“اللي راح وولى.. واش من بنة خلى؟”
كآخر حل للخلافات والأزمات المستمرة في العلاقة، يختار الزوجان أحيانا أن ينفصلا ويبقيا بعيدين عن بعض، قدر الإمكان، حتى لا يتصادما مجددا، قد يكون هذا خيارهما النهائي لإنهاء العلاقة، كما يمكن أن يكون إجباريا مؤقتا لانعدام سبل التفاهم بينهما، ولكليهما آثاره على الحياة الزوجية والأسرية.
غادرت السيدة سهيلة، 43 سنة، منزل الزوجية إلى شقتها الخاصة، ومعها 3 أطفال، بعد نقاش حاد مع زوجها حول وظيفتها، تقول: انتظرت أن يتصل بي أو يزورنا لاسترجاعنا، لكنه لم يفعل طوال 3 أشهر، شعرت بالندم أحيانا لتسرعي خاصة عندما أفكر في الطلاق وتحمل المسؤولية بمفردي، لقد كان سبب خروجي من منزلي هو كرامتي، غير أنني أهنتها بشكل أبشع عندما عدت بمفردي دون محاولاته للصلح..” أما عن الحياة بعد هذه الخطوة، تقول سهيلة: “أصبحت أسوأ وزاد استصغار زوجي لي، لأنه أدرك حاجتي إليه في غياب والدي وإخوتي، عرف أني رغم استقلاليتي المادية لن أقوى على أن أمنح أطفالنا نمط العيش الذي يوفره لهم.”
الابتعاد مفيد أحيانا
لاشك في أن الحوار الإيجابي، والنقاشات الهادفة، تعد من أقصر السبل الحضارية لحل الخلافات بين الشريكين، فالجلوس إلى بعضهما والحديث بتروٍّ عن المشكل، يمكن أن يقود إلى حلول مباشرة وجذرية، خاصة إذا كانت الخلافات غير معمقة، ولا يعتبر هذا مثاليا بالنسبة لفئة كبيرة من الأزواج الذين بلغوا مرحلة يجدون فيها أن الشريك غير قابل للحوار أو التفهم، فينتهجون سبلا أخرى، مثل العنف الجسدي واللفظي، أو القطيعة والهجران، وبالفعل قد تؤدي هذه الأساليب الأخيرة مقصدها وتصلح ظاهريا في بعض جوانب العلاقة، هو ما يحدث عادة مع السيد رضوان وزوجته: “يمكنني القول إنها قد قضت نصف حياتها الزوجية في بيت أهلها، فقد أصبح هذا هو الحل لمشكلاتنا، مهما تحدثنا أو تصارعنا، فإننا لا نصل إلى الهدنة إلا بعد قطيعة وهدوء قد تدوم شهورا، تتجدد فيها مشاعرنا، ونفكر بعمق في أسباب ونتائج الخلاف، أحيانا تعود إلى بيتها بمفردها، وكثيرا ما يحدث العكس، إذ يساعدنا الانفصال المؤقت على تدارك أهمية كل منا لدى الآخر”.. واقع تؤكده الأخصائية النفسانية دبوب عقيلة: “التركيبة النفسية لبعض الأفراد تجعلهم غير قادرين على رؤية الآخر بوضوح، وفهمه من كلماته أو تصرفاته، وإنما يحتاجون للابتعاد وخلق مسافة كافية بينهما لتتوضح قيمته ويتسنى للطرفين اتخاذ قرار ما إن كان الطرف الآخر ظالما أو مسيئا، أو إنه مخطئ وينوي به خيرا”.. الخطير في هذه النوعية من البشر الذين يعتمدون الابتعاد والقطيعة كأسلوب لحل المشاكل، أنهم قد يؤذون الشريك معنويا وماديا.. تؤكد ذات الخبيرة: “في الغالب، تتضرر الزوجة من هجران الرجل وإهماله بتركها في بيت أهلها أو بمغادرة منزله، سواء من الجانب النفسي، أم حتى من ناحية الإنفاق، وكذلك الأمر بالنسبة للزوج والأطفال، فالابتعاد المؤقت لكسر روتين العلاقة والتفكير الجدي في الخلافات، حتى وإن كان حلا ناجعا، إلا أن له أضرارا وخيمة على العلاقة، خاصة في وجود أبناء، والثمن الأغلى هو الاستقرار الأسري والثقة المتبادلة”.
على حد قول المثل الشعبي القديم: “اللي راح وولى.. واش من بنة خلى”، فإن العلاقة بعد الانفصال الناجم عن المشاكل والخلافات أو حتى الإهمال، لن تعود أبدا كما كانت عليه في السابق، فقد يفقد الطرفان الثقة ببعضهما، ويعيشان على احتمال الانفصال مجددا، وربما إلى الأبد، وحتى إن كان للأمر جانب إيجابي وهو تثمين العلاقة، فالفجوة تظل قائمة، خاصة إذا كان الانفصال طلاقا أول، إذ تؤكد إحصائيات صادرة عن المحاكم الجزائرية أن أزيد من نصف الحالات التي تعود للارتباط بعد الطلقة الأولى، أو الخلاف المعلن بتدخل القضاء، تنتهي بالطلاق والانفصال النهائي مجددا وبعد فترة قصيرة.