الجزائر
في لقاء تكويني بالمعهد الوطني للصحة العمومية... مختصون يؤكدون:

الكوارث الأخيرة تستدعي رصد الصّدمات النفسية بين التلاميذ

وهيبة. س
  • 83
  • 0

إن آثار الكوارث قد تنتهي صدماتها النفسية عند البعض، لكن يمكن تبقى طويلا في ذاكرة الطفل، فبعض الحوادث كفقدان أحد أفراد الأسرة، تجارب قاسية يمكن أن تترك آثارا نفسية عميقة، خاصة لدى الأطفال الذين لا يمتلكون دائما القدرة على فهم ما حدث أو التعبير عن مشاعرهم.

وبعد الحوادث الكثير التي شهدتها العطلة الصيفية لعام 2026، وتزامنا مع الدخول المدرسي، نظم المعهد الوطني للصحة العمومية، يوما تكوينيا خصص لموضوع “الصدمات النفسية لدى الطفل والمراهق، مع التركيز على أهمية الرصد والمرافقة في الوسط المدرسي”، وذلك بحضور كل من ممثلة وزارة التربية، رئيسة الجمعية الوطنية للصحة المدرسية، إطارات من السلك الطبي، والسلك التربوي، والخبراء والمختصين في هذا المجال.

بوعمرة: ضرورة تعزيز كفاءات المهنيين في مجال الصحة النفسية للطفل

وقد سلط اليوم التكويني الضوء على مؤشرات الصدمة النفسية ووسائل تشخيصها، مع توضيح الدور المحوري للمؤسسة المدرسية وفرق الصحة المدرسية والمجتمع المدني في مرافقة التلاميذ المعرضين للأحداث الصادمة.

الحرائق وحوادث المرور صدمات قد تؤثر على الدراسة

وقالت الدكتورة راضية مزمار، طبيبة نفسية في طب الأطفال بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية أمحمد بوشنافة بالعاصمة، إن الطفل بعد الكارثة قد يبدو في الظاهر طبيعيا وبخير، لكنه قد يعيش داخليا حالة من الخوف والقلق المستمر، كما يمكن قد تظهر عليه الصدمة النفسية في أشكال مختلفة، مثل الكوابيس، اضطرابات النوم، التبول اللاإرادي، التعلق الشديد بالوالدين، الخوف من البقاء وحيدا، البكاء المتكرر أو نوبات الغضب.

وأكدت أن الطفل المصدوم مثلا من الحرائق أو الزلازل، أو حوادث صادمة أودت بأحد أفراد العائلة، يرفض الحديث عما عاشه، بينما يعبر أطفال مصدومون آخرون، عن تجربتهم من خلال اللعب أو الرسم أو تغير سلوكهم، لذلك لا ينبغي تفسير هذه التصرفات باعتبارها مجرد تمرد أو دلال أو سوء سلوك، فقد تكون وسيلة الطفل للتعبير عن ألم لا يستطيع وصفه بالكلمات.

مزمار: الشعور بالأمان بعد الكارثة يعتبر عنصرا أساسيا في نمو الطفل

وأفادت الدكتورة راضية مزمار، بأن الشعور بالأمان يعتبر عنصرا أساسيا في نمو الطفل، فعندما تقع كارثة، يمكن أن يهتز هذا الشعور بصورة مفاجئة، إذ أن الطفل الضحية الذي كان يرى منزله ومدرسته وأسرته مصادر طبيعية للأمان قد يجد نفسه فجأة أمام مشاهد الدمار أو الفقدان.

ويمكن يؤدي ذلك، بحسبها، إلى اعتقاد الطفل بأن الخطر يمكن أن يعود في أي لحظة، حتى بعد انتهاء الكارثة، ولهذا يمكن أن يشعر بالخوف عند سماع صوت مرتفع أو حدوث اهتزاز بسيط، أو يرفض العودة إلى المكان الذي شهد الحدث.

وأوضحت المتحدثة أن الصدمة النفسية لا تظهر بالطريقة نفسها لدى جميع الأطفال، فالطفل الأصغر سنا يمكن أن يعود إلى سلوكيات كان قد تجاوزها، مثل التعلق المفرط بالوالدين أو التبول اللاإرادي، في حين أن الأطفال الأكبر سنا يمكن أن تظهر لديهم مشاعر الحزن والغضب والذنب، أو صعوبات في التركيز والدراسة والتواصل مع الآخرين.

بوسكيّن: ذاكرة الطفل قد تحمل صورا ومشاهد مؤلمة لسنوات

وتطرقت في حديثها، إلى الصدمة النفسية التي تعرض لها بعض الأطفال في جيجل وبجاية وميلة وغيرها من مناطق غابية تعرضت للحرائق خلال هذه الصائفة، أين يمكن أن تتطور الأعراض لديهم إلى اضطرابات نفسية تحتاج إلى تقييم ومتابعة من متخصصين، خصوصا إذا استمرت لفترة طويلة أو أثرت بشكل واضح في حياة الطفل اليومية، وفي المسار الدراسي.

ضرورة توفير محيط مناسب للطفل “المصدوم”

وبحسب الدكتورة سليمة بوسكين، مختصة في علم النفس الأطفال ومحاضرة في جامعة الجزائر، فإن آثار الكوارث لا تقتصر على الخسائر المادية، إذ هناك أيضا ذاكرة الطفل التي قد تحمل صورا ومشاهد مؤلمة لسنوات، وبذلك، فإن الاهتمام بالصحة النفسية للأطفال بعد الكوارث يجب أن يكون جزءا أساسيا من عملية التعافي وإعادة بناء المجتمع.

فالطفل لا يحتاج فقط إلى سقف يحميه من التقلبات الجوية كالمطر والرياح، بل يحتاج أيضا إلى بيئة تعيد إليه شعوره بالأمان، وبينما يمكن إعادة بناء المنازل والطرقات، بحسبها، فإن ترميم آثار الصدمة النفسية يحتاج إلى وقت، وإصغاء، ودعم، وأحيانًا إلى تدخل متخصص، لأن الكارثة قد تنتهي عندما يزول الخطر، لكن بالنسبة إلى بعض الأطفال، قد تبدأ بعدها معركة أخرى نفسية.

تعزيز القدرات الوقائية والعلاجية

ومن جانبه، ومن خلال كلمته الافتتاحية، قال البروفيسور بوعمرة عبد الرزاق، المدير العام للمعهد الوطني للصحة العمومية، إن هذا اللقاء يندرج ضمن جهود المعهد الرامية إلى تعزيز كفاءات المهنيين في مجال صحة الطفل، والمراهق والصحة النفسية، مشيرا إلى أن هذا اللقاء جاء نتيجة لما يتعرض له الأطفال والمراهقون من أحداث وتجارب خلال مراحل نموهم، وهذه الإحداث بحسبه، تؤثر على توازنهم النفسي، وتزداد حدتها في ضوء بعض الأحداث المأساوية وحوادث المرور والحرائق التي شهدتها البلاد مؤخرا والتي خلفَت خسائر معتبرة، وهو ما يمكن أن يترك أثرا صادما على المسار الدراسي لبعض الأطفال ويغير سلوكياتهم ونظرتهم للمستقبل.

وشدد في السياق، على ضرورة تعزيز القدرات الوقائية والعلاجية، من خلال فهم طبيعة الصدمات النفسية، وطرق الكشف المبكر عن علامات الإنذار والدلائل الدالة على المعاناة النفسية داخل المؤسسات المدرسية.

وقد استعرض المشاركون في اليوم التكويني لمعهد الصحة العمومية، أهم الرهانات السريرية ومجالات التدخل، بحيث نظمت ورشات تطبيقية تناولت مقاربات المرافقة ودراسة أثر الصدمة في اللعب لدى الأطفال الضحايا، إذ تم في الأخير التأكيد على أهمية تبادل الخبرات وتضافر الجهود لحماية الصحة النفسية للناشئة وتوفير الدعم المناسب لهم في الوقت المناسب.

مقالات ذات صلة