اللغة العربية في الدراما المدبلجة مسؤولية يتحمّلها المترجم
قال الممثل الأردني، عبد الكريم القواسمي، في حوار مع “الشروق”، إن أداءه لدور والي مصر في مسلسل “دليلة والزئبق” سنة 1976، كان الانطلاقة التي سمحت له بتولي أدوار أخرى في مسلسلات ناطقة بالفصحى، فاللغة العربية بالنسبة له هي رسالة تجد في التلفزيون وسيلة أكثر تأثيرا من الراوي أو القاص، لكن شريطة أن تسرب بلهجة خفيفة ولطيفة، ويعتبر القواسمي الدبلجة إلى اللغة العربية مهمة صعبة يتحمّلها المترجم، لتفادي رسائل سلبية قد يحتويها الفيلم أو المسلسل الأصلي، خاصة إذا كان ذلك موجها للأطفال.
“الشروق”: ينتمي عبد الكريم القواسمي إلى الرعيل الأول من الممثلين الذين عرفوا بالدراما الأردنية وبمسلسلات تلفزيونية ناطقة بالفصحى، في البداية، كيف ترى دور اللغة العربية في المسلسلات، سواء العربية أو المدبلجة؟
عبد الكريم القواسمي: للغة العربية دور مهم وأساسي، فهي ليست فقط وسيلة للتواصل، بل تحمل في طياتها ثقافة وهوية، وعندما نقدّم أعمالا باللغة العربية الفصحى أو حتى باللهجات المحلية، نحن نقرّب المشاهد من القصة ونمنحه شعورا بالانتماء.
لقد كشفت لي تجربتي في الفن لمدة نصف قرن، أن استخدام اللهجة المحلية في الدراما الأردنية، أضفى الواقعية والصدق على الأحداث والشخصيات، حتى أضحت الأردن في الثمانينات والتسعينيات أرضا خصبة للدراما العربية، فالكاتب كان يغرف من الواقع، ويعبّر عن مشاعر الشعب ويلامس همومه ومشاكله، وكما أدت اللهجة دورا محوريا في تقرير واقعية الأعمال الدرامية، فإن للغة العربية دورها المهم في الأفلام التاريخية والدينية، ولكن نريد أن نسربها إلى أذن المستمع بلهجة لطيفة وخفيفة ونبتعد عن الكلمات المقعرة والمعاني الغائرة.
ووصيتي للكتاب وكتاب السيناريو بصفة خاصة، أن يكتبوا ما يناسب المجتمع مع الابتعاد عن الكلمات الغائرة والمندثرة، والمعاني السطحية أو المجهولة، حتى تسمع اللغة العربية بسلاسة، وتكون الرسالة التي ننقلها من خلال التمثيل بالفصحى عبر التلفزيون الذي حلّ محل القاص أو الراوي.
برأيك، هل الجمهور يفضّل المحتوى العربي الأصلي أم المدبلج من لغات أجنبية؟
لا يمكن أن نؤكد أن هناك تفضيل لمحتوى عن الآخر، فذلك يكون في الغالب حسب ذوق الجمهور، ولكن دعونا نقول إن احتياجات ورغبات المشاهد للدراما المدبلجة أو ذات المحتوى الأصلي، يتوقف أحيانا على جودة المضمون وأداء الممثلين، فالتمثيل ليس بهرجة وترف بينما هو عمل يحاكي الواقع ويحترم ذكاء الجمهور والوقت الذي يقضيه في الفرجة، وعمق المحتوى وملامسة للوجدان والعقل وهذا هو العمل الناجح.
والفنان المتميز هو الذي ينقل صورة المجتمع ويلمس قضايا الناس وينقل مشاكل الناس، ولأن الدراما لا تمثل الواقع بل هي جزء منه لاعتمادها على قاعدة العزل والاختيار، يمكن للمشاهد العربي أن يجد ما يعبّر عن حياته في مسلسلات أجنبية مدبلجة.
وإذا كان من الجمهور العربي من يفضّل المحتوى الأصلي الناطق باللغة الفصحى، فإن ذلك يعود إلى شغفه وإعجابه بأصوات وأداء عربي خالص، وأعتقد أن الدراما الأردنية سنوات الثمانينيات والتسعينيات، قدّمت أعمالا ناجحة يشهد لها التاريخ، عندما بدأت التمثيل، كنت مع عدد قليل من نجوم الفن الأردني، إلا أن أهدافا كانت واضحة أمامنا، كنا نسعى لما هو واقعي وما يربطنا بالجمهور والهوية الثقافية، فالدراما الأردنية تناولت قصصا واقعية حدثت في الأردن، ولي الشرف كوني مثلت في عدد من المسلسلات الناطقة باللغة العربية، بعد أن كانت انطلاقتي الأولى مع المسلسل الناطق بالفصحى “دليلة والزئبق” في دور والي مصر.
وهل ترى أن الدبلجة إلى اللغة العربية تساهم في تعزيز مكانة اللغة؟
إن الدراما أصبحت جزءا هاما بالنسبة للجمهور العربي، وارتباطها بليالي رمضان، وباعتبارها غذاء روحيا من خلال تفريغ شحن بعض الأزمات والمآسي التي نعرفها اليوم، إلى درجة باتت كوسيلة للتعبير عن الواقع، فإن التأثير الذي ينزل إلى رغبات الجمهور يمكن أن يوظّف اللغة العربية في دبلجة الدراما الأجنبية، بلغة سليمة بهدف تعزيز حب الجمهور لهذه اللغة، وخاصة عند الأجيال الجديدة، والمساهمة في توسيع نطاق استعمال اللغة العربية في مجال الفن والسينما.
وإنني أدعو إلى استكشاف آفاق إبداعية جديدة لحضور اللغة الفصحى في الدراما العربية أو المدبلجة، باعتبارها الإنتاج الإبداعي الأكثر حضورا والأقرب للجمهور في المنطقة العربية والعالم، فالدراما ومسلسلات الكارتون، أحدث الطرق التي تقرب الأجيال الجديدة من اللغة العربية وإنتاج أعمال درامية تعرّفها بتاريخها وشعرائها وكبار علمائها.
كيف ترون الفرق بين الأعمال المدبلجة باللغة العربية الفصحى مقارنة باللهجات؟
أنا تخصصي أدب عربي، ولذلك، أنا أتذوق الكلمة وأتذوق اللهجة مهما كانت، لذلك أحللها وأعرف معناها، ومن هنا، ليس المهم أن تلفظ الكلمة ولكن المهم أن نلفظها بحنجرة صاحبها، لذلك، هناك مقياس هو أنه لو حصل عربي على دكتوراه في الأدب الإنجليزي، لا يمكن أن يمنحوه إجازة تدريس الإنجليزي لأن حنجرته ليست إنجليزية.. هناك حنجرة عربية وفرنسية وإنجليزية.. عندما أتكلم باللهجة البدوية، أتكلم بحنجرة بدوية، فاللهجة تضفي طابعا حميميا وأقرب للمشاهد، خاصة إذا كان المحتوى أصلي وغير مدبلج، لكن قد يكون غير مؤثر إلى هذه الدرجة في بلدان عربية تختلف لهجتها عن اللهجة التي دبلج بها، ويمكن أن تعيق اللهجة فهم رسالة مضمون الدراما، وتتبّع أحداثها بدقة، خاصة إذا كان لهجة غير مفهومة.
وفي رأيي، فإن الفصحى تعطي طابعا رسميا ومناسبا للأعمال التاريخية أو ذات الطابع العالمي، أما اللهجات، فيمكن أن نجدها مناسبة خاصة في الأعمال الاجتماعية أو الكوميدية، غير أنه اليوم، للأسف، نلاحظ أن اللهجات العامية باتت تشكّل مشكلة حقيقية للغة العربية، في ظل دبلجة المسلسلات التركية، والهندية والصينية وغيرها إلى العامية والتي قد لا يفهمها باقي الجمهور المتواجد في البلدان العربية.. الأخطر من ذلك، هو اعتماد اللهجة حتى في المسلسلات التاريخية والدينية سواء المدبلجة أو الأصلية.
وإن اختلاف البيئات العربية تجعل من دبلحة الدراما بلهجة معينة، لا تصل إلى تصور مطابق، وبالتالي، يحدث انقطاع في الفهم والتفاهم ويؤدي ذلك إلى التأثر في الذوق والتقبل، والمطلب الأساسي أن تكون لغة الدراما المدبلجة مفهومة في كل بقاع العالم العربي، ولو بتبسيط اللهجة وتقريبها من اللغة العربية.
إذا، ما هي أبرز التحدّيات في دبلجة المسلسلات إلى العربية؟
إن الدبلجة تعتمد على المترجم، فهناك مترجم جاف ومترجم الكلمة نفسها، وهناك مترجم يترجم بروح الكلمة، وبالتالي، ترجمة القرآن ليست قرآنا، فالذي يترجم عملا للأطفال يجب أن يراعي ثقافة الطفل، ومن يترجم للكبار يجب أن يراعي ثقافة المتلقي.. إن هناك مسؤولية تحمّل المدبلج مراعاة هذه الثقافة، ولا شك أن هناك جمهور واسع يتابع المسلسلات المدبلجة، خاصة إذا كانت الدبلجة احترافية، فهي تتيح للجمهور فهم محتوى لم يكن ليتمكّن من متابعته بلغته الأصلية.
وإذا تحدثنا مثلا عن المسلسلات التركية المدبلجة إلى اللغة العربية، فإننا نشير إلى أن هناك كلمات خاصة بأصحاب هذه المضامين الفنية الأصلية، التي يمكن أن تحمل مدلولا سلبيا، وهنا يصبح على المترجم أن لا يترجمها كما هي.
والتحدّي الأكبر هو نقل المعنى والمشاعر بدقة، فليس من السهل أن تترجم ثقافة كاملة إلى لغة أخرى، خصوصا إذا كانت العبارات مرتبطة بسياق ثقافي مختلف، كذلك الحفاظ على جمالية اللغة وصوت الشخصية الأصلي، تحدّ ليس من السهل تحقيقه في جميع الأحوال.
وعلى العموم، هناك إيجابيات وسلبيات للمسلسلات والدراما الأجنبية المدبلجة باللغة العربية، ما يجعلنا نطرح سؤالا وهو هل هذه الأعمال الفنية تساهم في نشر العربية أم أنها تخدم ثقافة الآخر؟.. لا يمكننا أن ننكر أن تركيا حققت نجاحا سياحيا من خلال إنتاجها الدرامي المدبلج، الأعمال الفنية هي أعمال اقتصادية بالدرجة الأولى.
وبالعودة إلى المسلسلات ذات الطابع العربي التاريخي والديني، هل الأخطاء اللغوية تسيء إلى الأعمال وإلى الفصحى على بساطتها؟
إن اللغة العربية لها دور مهم جدا في الأفلام التاريخية والدينية، فلا يمكن أن نتجاوز قواعد النحو والصرف، ونقرب اللغة إلى العامية، لان ذلك يسئ إلى هذه اللغة وإلى السياق التاريخي في نفس الوقت، والدراما التاريخية كوصف تاريخي يشمل في بعض الأحيان أعمالا دينية تعرض سيرة الصحابة والقادة الإسلاميين، وبلغة ركيكة قد تهدّد القيم اللغوية والتاريخية في ذهن المتلقي، والجمهور المتتبّع لهذا النوع الدرامي.
ولكن هناك أخطاء مقبولة وأخطاء غير مقبولة، فإذا سألني مدقق لغوي عن الأخطاء، بطبيعة الحال أخبره أن هناك خطأ شائع أفضل من صواب مندثر، فعندما أن أقول اشتريت تلفاز الكل يفهمني ولكن عندما أقول اشتريت رائي من يفهمني؟.. المهم أن اللغة هي لغة تواصل، ويجب أن تراعي المستقبل بثقافته أو بصنعه أو بجماليات اللغة.
والمخاوف موجودة من إحداث تأثيرات سلبية حقيقية في مسلسلات تاريخية دينية، من خلال تغيير مفاهيم إيجابية لمثل هذه الأعمال، التي قد تتجاوز أخطاء اللغة العربية من مجرد دراما ربحية.
في الأخير، ما هو جديد عبد الكريم القواسمي بعد مسيرة فنية تجاوزت نصف قرن؟
قبل خمسة أشهر، شاركت في سلسلة “سيوف العرب”، وهي تعرض الآن على إحدى القنوات العربية، وهي سلسلة أعتقد أنها مشوّقة، فكل حلقة تعرّف بسيف من سيوف العرب، وتطوّر السيوف في التاريخ الإسلامي، كسيف خالد بن الوليد وسيف علي بن أبي طالب، وكيف كان تطوره في العصر الأموي والعباسي، والفتح الأندلسي.
ونحن الآن بصدد التحضير لسلسلة حول الخيول العربية، وسيكون مضمونها شيقا، يسلط الضوء على مراحل تاريخية، وحقبات لعب فيها الخيل العربي الأصيل دورا مهما في بعض الأحداث.. الفن عمل متجدّد وكل دور بمثابة محطة فنية، وإنني أتأسف اليوم لافتقارنا إلى أعمال الدراما الموجهة للأطفال، فهم مظلومون، ويجب أن نفكر في هذا الجانب كممثلين عرب.