الرأي

المبدأ والبراغماتية

عمار يزلي
  • 1053
  • 0

في تناوله لقضية “المبادئ”، يتحدث وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في مذكراته، وهو ثعلب الديبلوماسية كما يحلو لبعض المنابر تسميته، وهذا في معرض حديثه عن قضية الصحراء الغربية وقد كان وقتها حديث العهد بها أيام الرئيس الراحل هواري بومدين.

يقول كيسنجر فيما مفاده، أنه عرض على الرئيس الجزائري حينها، فكرة تقاسم المصالح في الصحراء الغربية، الإقليم المحتلّ من طرف اسبانيا سابقا، على أن يكون للجزائر ممرٌّ في شكل شريط يربط الأراضي الجزائرية بالمحيط الأطلسي حتى يكون لها منفذٌ على المحيط، فيما يأخذ المغرب الجزء الشمالي، وتأخذ موريتانيا الجزء الجنوبي. ردُّ فعل الجزائر كان غريبا يقول كيسنجر، لأنهم رفضوا الفكرة، ولما سأل عن سبب رفض فكرة تقاسم أراضي الإقليم؟ ردَّ عليه الرئيس الجزائري هواري بومدين، بأن المسألة مسألة “مبدأ”. يقول كيسنجر: “لم أفهم هذا الموقف، الموقف المبدئي”، مع أنه يفهم معناها، وخلص إلى القول “إن الجزائر أضاعت مصالحها بسبب فكرة المبدأ”.

أتحدَّث اليوم عن هذا، والسياق لا زال قائما وماضيا ومتجددا من جديد: مبدأ الجزائر الراسخ، الذي لا يتغيَّر، نابعٌ من هويتها وتاريخها وانتماء شعبها وتكوينه النفسي والروحي وتجاربه مع مختلف أشكال الهيمنة والاحتلال، لهذا لا تعادي الجزائرُ نفسها وتتنكَّر لذاتها وأخلاقها ودينها وحرمة العدالة الإلهية في قبول الاحتلال أو الدفاع عنه، ناهيك عن إتيانه واقترافه. لهذا نرى الجيش الجزائري إلى اليوم، دستوريا لا يحق له المشاركة في النزاعات والحروب خارج الحدود إلا في حالة تثبيت السلم من دون اللجوء إلى أيِّ حرب مسلحة خارج حدود الدولة. لهذا أيضا، ترفض الجزائر أن تشارك في التحالفات العسكرية الدولية، ولهذا أيضا ترفض مبدئيا كل أشكال الحروب وكل أشكال الاعتداءات إلا بما يفيد الدفاع عن النفس، وترفض حتى الانحياز للكتل المتصارعة، ولهذا أيضا ترافع وتدافع بلا هوادة وبلا مواربة ومن دون تلكُّؤ وفي في كل المنابر وعبر كل المنصات والمؤسسات وعبر كل الآليات السياسية والديبلوماسية وعلى أعلى مستوى، عن “القضايا العادلة” و”مساندة الأشقَّاء والأصدقاء” في كل أزمة أو خطب، وتسعى بكل ما أوتيت من قوة إلى رأب الصدع والإصلاح بين القادة والرؤساء لمصلحة شعوب بلدانهم، وترفض الانقلابات وتهديد السِّلم عبر اللجوء إلى القوة لأغراض سياسية. موقفٌ ومبدأ ثابت نابع من ثورتنا، النابعة هي الأخرى من ثوراتنا ومقاوماتنا للاحتلال عبر كل الأزمنة وكل العصور.

لهذا، من الطبيعي أن يتطبَّع الخلف بالسلف ويسير على خطاهم، وتقف الجزائر مع “المبدأ”، وترفض أيَّ براغماتية في هذا السياق، فيما تبقي عليها في الأمور الأخرى ذات الطبيعة التبادلية المصلحية، إلا في تبادل المصالح بانتهاك مصالح الآخرين والاعتداء بقوة القانون أو بقوة القوة.

هذا ما تفهمه الجزائر، وهذا تطبيقها لمفهوم “المبدأ” الذي يتلازم مع “العقيدة”. غير أنه في زمن المصالح، وزمن السياسية التي تعرف نفسها على أنها “فنُّ الممكن” وأنه في السياسة “لا يوجد أصدقاء ولا أعداء دائمون، بل فقط مصالح دائمة”، يصبح المفهوم الفلسفي الوضعي “البراغماتية” عنوانا للهروب نحو المصالح ولا شيء غيرها ولو بالحروب وبالتحايل والضغط والإكراه والسلب والنهب والسيطرة والابتزاز، وهذا من صميم قانون الغاب والجاهلية التي نهت عنها كل الأديان السماوية وحاربتها ودعت إلى نبذها.

مقالات ذات صلة