الكيان الصهيوني يحاول “التملص” من مجزرة مستشفى “المعمداني”
يسعى الكيان الصهيوني للتنصل من جريمة قصف المستشفى “المعمداني الأهلي” في قطاع غزة، وإلقاء اللوم على صواريخ المقاومة، فما مدى قدرتها على إقناع العالم بهذه الرواية؟
كان جيش الاحتلال الصهيوني قد ارتكب مجزرة هي الأكثر وحشية منذ بدأت الحرب يوم 7 أكتوبر 2023، وربما تكون واحدة من أسوأ المجازر الصهيونية على الإطلاق، عندما تعرض المستشفى “الأهلي المعمداني” في قطاع غزة لقصف أوقع مئات الشهداء والمصابين.
أشرف القدرة، المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية، قال الأربعاء، إن المئات استشهدوا، مضيفاً أن عمال الإنقاذ ما زالوا ينتشلون الجثث من تحت الأنقاض، وفي الساعات الأولى بعد القصف الصهيوني مساء الثلاثاء، قدّرت مصادر وزارة الصحة عدد الشهداء بأكثر من 500.
كان رد الفعل الصهيوني في الدقائق الأولى لجريمة قصف المستشفى في غزة، وهي الجريمة التي هزت العالم، هو تبرير ما حدث بأنه “استهداف لمقاتلي حماس المتواجدين في المستشفى”.
وبعد أن تكشف مدى فداحة الجريمة وأعداد الضحايا من شهداء ومصابين، إضافة إلى أن الاعتراف الصهيوني بقصف المستشفى تحت مبرر وجود مقاومين من “حماس” فيه، هو اعتراف بارتكاب جريمة حرب لا يوجد أي مبرر لارتكابها بحسب القانون الدولي، بدأ التراجع عن هذا الاعتراف.
فقد خرج رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ليلقي بالمسؤولية على “حماس”، ثم خرج المتحدثون باسم جيش الاحتلال ليقولوا للعالم إن “حركة الجهاد الإسلامي” هي المسؤولة عن قصف المستشفى “المعمداني” بصاروخ سقط بالخطأ.
وطوال ساعات ليل الثلاثاء إلى الأربعاء، كانت مشاهد الضحايا والمباني المهدمة والجثث المتفحمة والأشلاء تثير الغضب العارم ضد جريمة الاحتلال الإسرائيلي البشعة، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط ولكن حول العالم، لتزداد وتيرة الأكاذيب الإسرائيلية للتنصل من المسؤولية والبحث عن مخرج سريع من المأزق.
فعلى المستوى السياسي، استنكرت جميع الهيئات والمنظمات الحقوقية والصحية حول العالم جريمة قصف المستشفى، حتى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، خرج عن صمته أخيراً وطالب بوقف إطلاق النار فوراً.
فقد عبّر غوتيريش، الأربعاء، عن “فزعه” لمقتل المئات في قصف المستشفى في غزة وندّد بقوة بما جرى، داعياً إلى “هدنة إنسانية فورية” وأطلق مناشدات “لتخفيف المعاناة الإنسانية المروعة”.
وحتى المستشار الألماني، أولاف شولتز، الذي توجّه إلى الكيان الصهيوني لإبداء الدعم المطلق لبلاده لدولة الاحتلال، في خضم القصف العشوائي للمدنيين في قطاع غزة والذي أسقط أكثر من 2800 شهيد قبل جريمة قصف المستشفى، عبر عن “فزعه” من صور الدمار والضحايا في المستشفى.
من اليابان إلى أمريكا اللاتينية، هبّ العالم مذعوراً من فداحة الجريمة التي ارتكبتها الصهاينة وقررت كولومبيا طرد السفير الصهيوني لديها رداً على جريمة قصف المستشفى، واندلعت مظاهرات عارمة في تركيا ودول عربية ومدن غربية مندّدة بالجريمة التي ربما من ضمن الأكثر بشاعة حول العالم، والتي وصفت بأنها “إبادة جماعية”.
وهكذا وجدت دولة الاحتلال نفسها في خضم عاصفة من الغضب تهدّد بفقدانها بعضاً من الدعم الأمريكي والغربي لما ترتكبه من استهداف للمدنيين في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر عندما أطلقت المقاومة الفلسطينية عملية عسكرية رداً على الجرائم المتكررة لجيش الاحتلال وشرطته ومستوطنيه في القدس والضفة الغربية المحتلين وقطاع غزة المحاصر.
زعم المتحدث باسم جيش الاحتلال في ندوة صحفية، الأربعاء، أن “التحقيق الذي أجراه الجيش خلُص إلى أن المستشفى في غزة تعرض للقصف بصاروخ أطلقته حركة الجهاد الإسلامي بطريق الخطأ”.
وقال المتحدث أيضاً: “أظهر تحقيقنا أن مرآب المستشفى هو الذي تعرض لاستهداف إسرائيلي”، وقال إن “جيشنا لا يستهدف المدنيين أبداً. إننا نرسل تحذيراً للمدنيين للابتعاد عن المناطق التي تمثل أهدافاً لضرباتنا”.
واستمر المتحدث باسم جيش الاحتلال في محاولة إقناع الحضور من الصحفيين، ومن ورائهم الرأي العام حول العالم، بأن الكيان الصهيوني لا تستهدف المدنيين وأنه “تم على الفور إجراء تحقيق شامل في أعقاب ظهور صور قصف المستشفى، وخلُصت استخباراتنا إلى أن هذا الدمار نتج عن صاروخ أطلقته حركة الجهاد الإسلامي وسقط بالخطأ فوق المستشفى”، وهي الادعاءات التي تأكّد عدم صحتها.
وادّعى المتحدث أنه “لا يرى أي دليل على ضربة مباشرة على المستشفى”، مضيفاً أنه “ليست هناك أضرار هيكلية في المباني المحيطة بالمستشفى “الأهلي المعمداني” ولا توجد حفر كتلك التي تحدثها الغارات الجوية”. واتهم المتحدث أيضاً حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بتضخيم عدد الشهداء جراء الانفجار، قائلاً إنها “لا تستطيع معرفة سبب الانفجار بالسرعة التي أعلنته به”.
وكان السؤال الأول الذي تم توجيهه إلى المتحدث باسم جيش الاحتلال يتعلق بالتشابه اللافت بين رد الفعل الصهيوني على قصف المستشفى وبين رد الفعل على جريمة اغتيال مراسلة قناة “الجزيرة”، الراحلة شيرين أبو عاقلة، حين اتهمت دولة الاحتلال فصائل المقاومة الفلسطينية في جنين بإطلاق الرصاصة القاتلة، قبل أن تعترف لاحقاً بأن الرصاصة القاتلة من جيشها.
والآن ومع التحول اللافت في الرأي العام العالمي، وحتى الغربي، في أعقاب مجزرة المستشفى، وتعالي الأصوات المطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار، تسعى دولة الاحتلال لتوظيف آلتها الدعائية الإعلامية والسياسية للعمل بأقصى طاقة ممكنة لمحاولة التنصل من الجريمة وإقناع العالم بأنها “لا تستهدف المدنيين أبداً”، لكن المؤشرات كلها تقول إنها لن تنجح هذه المرة.