطات المنسجمة مع رغباته ويبعد غيرها حتى يجعله مدمناً، ومن خلال رفع المثال في الحياة لا يشعر المستخدم إلاّ وتحول الى شخص غير راض عن نفسه وكاره للحياة، مشكلةالصحة العقلية. عقل مريض ونفس كئيبة غير صبور مستعجل في كل شيء. غير راض عن نفسه ولا عن حاله، يتخيل الحياة هي ذاتها المصورة في مستواها العالي، فتتغير نفسيته، وسلوكه تبعاً لها يتغير. لقد قدّم الالاف من الوالدين شكاوى الى المحاكم الأمريكية ضد الشركات المالكةوالخوارزميات التي تحدد المقاطع -ريلز- وتكره أبنائهم وبناتهم على المشاهدة، نشرت نيويورك تايمز في اغسطسمعاقبة المحاكم الأمريكية لشركة – ميتا -بمبلغ تجاوز ١٧،١ مليار دولار كتعويض للمتضررين وفرض اصلاح التطبيقات لتكون أكثر اماناً.
*ونحن في مجتمعاتنا نعاني منهذه المصيبة، عادتنا الخاطئة كما تعودنا أن نتعامل من خلال ردود الفعل في حين كان المفروض أن يبدأ الحلول من هنا، حيث الروح في العقل الشرقي لها الموقع البارز، وفي البحث عمّا تسميه الأستاذة المختصة بالفلسفة -ميغان سوليفان- ب “الحياة الجيدة” يكون العلاج لهذه البلوى العامة، في أمرين، وهما: – قليلٌ من الوقت على وسائل التواصل الرقمية ومزيدٌ من الاهتمام بالروح والمشاعر الإنسانية.
الأول هو، التحكم بالوقت وترشيد انفاقه. إعادة القدرة على إدراك الوقت، وقد ربطت الدراسات بين نسبة انتحار الشباب والمدة الزمنية التي يقضيها في المشاهدةخاصة عبر الهواتف الذكية، إنّ هذه الأدوات لها حكم الوسيلة، فأيما وقت تحولت الى شيء غير ما صنع من أجله، يتغير حكم استعمالها. ويشمل هذا نوع الاستعمال والمادة المعروضة أو الفترة الزمنية التي ترتدّ على صاحبها بسوء.
والثاني هو: العودة الى الروح، في خضم البحث عن هذا التهافت الروحي، يقرّ الأكاديميون في الغرب بإننا نعيش في عالم خطير روحياً، لأن الإنسان بذاته تحول الى آلة، ولم يعد الإنسان ذلك المخلوق المميّز بأبعاده الكاملة الشاملة، فإذا كان هذا الداء فإنّ الدواء هو في تربية الروح بغذائها الخاص – وهو ربطها المحكم بخالقها سبحانه – أو التحرّر من عالم الماديات في عمومها، إنّ طبيعة الحياة الحديثة الجميلة الممتعة أضحت هي المبتغى، أهملت العناصر الأخرى التي ترفع الروح وتغذي المشاعر حسب سوليفان وهي: الدين، الأدب، الفن، اللاهوت، التاريخ، الفلسفة، الصداقة، المحادثة [المباشرة].
*في القرآن الكريم، يمنُّ الله سبحانه على أهل الجنة بأنه أذهب عنهم الحزَن، وهم يشكرون الله على ذهاب كل ما يقلق {وَقالُوا الحَمدُ لِلّه الَّذي أَذْهَبَ عَنّا الحَزَنْ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُوُرْ} [فاطر:٣٤]، كأن ذهاب الحزن من القلب والروح هو نعمة مبتغى وامل يعمل الإنسان من أجله، وبما أن الجنة هي الصورة المثلى للحياة، فإنَّ الطبيعة السوية التي ينبغي ان يكون عليها الانسان في الدنيا هو أن لا حزَن، وكل فكر وفعل عليه مراعاة هذه الخاصية النفسية للإنسان. تقول رئيسة قسم الدراسات الإسلامية في جامعة كليرمونت في كاليفورنيا”رقية ياسين خان”: إن كلاّ من الدين والروحانية يضفيان صبغة إنسانية على بعض التوجهات الضارّة للوسائط الإعلامية الجديدة وجوانبها الرقمية ويبطلانها…ومن دون الاهتمام المجتمعي والفردي بهذه الممارسات ودمجها في جوانب الحياة، فإن ظاهرة الوسائط الإعلامية الجديدة والممارسات المرتبطة بها ستشهد تضاؤلاً في جانبها الإنساني”.