اللاعب والطبيب… والقيل والقال
تقول تقارير فرنسية رسمية، إن عدد الأطباء الجزائريين في كل الاختصاصات، الذين يداوون مرضى فرنسا، لا يقل عن عشرة آلاف طبيب، منهم كفاءات يمثلون فرنسا في المؤتمرات العالمية الكبرى، ويساهمون في اختراعات صحية لصالح المخابر الفرنسية، وغالبيتهم من خريجي كليات الطب الجزائرية من قسنطينة إلى وهران، ومنهم كثيرون لا يمتلكون غير الجنسية الجزائرية، تركوا البلاد لأسباب علمية واجتماعية، وربما من دون أسباب، وامتهنوا تطبيب مرضى فرنسا، وتمثيل أيضا فرنسا في ملتقيات طب وعلوم الأحياء، التي تقام في مختلف القارات، وتقدم دائما فرنسا، على أنها واحدة من أقطاب الطب العالمي.
وتقول الإحصاءات التي يعرفها الجزائريون جميعا، إن عدد لاعبي الكرة من أصول جزائرية الذين مثلوا هذا البلد، لا يزيدون عن العشرة، منهم من لعب من دون تأثير، ومنهم من منح فرنسا لقبا أوربيا وعالميا، وانتزع لأجلها الكأس انتزاعا، ومع ذلك يرفض بعض الناس، لعب رياضي جزائري لصالح منتخب فرنسا، ويصمتون اتجاه أطباء وأدمغة تستفيد منهم فرنسا وغيرها، من دون مقابل.
والفظيع، أن فرنسا تهز الدنيا ولا تقعدها، عندما يضيع منها لاعب كرة قدم، بحجة أنها كوّنته وسهرت على نضجه، وفي الحقيقة، والداه هما من دفعا ثمن تكوينه في مدارس الكرة الفرنسية المشهود لها صراحة بالجودة، ولا يهمها أن تستنزف ذكاء وخبرة وعطاء طبيب أو مهندس أو عالم جزائري أو حتى فلاح أو عامل بسيط، صرفت على تكوينه وتدريسه، الجزائر من حرّ أموالها وعرق مؤطّريها.
يقوم بعض رؤساء أمريكا وأوربا وحتى فرنسا، في بعض الأحيان بتكريم بعض الأدمغة الجزائرية من الجنسين، ويتهاطل عليهم الثناء والشكر نظير إطفاء شموع حياتهم في خدمة هذه البلاد أو تلك، ويشعر الجزائريون بالفخر ويتبادلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي صور التكريم والسير الذاتية المكتنزة بالاختراعات والابتكارات، بينما يرفضون أن يشاهدوا لاعب كرة من أصول جزائرية يرتدي قميص منتخب آخر، حتى وإن كان من أب إيطالي مثل ريان شرقي أو أم برتغالية مثل ريان مسلوب.
القيل والقال ازداد حدّة في الأيام الأخيرة، بعد أن مُنحت قيادة المنتخب الجزائري للاعب الدولي السابق إبراهيم حمداني، حيث ظهرت فيديوهات قديمة تتحدث عن رفضه اللعب لمنتخب الجزائر، وانتظاره الدعوة من منتخب فرنسا، ووصل الأمر أن طرح عليه أحد الصحافيين خلال ندوة الإعلان عن التشكيلة التي سيبدأ بها مشواره كناخب وطني، مذكرا إياه برفض دعوة الخضر، واستحالة أن يُقنع مزدوجي الجنسية، بما لم يقتنع به هو، ذات مواسم تألقه كلاعب في أوربا.
الهجرة هي حركة السكان من وطنهم وبيئتهم إلى أوطان أخرى، بحثا عن حياة أفضل، وتنتهي هذه الحركة بأبناء وأحفاد، يجدون أنفسهم في وضعيات مختلفة وأحيانا معقدة، وتبذل الجزائر في السنوات الأخيرة جهدا مضاعفا لاحتواء كل أبناء الوطن في الخارج، ولعل تأسيس المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، لأجل إدماج الأدمغة والخبرات الجزائرية بالخارج في مسار التنمية الوطنية هو إجابة يجب أن تُنهي نهائيا هذا القيل والقال عن أبناء الوطن مهما كانت خياراتهم.