الجزائر

الليلة الأولى في الحراش

الشروق أونلاين
  • 1887
  • 0

مع كثرة الأحداث وتداخلها، مع المستجدات القضائية، وجدت نفسي لا أقوى على الفهم لتشابك الخيوط في مخي، مما دفعني إلى البحث عن مهدئ أعصاب طبيعي: رايب حامض.. أو بالأحرى حليب راب/راب.

نمت لأجد نفسي وسط جماعة الدفعة الأولى من الأوليغارشية في الحراش. كنت ثامنهم.. أي كلبهم. أدخلت بتهمة كاذبة لا أساس لها من الكذب. اتهمت بتبديد أموال عامة في مصالح خاصة. وأنا بريء من تهمة تبديد المال الخاص، على العكس، بذلت جهدا كبيرا في حلب المال العام وتحويله إلى قطاع خاص ضمن سياسية الخوصصة تطبيقا للآية الكريمة “يؤثرون على أنفسهم ولا كان بهم خصاصة”.

سألني أول نزيل الذي كان هو “شاف العنبر”: جابوك؟ قلت له: وعلاه أنت جيت بخاطرك؟ أنت هو اللي جابوك هارب من الحدود، أما أنا فجابوني هارب من السينا.. أنا في الحقيقة لم أهرب، أنا أكثر من مجاهد، المجاهد لا يهرب، أنا شهيد.

طبعا ضحك الجميع، وبتنا تلك الليلة بلا عشاء طبقا لما قاله عنترة بن شداد “وأبيت على الطوى حتى أنال به كريم المأكل”. تذكرت ميركل في كلمة المأكل. إيييه.. ماذا كنت آكل.. يا حسراه..واليوم “الطاوة” فيها صوبا عدس بالقرللو وزق الفار. قالوا لنا هذا “menu” نتاع الضيوف الكرام. أيوا؟ وغير الضيوف اللئام ..ماذا تقدمون لهم؟ قالوا لنا: ضيوف الشعب العاديين الذي أدخلوا بسبب إهانة موظف في عمله أو الضرب أو عدم دفع الغرامة والضرائب، هؤلاء نعطيهم اللحم والكروفيت روايال يوميا. أما أنتم أيها الكرام البررة فاليوم عدس وغدا حمص..وبعده “السانك سانك” بالماء والزغاريد.. والشربة بالماء نتاع الزيقو. رفضنا الأكل ثلاثة أيام، إلى أن أرغمنا على أكل شربة بالحليب أكثر ماء بلا ملح وبلا ملاحق. تدابزنا عليه. أحد النزلاء الذي عاش في سيوسرا صغيرا، نسميه “بتي سويس”، لما قدموا لنا العدس، لم يعرفه. قال لنا: واش هو هذا؟ قال له الشيخ اللي يحب اللبن كي راب/ راب: كول ولدي كول..هذا كافيار؟.هههه…أنا قلت له: واقيلا عندك ليسطوما نيمريك..كتبت لك “Error”..لما ذقته؟ جامي دخل في كرشك؟ ههه.

اليوم الثاني معهم، كان فظيعا، تحسب روحك راك في الحبس.. اللي يشخر واللي يهترف واللي يتقلب في الفراش وما جاهش الرقاد، واللي يهدر غير وحده…واللي…

سمعت واحدا منهم يتكلم وحده في الظلام والناس نيام على أسرة هذا فوق هذا: أنا سيدي القاضي والله غير مسير نتاع المجمع. “الرب دي زاد” هو المالك الفعلي للمجمع. أنا غير خدام مقابل 30 في المائة، هو اللي يمول كل الأذرع الإعلامية المعارضة اليوم للجيش وتحاول الدفع بالحراك نحو التصعيد وانسداد الحل الدستوري..أنا خاطيني.

وراح يتكلم لوحده وكأنه أما قاضي التحقيق أو يعيد ما قاله باللسان الفصيح للقاضي: مولنا بعض الأحزاب العلمانية والمنصات الإعلامية المعارضة في الداخل والخارجة من أجل ضرب الوحدة بين الشعب والجيش وبين مكونات الشعب نفسه وزرق بذور التفرقة العنصرية والجهوية والدينية وطرح قضية المرأة ومحاولة إفشال كل مسعى لحل دستوري سلمي. كل هذا سيدي القاضي بإيعاز من أمهم على كرسي الكيدورسي..

واحد آخر، راح يهترف ولا يعرف ماذا يقول: الكاشير أنا كنت نشريه. أنا مولت كل حملات الرئيس المخلوع..مقابل الاستفادة من مشاريع بملايير الدولارات نصفها يذهب للخارج. قروض بلا ضمان، وتسهيلات جمركية..أو بالأحرى بلا جمركة..

أما أنا، فكنت أكل ما بقي من العدس بالسوس..بعدما راح الجوع يقطع مصاريني  تحسب موس.

وأفيق الصبح: مزية مش بصح.

مقالات ذات صلة