منوعات
القاص والناقد سعيد بوطاجين

الكتابة جلبت لي الكثير من الأعداء.. ووطار لم يهلل لاغتيال جاووت

الشروق أونلاين
  • 2546
  • 1
الناقد والقاص والأستاذ الجامعي السعيد بوطاجين

في هذا الحوار يسترجع الناقد والقاص والأستاذ الجامعي السعيد بوطاجين جزءا من ذكرياته مع صاحب الشمعة والدهاليز الراحل الطاهر وطار عندما كان في مكتب الجاحظية، حيث ينفي بوطاجين ما تم تداوله على مدى سنوات، كون الطاهر وطار يكن العداء للفراكفونيين أو هلل لاغتيال الطاهر جاووت، حيث أكد بوطاجين في هذا الحوار أن وطار لم يكن يتفق حتى مع بعض المعربين، مؤكدا في نفس السياق أنه من الصعب الكتابة عن ذكرياته مع وطار دون التضحية بالكثير من التفاصيل، وفي سياق آخر توقف بوطاجين عند ردود الأفعال التي أثارها كتابه “السرد ووهم المرجع” عندما انتقد بعض الأسماء الجديدة، مؤكدا أنه يفتخر بتخلفه ورجعيته إذا كانت الحداثة تعني نصب الفاعل ورفع المفعول به.

  • — بعد خمس مجموعات قصصية رسخ بوطاجين أسلوبه ولمسته في الكتابة. هل ترغب في التأسيس لمدرسة خاصة بك؟ أم هو تأثير الجانب الأكاديمي على الجانب المبدع فيك؟

  • لم أعد أرغب في الحديث عما أكتبه. يبدو لي ذلك مرهقا ولا طائل من ورائه. هناك أحاديث أكثر فائدة: الإسمنت، الحديد، الشواء، طريقة تسجيل الأهداف، تصريحات اللاعبين والمطربين الفاشلين، الصفقات، المسؤوليات البائسة. هذه موضوعات مصيرية وغاية في الأهمية. ومع ذلك…
  •   ما زلت أكتب مستفيدا من علم السرد والسيمياء والبلاغة والناس لأني واحد منهم، من الدهماء تحديدا. ربما كان هناك تأثير ما للجانب الأكاديمي في التعامل مع العلامات والحقول المعجمية والأشكال، لكن للقراءة تأثيراتها أيضا، بما في ذلك القراءة البصرية وآراء القراء.
  •   لم أفكر أبدا في التأسيس لمدرسة.
  •  قرأت ذلك في مقالات ودراسات، لكني لا أدعي ذلك. أكتب عن تجربة، وهناك الجانب الحرفي، أو الصناعة. أنتبه جيدا للألفاظ والأفعال في حدود مقدرتي، لكني قد أزل، يحدث هذا، أشتغل على الجانب الأسلوبي، على الإيقاع، الموضوعات والشخصيات والأحداث والرؤى أجزاء من هذا النسيج المعقد. أعتقد أن رؤيتي للنص ونقاشاتي أسهمت في ظهور هذه القصص. أما الألم فهو الجوهر، تعبت من المحيط ومن الناس وما يشبه الدنيا، وتعبت من الكتابة لأنها جلبت لي أعداء في الجامعة، وفي الحياة.
  • –أنت أيضا ناقد لك أكثر من كتاب وأكثر من مساهمة. ما هي نظرتك للساحة عندنا؟ وما هي أسباب ركود النقد أو تراجعه؟
  •   ما فائدة النقد في سياقنا التاريخي والمعرفي؟ أقصد النقد الذي يؤسس على ثنائية التقييم والتقويم. مع ذلك فإن نقدنا يشهد تطورا ملحوظا في الدراسات الواصفة التي تقوم بتفكيك تمفصلات المعنى، دون إبداء الرأي. هذا التوجه له مسوغاته المنهجية والمفهومية والمصطلحية والرؤيوية.
  • في الجزائر نخبة مهمة من النقاد المحترفين، خاصة في المناهج الجديدة. هناك أعمال أكاديمية راقية تقدم في الجامعة، لكننا لا نملك مجلات متخصصة تهتم بمتابعة الإبداع، ثم إن المبدعين لا يحبون النقد. كل شيء جيد عندنا. كل شيء في مكانه.
  • لي ملاحظة أظنها بحاجة إلى تأكيد، أعمالنا النقدية تتجه نحو التكرار ويجب تطعيمها بكفاءات معرفية أخرى مؤهلة لتمثل المنهج من تموقعات مختلفة تفاديا للمعياريات التي بدأت تفسد البحث الجامعي، لقد غدت المرجعيات النقدية الأحادية بمثابة عائق أمام انفتاح النقد وعبقريته المنتجة.
  • لاحظت في السنين الأخيرة، كما لاحظ الجامعيون، سوء تقدير للأدوات الإجرائية، ومن ثم ميل النقد إلى تطبيقات صنمية ستؤدي بالضرورة إلى وقوع النقد في أخطاء البلاغة. إننا نحتاج إلى زاد معرفي قادر على أداء مهامه والتفكير، في الوقت ذاته، في تقوية قدراته باستمرار.
  • –أثار كتابك “السرد ووهم المرجع” استياء عدد من الأسماء الشابة لأنك أعطيت رأيا قاسيا في مآخذ بعض النصوص الجديدة، برأيك لماذا أحرز لك البعض العداء بسبب هذا الكتاب؟
  • تناول هذا الكتاب تفكيرات حول السرديات، وكنت أفكر في مشروع طويل يهتم بالنص الجزائري وآفاقه، قبل أن أتراجع نهائيا، كما أشرت إلى ذلك في بعض المناسبات.
  • أعتقد أني أفكر بشكل أكاديمي وبموضوعية، كان هناك كتاب كثيرون يتحدثون عن “قتل الأب”، أي عن محو الكُتاب الذين سبقونا، دون تقديم بدائل مقنعة. ولأني أؤمن بمبدأ الحلقية والتكامل فقد دافعت عن الآخر بمنطق نقدي، كما نوّهت بالكتابة الجديدة ممثلة في نصوص كثيرة مؤهلة لأن تكون تمثيلية من حيث أنها تمتلك قدرات مذهلة.
  • لم أشر إلى أسماء بعينها. كنت أدرك جيدا خطورة ذلك في سياق ثقافي مهزوز. نبهت فقط إلى بعض الفجوات التي وقعت فيها الكتابة الجديدة، ومنها كثرة الأخطاء النحوية والأسلوبية والإملائية والبنائية والسردية. لقد وضعت مساءلات، لا غير. أما إذا كنا نرفع المفعول به باسم الحداثة، فأنا تقليدي ومتخلف ومنتهي الصلاحية. من هنا بدأت المشكلة. كان علي قتل مالك حداد ومحمد ديب وعبد الحميد بن هدوڤة ومولود فرعون والطاهر وطار ومرزاق بقطاش و”جيل” السبعينات والثمانينات، كما كان علي رفع خبر كان ومدح الأّساليب المفككة قاطبة، بما في ذلك الأساليب التي لا تنتمي إلى أية لغة، أي تلك التي لا تفهم أبدا.
  •  كانت هناك نقاشات مجنونة عن آخرها، ولم أتقبلها.
  • ومع أني أكدت، في قراءاتي السردية، على أن هذه الرواية الجديدة ستغيّر مجرى الكتابة إن ابتعدت عن تضخم الأنا وعقلية الإقصاء فقد انزعج بعضهم، وهم أحرار في رفع المفعول به والاعتقاد بأنهم مركز الكون وقادة الكتابة إلى سدرة المنتهى.
  • الجزائر كافية لاحتضان الجميع.
  •  أما الآن وقد مرت سنون على تلك الضجة فإني أطرح هذا التساؤل: ما الفائدة من محو رضا حوحو وبن هدوڤة والطاهر وطار؟ لقد خرجنا من معطف هذا أو ذاك، ثم كبرنا مختلفين، ليس إلا. ولا أحد منا، مهما كانت عبقريته، يستطيع إلغاء هؤلاء.
  • كانت هذه الفكرة المقرفة فكرة الإقصاء تتبوأ جدل المقاهي والجلسات الحميمية وما يشبه المقالات النقدية السوقية التي قامت بمركزة الرأي بالاعتماد على لوبيهات. أما النقد الجامعي فكان أكثر أكاديمية واتزانا. لم أندم على كلمة واحدة وردت في هذا الكتاب. ومازلت أؤمن بأن الفاعل مرفوع … إلى إشعار آخر.
  •  كنت عضو المكتب الوطني للجاحظية وأمينا عاما لها ورئيس تحرير مجلة القصة، ثم مدير تحرير مجلة التبيين، جالست وطار ورافقته في رحلات، كما كانت لك علاقة حميمة مع المرحوم، لكنك الوحيد الذي لم يكتب عن رحيل الطاهر وطار. لماذا؟
  • لم يحن الوقت بعد، هناك سياقات تستدعي التأمل والتبصر. كتبت مقالا واحدا في الجزائر نيوز، وقد لاحظ بعض القراء أنه عفوي. أشرت إلى بعض ما قاله لي وطار عن مذكراته الأخرى، ليست تلك التي نشرت. حدثني عنها في طريقنا من العاصمة إلى برج بوعريريج، ذهابا وإيابا، وفي تاكسانة التي زارها معي. كثيرا ما كنا نناقش الشأن الروائي، ولم نكن نتفق دائما في مسائل متعلقة بعلم الجمال وبتقنيات الكتابة والمسائل اللسانية والسياسية. لكن وطار كان ذكيا، وكان يستبق الأحداث بحكم علاقاته وتجربته. وكان فنانا حقيقيا، وكان أكبر منّي كثيرا في عدّة تجارب.
  • سأعود إلى المرحوم لاحقا، بطريقتي. التقيت بالسيدة الفاضلة، حرم عمي الطاهر، ووعدتها بذلك. وقد أكتب ما يشبه المذكرات عن حياتنا في الجاحظية، مع الجاحظين والمثقفين والمهتمين. سيكون ذلك صعبا، وقد أضحي ببعض التفاصيل. هناك أصدقاء يعرفون وطار جيدا، وقد يكتبون عنه بصدق. أتمنى أن يفعلوا ذلك في الوقت المناسب لأنهم يعرفون وطار أفضل منّي، كما قدّموا للجاحظية أكثر مما قدمته.
  • — بحكم قربك من المرحوم، ما رأيك في ما يتم تداوله إعلاميا حول تأييد وطار اغتيال الطاهر جاووت؟
  •   علينا أن نأخذ التصريح في مقامه، ولا داعي لتأويله حد الأسطرة. كان مكتب الجاحظية مكوّنا من توجهات مختلفة: الإسلاميون والشيوعيون والملحدون والبعثيون والمفرنسون والمعربون والأمازيغيون ومزدوجو اللغة. وكانت للطاهر وطار علاقة جيّدة مع هؤلاء، ومع أنه ظل محاصرا من بعضهم، كما يعلم الجميع، فلا أعتقد أبدا أنه كان يساند اغتيال أي كان. لم يكن يتفق مع بعض المفرنسين، كما ظل ينتقد فئة كبيرة من المعربين، لذا دخل في صراعات لا نهاية لها، ولا مبرر لها أحيانا من الناحية الاستراتيجية. كانت مبادئه هي التي تملي عليه تلك المواقف التي أدت إلى تشنجات كثيرة، لقد كان ذا قلب طيب، وكان يردد باستمرار: عمك الطاهر شاوي. ربّما جلب له عناده عدّة خصوم.
  • — برأيك، هل كان وطار يناصب العداء للفرانكفونيين؟ ولماذا؟
  •   من المفيد قلب السؤال: هل كان الفرانكفونيون يناصبون العداء لوطار؟ ولماذا؟ وهل كان وطار مشكلة بالنسبة لهؤلاء؟ ما أعرفه عنه أنه كان صديقا لمثقفين وكتاب لا يعرفون العربية، وكانت الجاحظية تستضيف مفرنسين وكتابا لا يحبون العربية والمعربين. لا أحد يجهل هذا، لكن وطار كان من الذين فكروا في تكريم محمد ديب، ولما التقيت بابنته لاحظت أنها تحمل فكرة سيئة جدا عن المعربين، ومن المفارقات أني حضرت جزءا من هذا التشويه المعلن وحاولت تصحيح الفكرة في ما يشبه ندوة أكاديمية من تلك الندوات المفرغة من البحث والموضوعية. لكن مثل هذه المواقف متواترة ومتطرفة أحيانا، ومتحاملة كثيرا.
  •   كان وطار لا يتفق مع بعض الذين يكتبون بالفرنسية ويعتقدون خطأ أنهم فرنسيون لا علاقة لهم بالجزائر، وكان يقول: الشامي شامي والبغدادي بغدادي. لقد كان أحد نواب الطاهر وطار مفرنسا، وكانت تجمعهما علاقة استثنائية. قد أعود إلى هذه القضية لاحقا، دون تحكيم ذرة واحدة من الذاتية، لقد كانت فئة كبيرة من الفرانكفونيين تحاصر وطار، وتفاقم الوضع في مطلع التسعينيات بعد روايات الشمعة والدهاليز، الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء، والولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي.
  • أذكر أنه هاتفني مرة، وإذ دخلت إلى مكتبه وجدته مريضا وقلقا، كان على حافة الانهيار، قال لي: “لقد ضمنت أعداء جددا بسبب مواقفي الأخيرة، يقولون إني أدافع عن الإسلامويين والجماعات المسلحة” لا أدري إن صرّح بهذا لشخص آخر. لابد أنه فعل ذلك لأنه كان يعيش حالة إحباط حقيقية، وكان يشعر بعزلة، كمواطن وكفنان، وقال لي: “الله غالب، عمك الطاهر ديمقراطي ووطني”.
  •  — بحكم قربك من وطار، أنت تعرف بعض الأسماء التي لم يكن وطار على وفاق معها، على الإطلاق، ولم يكن يستقبلها في مقر الجمعية، لكن بعد رحيل المرحوم، ادعت كثير من تلك الأسماء صداقته والقرب منه وراحت تكتب الأكاذيب، كيف قرأت الموقف؟
  •  قرأته مثلك لأنك تعرفين بعض تلك الأسماء، لكني كنت معجبا بهذا التسامح الرائع، ربما طبقوا مبدأ اذكروا موتاكم بخير، لست مع الأحقاد والضغينة، لكني لست مع الكذب المحلف. لا أقصد ها هنا من كانوا يختلفون مع وطار لأسباب كثيرة، وقد أكون واحدا منهم، إنما أقصد عينة لا تعرف مقرّ الجمعية. أضحكني بعض البكاء بطبيعة الحال، يبدو لي أن لكل واحد منّا أعذاره ومبرّراته الخرقاء.
  • — منذ فترة انسحبت كليا من الساحة واعتزلت التجمعات الثقافية، ألهذه الدرجة تعبت؟
  • لم أنسحب تماما، إنما فقدت الثقة، مررت بتجارب تعيسة وشحذني الألم، مثل هذا وذاك، أحلم بالرحيل إلى بلد ما، أو إلى مقبرة ما، الأمر سيان. لقد اكتشفت مع الوقت مع أية طينة تعاملت، الناس أقنعة، والذهاب إلى أعماق الذات شكل من أشكال الخلاص، كنت بحاجة إليّ، ومازلت.
  • — منذ مدة تبدو شديد الاهتمام بتراث مالك حداد، وتشتغل عليه، وحتى ترجمتك لإبداعه جاءت مختلفة عما سبقها من ترجمات، لماذا يشكل لك مالك حداد هاجسا؟
  • هذا الكاتب موهبة استثنائية في تاريخ الكتابة الجزائرية قاطبة، من أبوليوس إلى الآن. كان حظه سيئا معنا، لم يحدث أبدا أن قرأت نصوصا شاعرية بتلك الأناقة التي لا تضاهى، أشبهه بجبران خليل جبران، وأشبهه بصاحب الإخوة الأعداء من حيث القدرة على تطويع المتخيل، سردا وصورة.
  •  يعلم الشيطان كيف تم تحييده، إني أعتبر هذا الموقف لعنة مردها الكنود وانمحاء الفضيلة لدى البعض، سواء كانوا مبدعين أو نقادا أو سياسيين، من اليمين إلى اليسار، ومن المفرنسين إلى المعربين.
  • أعتبر مالك حداد هرما من أهرام الأدب، ولابد أن الأجيال القادمة ستكتشف قيمته الأدبية وتعيد إحياءه. يجب قراءة نصوصه لمعرفة تلك البهجة الغريبة التي تخلقها جمله وأخيلته ومواقفه.
  • — كناقد ما رأيك في من يرى أن الرواية الجزائرية ما زالت تعاني من عقدة الأبطال المثقفين وعدم انفتاحها على الطبقات الأخرى من المجتمع؟
  •   ربما لأن ما يسمى بالمثقف لم يستطع التخلص من بؤسه المادي والنفسي ليهتمّ بالآخر، هذا الكائن بحاجة إلى من يهتم به، ولأن الظروف التاريخية همشته وألحقت به مذلة خرافية فقد اهتم بنفسه. وهذا خيار، لا أحب الدخول في المسائل المفهومية التي تحدد المثقف وتموقعه ووظيفته، لكن الاهتمام بالأنا أمر مهم قبل الكتابة عن الآخر. هناك فرق واضح بين كتابة السبعينيات التي ركزت على الجماعة والنصوص الحالية التي ركزت على الذات، وحتى نفهم ذلك علينا قراءة السياقات التي أنتجت هذه المتغيرات.
  • كان منصوبا أم مرفوعا أم مجرورا. سأترك هذا للوقت. أؤكد في الختام أنّ الرواية بخير في السنين الأخيرة، وأتمنى لها مزيدا من الثقافة والفلسفة والوعي السردي
  •  

مقالات ذات صلة