الرأي

المؤتمر الإقليمي لقادة الاستخبارات لدول الساحل والمتوسط في ليبيا: الجزائر في قلب التعاون الأمني الاستراتيجي

أ.د بوحنية قوي
  • 104
  • 0

يُعدُّ مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط منصة إقليمية رفيعة المستوى، تجمع كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين من مختلف الدول المعنية بهدف تعزيز التعاون والتنسيق لمواجهة التهديدات الأمنية المشتركة، بما في ذلك الإرهاب، والتطرف العنيف، والجريمة المنظمة، والتهديدات السيبرانية العابرة للحدود. وقد عُقد هذا المؤتمر مرتين فقط حتى الآن، إذ شهدت النسخة الأولى في ديسمبر 2024 في طرابلس بليبيا مشاركة واسعة من كبار القادة والوفود الاستخباراتية، فيما أعادت ليبيا استضافة النسخة الثانية في أبريل 2026، في إشارة  هامة الى استمرارية هذا المنتدى كمنصة استراتيجية لتبادل الخبرات، وضع أطر عمل مشتركة، وبناء الثقة بين الدول المشاركة.

ويعكس عقدُ المؤتمر  في نسختيه بطرابلس حرص الدول على تعزيز الأمن الجماعي في منطقة الساحل والمتوسط، وتأكيد الدور المحوري لليبيا في دعم الاستقرار الإقليمي ضمن سياق جيوسياسي مضطرب ومعقد.

عُقد مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط 2026 في طرابلس يوم الإثنين 6 أبريل 2026، في أجواء رسمية عالية المستوى، وسط تركيز على التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.  جاء المؤتمر في وقت لا تزال فيه ليبيا منقسمة سياسيًّا منذ آخر الانقسامات التي حدثت عام 2021 بين حكومات الشرق والغرب، ما جعل حكومة الوحدة الوطنية في الغرب هي الممثل الرسمي الوحيد للسلطات الليبية، بينما لم تشارك أي قوات أو وفود عسكرية من شرق ليبيا (بنغازي)، مما يعكس التحديات المستمرة أمام توحيد المؤسسات الأمنية في البلاد.

افتُتحت الفعالية بحضور رئيس حكومة الوحدة الوطنية ووزير الدفاع عبد الحميد الدبيبة، إلى جانب كبار القادة الليبيين، مثل وكيل وزارة الدفاع اللواء عبد السلام الزوبي، ورئيس الأركان العامة المكلف الفريق أول صلاح الدين النمروش، ومدير إدارة الاستخبارات العسكرية اللواء محمود حمزة.  وقد ركزت كلمات الافتتاح على أن الأمن الإقليمي يتطلب تنسيقًا جماعيًّا وفاعلًا بين أجهزة الاستخبارات لضمان الاستجابة السريعة للتحديات المشتركة، مع التشديد على الانتقال من مرحلة التشخيص والتحليل إلى التنفيذ العملي للاستراتيجيات المشتركة.

شارك في المؤتمر ممثلون كبار من عدد من الدول، من بينها:

ركزت مناقشات المؤتمر على عدة محاور رئيسية، أبرزها:

  1. تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول المشاركة لضمان سرعة الاستجابة للأزمات الأمنية.
  2. مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية عبر برامج مشتركة وتنسيق ميداني.
  3. تطوير التعاون السيبراني لحماية البنى التحتية الحيوية والاستفادة من التكنولوجيا في تحليل التهديدات.
  4. إنشاء خطوط اتصال آمنة بين أجهزة الاستخبارات الوطنية والإقليمية لضمان فعالية وسرعة تبادل التحليلات الاستراتيجية.
  5. تعزيز الثقة المتبادلة والشفافية بين الدول المشاركة لضمان استدامة التعاون الإقليمي في المستقبل.

وعلى الرغم من النجاح النسبي للمؤتمر، ظل الانقسام السياسي الداخلي الليبي حاضرًا بوضوح، مما يعكس استمرار غياب التحول السياسي الفعلي منذ الانقسامات الأخيرة عام 2021.  ورغم هذه التحديات، يمثل المؤتمر خطوة مهمة نحو تطوير أطر التعاون الإقليمي الاستخباراتي والقدرة على مواجهة التهديدات المشتركة، مع الإشارة إلى أن استدامة هذا التعاون تعتمد على تجاوز الانقسامات الداخلية وتحقيق وحدة مؤسساتية في ليبيا.

وتعد مخرجات هذا المؤتمر على درجة من الأهمية والتي تتطلب بناء خارطة طارقة حقيقية للأمن الليبي  والإفريقي،  ومن أهم توصيات مؤتمر قادة الاستخبارات لدول الساحل وحوض المتوسط  ما يلي   :

  1. تعزيز التعاون الاستخباراتي الإقليمي باعتباره أولوية قصوى للأمن الجماعي.
  2. تبادل المعلومات الاستخباراتية بسرعة وفعالية بين الدول المشاركة وبناء ثقة قوية بين الأجهزة.
  3. مواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما في ذلك الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب الأسلحة والمخدرات.
  4. الانتقال من مرحلة التشخيص والتحليل إلى التنفيذ العملي للخطط المشتركة.
  5. تطوير آليات عمل مشتركة قابلة للتطبيق بين الدول المشاركة لضمان فعالية الاستجابة.
  6. إنشاء منظومة استخباراتية استباقية لرصد المخاطر قبل وقوعها والتعامل معها بسرعة وكفاءة.
  7. منع ليبيا من أن تتحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية أو الاستغلال من قبل كيانات خارجية.
  8. الحفاظ على سيادة ليبيا وأمنها كجزء من استقرار المنطقة بأكملها.
  9. توسيع التعاون الدولي بين دول الساحل ودول المتوسط، بما يشمل تبادل الخبرات والمعلومات.
  10. تعزيز التنسيق العملياتي لضمان قدرة المجموعة الإقليمية على مواجهة التحديات المعقدة والمتشابكة بفعالية واستدامة.

حضورٌ  جزائري وازن

في ظل سياق جيوسياسي مضطرب يشهد تصاعد التهديدات العابرة للحدود وتعقيد النزاعات في منطقة الساحل والمتوسط وإفريقيا عموما، شكلت كلمة الجزائر التي ألقاها  سيادة العميد إبراهيم عباس، المدير المركزي لأمن الجيش الجزائري، مداخلة جوهرية و محورية خلال مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط 2026 في طرابلس. وقد انطلقت كلمته من إدراك عميق بأن تحقيق الأمن الجماعي والاستقرار الإقليمي يتطلب تضافر الجهود الوطنية والإقليمية، وتعاونًا استخباراتيًّا وعسكريًّا متكاملًا بين الدول الشقيقة والصديقة.

استهل العميد عباس كلمته بعرض دور الجزائر التاريخي والخبرات المتراكمة في مجال مكافحة الإرهاب، والتطرف، والجريمة المنظمة، مؤكدًا أن هذه التجارب لم تقتصر على حماية الحدود الوطنية، بل شملت مساندة الدول الشقيقة في مواجهتها للتنظيمات المسلحة وتعزيز التعاون مع الجيران لضمان أمن الحدود والاستقرار الإقليمي، مع التأكيد على أن الجزائر تمد يدها لجيرانها لتبادل الخبرات وبناء السلم والاستقرار المشترك، وتساهم بفعالية في بناء قدرات أمنية واستخباراتية مشتركة.

وتوقف العميد عباس عند الإسهامات الجزائرية المؤسسية والإقليمية، مبرزًا دور لجنة أركان العمليات المشتركة التي يقع مقرها في الجزائر  في تنسيق الخطط والعمليات العسكرية والاستخباراتية المشتركة، وكذلك المركز الإفريقي لمكافحة الإرهاب التابع للجنة الإفريقية الذي يعمل على توحيد الاستراتيجيات بين الدول لمواجهة الإرهاب على نطاق القارة. وأشار  أيضًا إلى وحدة التنسيق والدمج كآلية حيوية لتوحيد جهود الاستخبارات ومتابعة تنفيذ العمليات المشتركة بدقة وفعالية، بما يعكس التزام الجزائر بتعزيز الشراكات العملية على المستوى الإقليمي والقاري.

ولم يغفل العميد عباس الأطر  القانونية التي تدعم مواجهة الإرهاب بشكل فعال، مشيرًا إلى تحديث التشريعات الوطنية لتعزيز الكفاءة القانونية، ومبادرات الإطار  الإقليمي والقاري مثل مصادقة مجلس الأمن على اللائحة1904  الخاصة بعدم دفع الفدية للجماعات المسلحة، بما يوفر ضمانات واضحة لتعاون الدول في مواجهة تمويل الإرهاب.

كما تناول في كلمته بؤر التوتر الإقليمية التي تشكل تحديات أمنية كبرى، مؤكدا أن الجزائر تولي اهتمامًا خاصًّا بمناطق الساحل الإفريقي و القرن الإفريقي، ومنطقة البحيرات الكبرى، معتبرًا أن فهم هذه الديناميكيات ووضع استراتيجيات مشتركة هو المفتاح لبناء أمن واستقرار دائمين في المنطقة.

وختم العميد إبراهيم كلمته بالدعوة إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي، وبناء آليات اتصال آمنة، وتطوير القدرات السيبرانية المشتركة، مؤكدًا أن التنسيق الفعّال، والثقة المتبادلة، والشفافية المهنية بين الدول المشاركة هي الركائز  الأساسية لبناء الأمن الجماعي والسلم المستدام، وأن الجزائر مستعدة دائمًا لمد يدها لجيرانها ودول المنطقة لتوحيد الجهود وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

لقد جاءت كلمة العميد إبراهيم عباس كـرؤية استراتيجية شاملة تؤكد أن الخبرة الجزائرية، والتعاون المؤسساتي، والأطر القانونية المتقدمة، والمنظومات الاستخباراتية المشتركة هي الدعائم الأساسية لمواجهة التحديات الأمنية المعقدة في الساحل والمتوسط وإفريقيا، وأن الجزائر ستكون دائمًا شريكًا ملتزمًا في بناء الأمن والسلم الإقليمي.

توصياتٌ استراتيجية

اضحى الحضور  الجزائري في هذه المواعيد  الإقليمية ركيزة هامة في ظل الاضطرابات التي تعرفها دول المنطقة بما فيها الشقيقة ليبيا التي تعرف انقساما حادا وعدم الخروج بهندسة سياسية ودستورية إلى حد الساعة. لذلك يبدو من الأهمية بمكان  وحسب  ملاحظاتي  لمختلف الندوات والمؤتمرات ذات الصلة ولضمان الحضور الفاعل في هكذا ندوات لضمان ترسيخ المقاربة الجزائرية وفق  المحاور التالية:

  1. ترسيخدور الجزائر كعامل إقليمي محوري في إحلال الأمن والاستقرار في ليبيا ودول الساحل الإفريقي من خلال دعم جهود التنسيق الإقليمي.
  2. توظيف الخبرة الجزائرية المكتسبة في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف لمساندة الدول الشقيقة في بناء قدراتها الأمنية والاستخباراتية.
  3. تعزيز التنسيق الاستخباراتي والميداني المشترك بين الجزائر والدول الإفريقية لضمان مواجهة فعالة للتهديدات العابرة للحدود.
  4. استغلال المنتديات الإقليمية والدولية للدفاع عن قضايا التحرر الوطني ومناهضة الجماعات المسلحة.
  5. دعم برامج التدريب المشترك للأجهزة العسكرية والاستخباراتية لتعزيز الكفاءة المهنية والعملياتية.
  6. تعزيز التعاون مع اللجنة الإفريقية لمكافحة الإرهاب والمركز الإفريقي لمكافحة الإرهاب لتوحيد السياسات والتدابير الأمنية.
  7. تفعيل آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي لضمان سرعة الاستجابة والتنسيق في العمليات المشتركة.
  8. تحديث التشريعات الوطنية لتعزيز الكفاءة القانونية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وربطها بالمعايير الإقليمية والدولية.
  9. بناء قدرات الجيران للدول المتأثرة بالنزاعات لضمان استقرار حدود المنطقة وتعزيز الأمن الجماعي.
  10. استخدام المنصات الإقليمية لتأكيد أن السلم والاستقرار أساس للتنمية والتحرر الوطني.
  11. تطوير مبادرات مشتركة لمنع تمويل الإرهاب والجريمة المنظمة عبر شبكات مالية ومؤسسية محكمة.
  12. تشجيع التعاون في مجال الأمن السيبراني وحماية المعلومات الاستخباراتية الحساسة.
  13. تقديم الجزائر كمثال في تجفيف منابع الإرهاب عبر التشريعات الوطنية ومبادرات القانون الدولي.
  14. توحيد جهود الوكالات العسكرية والاستخباراتية لضمان فعالية التخطيط والتنفيذ المشترك للعمليات.
  15. تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الدول الشقيقة والصديقة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود بطرق متكاملة.
  16. تسليط الضوء على الخبرة الجزائرية في محاربة الجريمة المنظمة وتهريب الأسلحة والمخدرات كجزء من جهود الأمن الإقليمي.
  17. دعم الدبلوماسية الأمنية الجزائرية لمناصرة القضايا الإفريقية العادلة على المستوى الدولي والإقليمي.
  18. تعزيز تبادل أفضل الممارسات والخبرات بين الدول لمواجهة التحديات الأمنية المعقدة.
  19. إنشاء آليات مستدامة للمتابعة والتقييم المشترك للجهود الأمنية والاستخباراتية لضمان استمراريتها ونجاعتها.
  20. التأكيد على أن الجزائر مستمرة في مد يد التعاون لجميع شركائها لدعم السلم والاستقرار، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتعزيز الأمن الجماعي في إفريقيا.
  21. استثمار المنصات الإقليمية والدولية لضمان ألا يتم استغلالها من قبل كيانات وظيفية مثل الكيان الصهيوني  والكيانات الوظيفية التابعة لها والتي تهدف إلى التأثير على سيادة الدول الإفريقيةوتقويضها.
  22. استخدام هذه المنصات كفضاءات لتعزيز المرافعة الفاعلة عن قضايا التحرر الوطني ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وحماية الأمن الإقليمي.
  23. تعزيز التنسيق بين الأجهزة العسكرية والاستخباراتية عبر هذه المنصات لردع أي كيانات وظيفية تحاول العبث بأمن القارة.
  24. رفع الوعي الدولي بالقضايا الإفريقية من خلال هذه المنصات لضمان منع التدخلات الخارجية غير المشروعة وزعزعة الاستقرار.
  25. تحويل هذه المنتديات إلى أداة استراتيجية لبناء تحالفات إفريقية حقيقية قائمة على المصالح المشتركة والتعاون الأمني والسياسي، وضمان قدرة إفريقيا على الدفاع عن نفسها ومواجهة أي تدخلات تهدد أمنها واستقرارها.

يُعدُّ مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط منصة إقليمية رفيعة المستوى، تجمع كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين من مختلف الدول المعنية بهدف تعزيز التعاون والتنسيق لمواجهة التهديدات الأمنية المشتركة، بما في ذلك الإرهاب، والتطرف العنيف، والجريمة المنظمة، والتهديدات السيبرانية العابرة للحدود.

استهل العميد عباس كلمته بعرض دور الجزائر التاريخي والخبرات المتراكمة في مجال مكافحة الإرهاب، والتطرف، والجريمة المنظمة، مؤكدًا أن هذه التجارب لم تقتصر على حماية الحدود الوطنية، بل شملت مساندة الدول الشقيقة في مواجهتها للتنظيمات المسلحة وتعزيز التعاون مع الجيران لضمان أمن الحدود والاستقرار الإقليمي، مع التأكيد على أن الجزائر تمد يدها لجيرانها لتبادل الخبرات وبناء السلم والاستقرار المشترك، وتساهم بفعالية في بناء قدرات أمنية واستخباراتية مشتركة.

يجب استثمار المنصات الإقليمية والدولية لضمان ألا يتم استغلالها من قبل كيانات وظيفية مثل الكيان الصهيوني  والكيانات الوظيفية التابعة لها والتي تهدف إلى التأثير على سيادة الدول الإفريقية وتقويضها، ويجب استخدام هذه المنصات كفضاءات لتعزيز المرافعة الفاعلة عن قضايا التحرر الوطني ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وحماية الأمن الإقليمي.

مقالات ذات صلة