العالم
الكاتبة الملغاشية ماري رانجانورو في حوار  لـ"الشروق أونلاين":

“الماضي الاستعماري ليس ذكرى.. بل حاضر يشكل العلاقات بين مدغشقر وفرنسا”

ماجيد صراح
  • 874
  • 0
لقطة شاشة/يوتيوب
ماري رانجانورو تعرض روايتها "نيران، حمى، غابات".

تعود الكاتبة الملغاشية ماري رانجانورو، في هذا الحوار الذي خصت به “الشروق أونلاين” إلى أبرز التواريخ التي عرفتها مدغشقر، آخرها انتفاضة “جيل زد” التي أطاحت بالرئيس أندريه راجولينا، والذي هرب من البلاد على متن طائرة فرنسية، بعد أسابيع من الاحتجاجات المتواصلة.

كما تتناول صاحبة رواية “نيران، حمى، غابات” (Feux, fièvres, forêts )*، التي تروي جرائم الاستعمار الفرنسي وما خلفه من عشرات الآلاف من الضحايا أثناء قمعه للانتفاضة الملغاشية التي انطلقت عام 1947**، طبيعة العلاقات بين فرنسا ومستعمرتها القديمة.

الشروق أونلاين: في مقالك “مدغشقر 1972-2025: كيف تحمى الثورة من السرقة؟”***، المنشور مؤخرا على منصة “التاريخ الاستعماري وما بعد الاستعماري”، تصفين مطالب حركة “جيل زد”، التي أطاحت بالرئيس أندريه راجولينا، بأنها “مناهضة للنظام، ومناهضة للاستعمار، ومتجذرة في الاحتياجات اليومية الملحة”. هل يمكنك أن تشرحي لنا نشأة هذه الحركة الاحتجاجية؟

ماري رانجانورو: لم تكن ثورة “جيل زد” مفاجئة. فقد نشأت عند تقاطع أمرين: ضرورات الحياة اليومية الملحة وغضب تراكم منذ سنوات. في البداية، كان الشباب يحتجون على انقطاع المياه والكهرباء. ولكن سرعان ما عادت، خلف هذه الانقطاعات، الصورة المألوفة لكل ما عانت منه البلاد لعقود: الفساد، ونقص الخدمات العامة، ومصادرة السلطة، والتبعية الاقتصادية، والسخط على “النخب” السياسية. في مقالي، أوضح أن هؤلاء الشباب يرفعون مطالب “مناهضة للنظام، ومناهضة للاستعمار، ومتجذرة في الاحتياجات اليومية الملحة”. هذه ليست مجرد مطالب عملية: إنها تعري نظاما بأكمله. واللافت للنظر أن هذه الحركة لم تكن بحاجة إلى قادة أو هياكل تقليدية. لقد وُلدت بشكل عفوي للغاية، تماما كما في عام 1972: في البداية كانت الحركة طلابية، ثم سرعان ما أصبحت حركة شعبية شاملة، عابرة للانتماءات، وتجاوزت بكثير نقطة انطلاقها. لقد كانت الأيام نفسها، والشوارع نفسها، والأماكن نفسها – أنالاكيلي، أمبوهيجاتوفو، أنوسي. “جيل زد” الملغاشي ليس منعزلاً عن السياسة؛ لم يكن يوما سلبيا. وببساطة كل ما فعلته أنها قالت «لا» لفكرة أن عليها استئذان أحد كي تمارس السياسة.

تم إجلاء الرئيس راجولينا على متن طائرة عسكرية فرنسية في 12 أكتوبر، وبعد يومين من ذلك، وفي قمة حول غزة في قبرص، صرّح إيمانويل ماكرون قائلاً: “نحن معجبون بشباب مدغشقر، ولكن لا يجب التلاعب بهم”، ليدعو إلى احترام النظام الدستوري. كيف تُفسرين هذا الموقف الفرنسي مما كان يحدث في مدغشقر؟

هذا المشهد وحده –إجلاء الرئيس بطائرة عسكرية فرنسية– يُظهر بوضوح كبير طبيعة العلاقات المستمرة بين البلدين. وتصريح ماكرون بعد يومين يكشف نفس القدر من الدلالة: فالقول “نحن معجبون بشباب مدغشقر” مع تحذيره في الوقت نفسه من التلاعب بهم هو وسيلة بارعةٌ لتوبيخهم. بالنسبة لي، هذا موقفٌ نموذجيٌّ لما بعد الاستعمار: إذ يُشاد بالحيوية الديمقراطية، ولكن بشرط ألا تتجاوز حدود المقبول. فيُعترف بشرعية الاحتجاج، ولكن مع تذكير خفي بما يرسم حدود الانتفاضة “الصالحة”. وهذا يُظهر رغبة في الحفاظ على السيطرة، وضمان ألا يُؤدي التحول إلى قطيعة عميقة للغاية – لا سيما مع المصالح الفرنسية. في مقالي، أُبيّن أن عام 1972 قد أثار بالفعل هذا القلق الفرنسي: لقد كانت حركة تحدت كل الأعراف، ولم يتم استغلالها من قِبل أي حزب، ورفضت أن تتم استغلالها. ولكن هذا هو بالضبط ما يحدث في عام 2025. ولذلك تجد فرنسا نفسها في موقف محرج، محاصرة بين الضرورة الدبلوماسية التي تلزمها بالاعتراف بحركة شعبية ضخمة والخوف من أن تؤدي هذه الحركة إلى إعادة توجيه سيادي حقيقي.

لا تزال العلاقات بين مدغشقر وفرنسا في فترة ما بعد الاستعمار مشوبة بملفات اقتصادية وجيوسياسية، بالإضافة إلى مسائل تاريخية لم تُحل بعد، مثل وجود رفات بشرية مدغشقرية محفوظة في باريس أو قضية الجزر المبعثرة في المحيط الهادي. برأيك، كيف لا يزال الماضي الاستعماري يؤثر على العلاقات بين البلدين؟

لم يُمح الماضي الاستعماري من الذاكرة قط. إنه متأصل في هياكل الحكم، وفي التبعيات الاقتصادية، وفي ردود الفعل الدبلوماسية، وفي ذاكرة عام 1947 المجروحة، وفي تاريخ النخب التي تكونت على مقربة من السلطة الفرنسية، وحتى فيما يوجد بين السطور. في مقالي، أُذكّر القراء بأن مدغشقر شهدت عدة “استقلالات”: الاستقلال الذي حاولنا انتزاعه عام 1947، والاستقلال الذي مُنح لنا عام 1960، والاستقلال الذي ما زلنا لا نعرف كيف نتحدث عنه، وهو استقلال عام 1972 (عرفت مدغشقر في هذا العام انتفاضة شعبية ضد النيوكولونيالية، أطاحت بالنظام الموالي لفرنسا، لكنها انتهت بالوقوع تحت هيمنة ديدييه راتسيراكا الذي حولها إلى نظام سلطوي، التحرير).

إقرأ أيضا – هكذا أرسلت فرنسا 5700 جزائريا للهلاك في مدغشقر

تكشف هذه الانقطاعات على أن القطيعة لم تكن يوما كاملة. غالبا ما كانت دولة ما بعد الاستعمار استمرارا للهياكل الموروثة، سواء كانت مركزية استبدادية، أو محسوبية، أو علاقات اقتصادية. عندما نضيف القضايا العالقة -الرفات البشرية التي نُهبت خلال الاستعمار وحُفظت في فرنسا، والجزر المتناثرة التي لا تزال سيادتها مُعلّقة، وغياب أي بادرة رمزية واضحة حول عام 1947 – نرى أن الماضي الاستعماري ليس ذكرى، بل هو حاضر سياسي، قوة خفية تُشكّل العلاقات بين البلدين. وتُعبّر حركة “جيل زاد” أيضا عن هذا: رغبة عميقة في سيادة حقيقية، لا مجرد سيادة شكلية.

كيف كانت الجالية الملغاشية في فرنسا، والتي أنت جزء منها، تنظر إلى حركة “جيل زد” في مدغشقر، وكيف تعيش هذه العلاقة المعقدة بين بلدها الأصلي وبلدها المضيف، فرنسا؟

من فرنسا، شهد الكثير منا هذه الانتفاضة بمزيج من الفخر والارتياح والأرق. وأنا من بينهم. فخرٌ برؤية شباب مدغشقر يرفضون الاستسلام، ولا يخشون قول “كفى”. ارتياحٌ لأننا انتظرنا طويلا تغييرا خارج هياكل السلطة التقليدية. وأرقٌ لأن تاريخ مدغشقر حافلٌ بالثورات التي اختُطفت. يحمل الشتات في طياته أيضا هذه العلاقة المعقدة مع فرنسا: نعيش هناك، نعمل هناك، لكننا نرى أيضا هياكل ما بعد الاستعمار التي لا تزال قائمة. نحن في الداخل والخارج في الوقت نفسه. عندما تتحدث فرنسا عن الوضع في مدغشقر، فإن ذلك يعنينا مرتين: كشعب مدغشقري، وكأشخاص يعيشون في بلد المستعمر السابق.

هذا يخلق منظورا خاصا، أكثر انتقادا، وأحيانا أكثر قلقا، ولكنه أيضا شديد الانتباه. الشتات الملغاشي هو الذي يُرسل أقل قدر من المال ورأس المال إلى البلاد. ويكشف هذا المعطى عن فجوةٍ صارخة بين من غادروا ومن بقوا. تبقى الجالية الملغاشية في فرنسا قليلة التسييس إلى حد كبير، محصورة داخل أسطورة “الأقلية النموذجية”، ومذعنة تماما للدعاية الاندماجية الجمهورية.

لقد أيقظت حركة “جيل زد” في مدغشقر الوعي السياسي لدى جميع الملغاشيين في الخارج، الذين بدأوا بالتظاهر في فرنسا والمساهمة في تمويل الإضرابات والرعاية الصحية للمتظاهرين في البلاد. وهذا أمر غير مسبوق بالنسبة لكتلة شعبية كانت صامتة عادة.

كيف تنظرين إلى المستقبل السياسي لمدغشقر في هذا السياق الجديد؟

أؤمن بإمكانية حدوث قطيعة، ولكنها ستكون قطيعة هشة. تكمن قوة هذه الحركة في أفقيتها، وغياب القائد فيها، ورفضها للهياكل القديمة. لكن هذا يمكن أيضا أن يصبح نقطة ضعفها: لا يمكن تحقيق ثورة مستدامة من خلال احتجاجات الشوارع فحسب؛ بل يجب أيضًا ابتكار أسلوب جديد للعمل السياسي.

سيعتمد المستقبل على قدرة الشباب على تحويل زخم سبتمبر وأكتوبر إلى مشروع واضح: كيفية إعادة بناء الحكم، وكيفية ضمان الشفافية، وكيفية الحماية من محاولات الاستغلال. كما سيعتمد أيضًا على قدرة المؤسسات على عدم خيانة هذه اللحظة الشعبية. بالنسبة لي، ما هو على المحك اليوم ربما هو نسخة 2025 من عام 1972: لحظة الحقيقة حيث يمكن للبلاد أن تنتقل حقًا إلى مسار مختلف، ولكن حيث لا شيء مضمون.

الخطر هو نفسه الذي كان في عام 1972: أن يتم استيعاب الحركة، أو اختطافها، أو أن يكون من يروي تاريخها هم آخرون بدلًا من أولئك الذين عاشوها. أعتقد أن الشعب الملغاشي – سواء المقيمين في مدغشقر أو في الشتات – يريد أخيرا السيادة الكاملة. لقد تم خوض الثورة، وما بقي الآن هو حمايتها.

_ _ _

*Marie Ranjanoro, Feux, fièvres, forêts, Paris, Laterit éditions, 2023.

** استمرت الانتفاضة الملغاشية  ضد الحكم الاستعماري الفرنسي، من مارس 1947 إلى فيفري 1949، وتعرضت لقمع دموي. وفقا للمؤرخين، يترواح عدد الضحايا الملغاشيين بين 30,000 و40,000 ضحية، حتى ولو لم يكونوا جميعهم ضحايا مباشرين للقمع. لكن هذا الرقم، يشكل كارثة ديموغرافية، كون عدد سكان مدغشقر أنداك كان يبلغ أزيد بقليل من 4 ملايين نسمة. فمع الأخذ بعين الاعتبار التقدير المتوسط للضحايا ​​البالغ 30,000 أو التقدير الأعلى البالغ 89,000، فإن هذا يُمثّل ما بين أقل بقليل من 1% وأكثر بقليل من 2% من إجمالي السكان، حسب المؤرخ آلان روسيو.

***Marie Ranjanoro, Madagascar 1972-2025 : comment ne pas se faire voler sa Révolution ? 15 novembre 2025, Histoire coloniale et postcoloniale 

مقالات ذات صلة