الرأي

الكيميا تحت سكة المحراث

من أنجح التجارب في تاريخ أمتنا الحديث، تجربة الحركة السنوسية التي أسسها العالم العامل الإمام محمد بن علي السنوسي (ت 1859) الذي جمع بين العلم، والإيمان، والعمل، والجهاد.

لقد أدرك الاستعمار الأوروبي أهمية هذه الحركة الطيبة المباركة، فحاصرها حصارا شديدا، إذ جاءها من فوقها (إيطاليا) ومن شرقها (إنجلترا) ومن غربها، ومن أسفل منها (فرنسا).

ولد الشيخ محمد بن علي في نواحي مستغانم، وتعلم فيها، وفي مازونة، ومعسكر، ثم فاس، ومن أشهر من أخذ عنهم العلم الشيخ بلڤندوز الذي تأثر به كثيرا، وقد قتله باي وهران، والعالم الثاني الذي تأثر به، هو أبو راس الناصر المعسكري، الذي كان موسوعة فقهية حتى  سميت بيته “دار المذاهب الأربعة”، دون أن ننسى عمته التي كانت من الفضليات ذات علم وفضل، بعدما أنهى تعلمه في فاس، حاول السلطان المغربي مولاي سليمان تقريبه إليه، فلم ترتح نفسه لذلك، فغادر فاس راجعا إلى الجزائر، فصادفته مشكلات عائلية، فجاس خلال البلدان، فلم يعرف قدره، ولم يستفد من علمه، فغادر الجزائر إلى الحجاز مارا على ليبيا والقاهرة..

التقى الشيخ محمد بن علي السنوسي بأهم شخصية تأثر بها، هي شخصية أحمد بن إدريس الفاسي في مكة، ولازمه في حله وترحاله حتى توفاه الله.

هنا برزت شخصية الشيخ السنوسي المستقلة، ورأى أن أهم مؤسسة يعتمد عليها في مشروعه لإصلاح المجمتع الإسلامي، هي مؤسسة الزاوية، بعد أن يخرجها من الوضع السلبي الذي كانت عليه… وإخراجها لا يتم في رأيه إلا بالعلم والعمل، وتحولت الزاوية في المشروع السنوسي من مؤسسة تنتظر ما يجود به الناس عليها إلى مؤسسة تجود على غيرها، حتى قيل إن السنوسية لا تقبل في صفوفها المتسولين.. وصارت كل زاوية عبارة عن ضيعة كبيرة، وورشة لمختلف الحرف.. وقد كان الشيخ نفسه يعمل في الفلاحة، إضافة إلى التدريب العسكري، لأنه أدرك أغراض الدول الأوروبية في غزو الأراضي الإسلامية.

ما تميزت وامتازت به هذه الحركة تسامحها الكبير، فلم تعاد مسلما ـ فردا أو جماعة أو حركة ـ وقد عرف عن الشيخ تفتحه على المذاهب الإسلامية .. ولم تسحر أعين الناس ولم تسترهبم بالخرافات .. ونسب إلى الشيخ أن طلبته طلبوا منه تعليمهم “الكيمياء” لاستخراج بعض المعادن، فكان يجيبهم: “الكيمياء تحت سكة المحراث”. وقد تصدى لذالك الجسوس  الفرنسي “ليون روش” في الطائف، الذي قد وجد مساعدة من بعض الزوايا. وقد أبلت الحركة السنوسية بلاء حسنا في جهاد الطليان خاصة، وأهم رموزها المجاهد عمر المختار وأحمد الشريف

السنوسي. وقد ترك الشيخ محمد بن علي مجموعة طيبة من الكتب.

مقالات ذات صلة