منوعات
قراءة في رواية "كاماراد" للزيواني

اللوحة المكانية المتحركة

الشروق أونلاين
  • 3087
  • 0
ح.م
رواية كاماراد

تتكئ الروايةُ – على مدار سيرورتها نحو آفاق المتلقي، وصيرورةِ أحداثها من مكان إلى آخر، ومن حال إلى أخرى- تتكئ على مقولةٍ، وسؤالٍ وجودي ظلت الذاتُ الكامارادية– ذاتُ البطل مامادو–تتأرجح بين عمق مدلولها، وقسوةِ وقعها، ولا محدوديةِ فلسفتها، ذاك السؤال المكاني الرهيب الذي انساقت إليه معظم مقولات النص الفنية والتيمية، حيث تسكن الحيرةُ الوجودية المكانية ذهنَ الكامارادي كلّ لحظة، فتتردد المقولةُ/السؤالُ مراتٍ عديدةً في النص الروائي حيث يتساءل متعجبا: (الرجوع ليس سهلا !! الوصول للفردوس ليس سهلا !! البقاء هنا ليس سهلا !!) (1)، هذا السؤال الوجودي الذي انتاب البطل “الحراق النيجيري” في محطات مكانية عديدة ومعابرَ جغرافية انطلاقا من أقصى جنوب الجزائر، إلى تمنراست، فأدرار، ثم تلمسان، فالمغرب وهكذا، وبكل ما حملته الأمكنة من رموز، دلالات ومقولات مختلفة انطبعت في ذات “مامادو” التي امتزجت فيها أهواء متعددة، متناقضة، متحاورة، كالحب، الكره، الشوق، الحنين، الألم، الأمل، الذاكرة والحلم، وهو ما جعل الأماكن طيلة الرحلة الصحراوية صوب الشمال ذات سلطة قاهرة، مانحة، مانعة، أتقن الروائي بث مقولاتها والكشف عن مواقع قوة سلطانها، على مكوّنات السرد الروائي الأخرى، حين ساير عنصرُ الزمن الانتقالاتِ المكانية للبطل، وانطبع البطل ومرافقوه “الكاماراديون” بألوان المكان وتداعياته المختلفة.

 

مكانية العتبات: الخطاب المكاني الموازي

 يحضر “المكان” منذ البداية، حين يتمظهر في غلاف الرواية؛ سواء في الصور المرافقة كنصوص موازية أو في عنوان الرواية ذاته، والعنوان الفرعي، وكذا العناوين الداخلية.

جاءت صورة الغلاف كشافةً سرَّ الرواية منذ البداية، حمالةَ أوجه للتأويل، رامزة لمقولات الناص وكائناته المتوارية في المتن، فنلمح في صورة الغلاف عددا من الأشخاص الكاماراديين يتابعون سيرا على الأقدام محملين بأمتعتهم يشقون أطراف الصحراء القاحلة/ الصفراء/ اليباب تواليا، وهذا السير إنما هو انتقال مكاني بامتياز، يغادرون مكانا، قاصدين مكانا آخر، فالرحلة عادة تستدعي الأمكنة، كما أن صورة الغلاف تحمل شواهد قبور بقفار الصحراء دلالة على الموت، وقسوة الصحراء كمكان لا يمنح عادة إلا الفناءَ والضياع، لكنّ مساحة هذه الشواهد تحتوي زرقة البحر، وهو ما يبين أن هذه الرحلة “الكامارادية” تمنح الموت ملفوفا بأحلام الحياة الفردوسية هنالك ما وراء البحر، كمكان مرغوب فيه، وبهذا المدّ المكاني الرهيب الذي حملته صورة الغلاف يضعنا الروائي في مصاف المنتقلين مكانيا مع أول عتبة نصية نواجهها كقراء.

إن العنوان -كعتبة نصية- ذو أهمية بالغة في إنتاج دلالات جديدة، وتوجيه القارئ، وبمختلف وظائفه الإغرائية والتأثيرية والجمالية، و”تأتي أهمية الوقوف على العنوان من كونه أوّلَ ما يصادفه المتلقي في طريقه إلى عالم النص، وأول عتبة يجتازها وهو يعبر إلى الغايات النصية”(2) العميقة والمثيرة والمنغلقة على ذاتها، إلى أن يقاربها المتلقي بأدواته القرائية، لأن العنوان “يشكل مفتاحا جماليا للنص (و) بعضا من استغلاقه”(3)، من حيث كشف مستوره وفضح مقاصده وجلاء غموضه.

لقد كان لعنوان الرواية “كاماراد” إشارات عميقة، تشظت عموديا بمحمولاتها العميقة التي تسربت إلى طبقات النص الكثيرة حتى نواتها الدلالية الملتهبة، وتشظت أفقيا، حين ظلت الإشارات “الكامارادية” تتوزع على فصول الرواية أحداثا، شخصيات، وأماكن كثيرة.

إن “كاماراد” وهو عنوان النص، هو صفة ترتبط بمكان وليست تحمل دلالة بعيدة عن هذا الارتباط، فـ”الكاماراد” يعني الرفيق ساعة الانطلاق في رحلة الحرقة نحو الشمال، ويقول مامادو–بطل الرواية عن هذا: «هي صفات نكاد نشترك فيها جميعا نحن أفارقة جنوب الصحراء الكبرى، الذين تلتحق بنا صفة الرفيق (كاماراد) بمجرد دخولنا إلى أول نقطة حدودية للجارة الشمالية، ننعت بها ونسر بلبسها والتطيب بذكرها».

وردت العناوين الداخلية جميعها حاملة لدلالات مكانية صريحة، تناوبت على تصوير الانتقال “الكامارادي” من الجنوب إلى الشمال، من الواقع المزري إلى آفاق حالمة، كما جاء في “رسالة مهاجر إفريقي غريق تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي”(5)، ومن خلال هذا العنوان الداخلي الأول تتضح معالم المكانية من خلال لفظة “الرسالة” الدالة على الانتقال من مرسل بمكان إلى مرسل إليه بمكان آخر، كما أن كلمة “مهاجر” تستدعي المكانية، من حيث الهجرةُ من مكان إلى آخر، وهذه الرسالة والهجرة تستدعيان مكانا آخر افتراضيا هو الوسائط التواصلية المعاصرة. هذه “المكانية” التي توشحت بها بقية العناوين/الفواصل الداخلية على هذا النحو والترتيب:

«gـ يثار الصدفة»(6)، حيث “القيثار” منطلق الألحان مكانيا ولها منتهى وموصل أخير، أما “الصدفة” فلقاء المخرج “جاك بلوز” بعامل الفندق الذي يسكن مع “مامادو” في نفس الحي، ليكون العنوان الداخلي الثالث «في القبر»(7) رامزا للعاصمة نيامي ببؤسها، واقعها المعيش المزري، وللفقر والتلوث والطبقية واستحالة الحياة، أما «البعث» وهو أحد العناوين فذو دلالة مكانية من حيث إن البعث مرحلة تستدعي مرحلة وسطى بين القبر والقيامة/الفردوس المنشود عند “الكاماراديين”.

يلاحظ أن العناوين الداخلية قد دلّت على أماكن حقيقية معروفة من تراب الجزائر ومنها: عين قزام، تمنراست، أدرار، تلمسان (مغنية)، وإشارة إلى أماكن أخرى تدرك من خلال المتن وهي مدينة وجدة المغربية، ويأتي هذا الاستحضار المكاني ذو الطابع الديني تدقيقا للدلالة، ومنطلقا للتصوير الروائي ومنه: النفخ في الصور، المحشر، على الصراط، سدرة المنتهى، الفردوس، وهو ما يجعلنا ندرك أن الروائي استحضر الأماكن بإشاراتها الجغرافية والدينية ليثبت أن المكان سيظل ذا محمولات وإشارات مهاجرة عابرة لآفاق القراءة وجغرافيا التأويل.

بعيدا عن سلطة المكان على العناوين، فإنّ للمكان حضورا آخر على مستوى الاستهلال الغيري الذي أورده الروائي في بداية نصه متمثلا في أغنية شهيرة للشاب خالد التي يقول في أحدى مقاطعها:

« المستقبل مسدودْ..الحوت ولا الدُّودْ»

 فإذا كان السطر الأول من هذا المقطع ذا إشارات زمانية تتعلق بالزمان/ المستقبل/ الاستشراف، فإن السطر الثاني أشار إلى بعد مكاني ممثلا في لفظتين، الأول هي “الحوت” والدالة على “البحر” وهو في منطق “الكاماراديين” معبر إلى الفردوس المنشود وهو مكان مرغوب في هذه الأغنية، وفي منطق “الحراقة” لأنه جسر إلى النعيم، أما لفظة “الدود” فتدل على البر/الصحراء، الموطن الأصلي لهؤلاء الأفارقة، الذين يفضلون الموت في قوارب المغامرة على الموت في أوطانهم البائسة، الموت واحد وتعددت أساليبه بين حوت البحار.. ودود القفار.

مقالات ذات صلة