منوعات
الشروق ترصد تحركاتهم أياما قبل رؤية هلال رمضان

المتسولون يتنافسون لحجز الأرصفة وبوابات المساجد

الشروق أونلاين
  • 3578
  • 6
ح.م

أيام قلائل تفصلنا على استقبال شهر رمضان المعظم، ليظل الشهر الذي ينتعش فيه إيمان الصائمين وفرصة لاستثمار بالنسبة للمتسولين، فالرصيف هو المكان المفضل الذي يرقص عليه المتسولون بحركات الاستعطاف مغتنمين فرصة حلول الشهر الكريم مرة كل سنة، لحجز الأماكن والأرصفة أسابيع قبل رؤية الهلال، لتنطلق رحلة البحث عن الأماكن الأكثر إستراتيجية، حيث يتم حجز مداخل الأسواق والمساجد تحسبا للأعداد الكبيرة التي تشهدها بيوت الله في شهر الصيام.

ترتفع أعداد المتسولين بالشوارع بين الأرصفة ومداخل المساجد والأسواق الشعبية ومحطات نقل المسافرين بشكل ملفت للانتباه وهو ما وقفت عليه “الشروق اليومي” خلال الجولة التي قادتنا إلى شوارع العاصمة حيث يشكل المتسولون ديكورا يوميا متنافسين على حجز الأماكن أسابيع قبل حلول شهر رمضان، خصوصا إذا تعلق الأمر بإحدى المناسبات أو المواسم الدينية مثل شهر رمضان والذي يشهد ازديادا معتبرا لنشاط هؤلاء، فالكل ينسج خيوطه ويحبك سيناريو متقنا للإيقاع بالمتصدقين والمحسنين، قد يبدو للبعض أنها من نسج الخيال ويحجبون على منح فلس واحد، وقد يصدقها البعض الآخر حين ينسجمون على تمثيلية البؤس والشقاء والحرمان، غير أن بعض الحقائق تظهر أن أناسا احترفوا فن ومهنة التسول، بعبارات رنانة ودعوات تقشعر الأبدان لسماعها بإلحاح وتكرار سريع لاستمالة قلوب المارة وتثير شفقتهم .

متسولون يغيرون أماكنهم وآخرون يعملون موسميا فقط

اعتاد المارة الذين يقصدون مناصب عملهم للاسترزاق يوميا على متسولين معينين يلمحونهم أمام محطات النقل العمومية أو بالقرب من مداخل البنوك ومراكز البريد والبنوك، إلا أنه بحلول شهر رمضان يختفون عن الأنظار وكأنهم اعتزلوا مهنة التسول، لكن في حقيقة الأمر غيروا أماكنهم وتنقلوا إلى مقرات أخرى تماشيا مع المواسم الدينية مثل شهر رمضان، فتكون وجهتهم الأولى والمفضلة، حيث يصطفّون أمام كل مسجد على بضعة أمتار متقاربة خمسة متسولين بحالات ووضعيات مختلفة بملابس بالية، مرفقين برضع وأطفال صغار تحت حرارة الشمس اللاسعة، والغريب في الأمر أن بعض المتسولين يتشاجرون على الأماكن حيث تنشب ملاسنات كلامية بينهم، إذ يحاول كل واحد إبعاد الثاني عنه قدر المستطاع، وحسب شهود عيان قام أحد المتسولين بالشجار مع آخر حول مكان قرب المسجد احتجزه منذ 3 أيام إلا أنه لم يرق له لمجرد أن أخذه متسول آخر، وبعدما عجزا عن التفاهم عرض عليه بيعه الرصيف بمبلغ 5000دينار للتنازل عليه فقبل المتسول وقبض ثمن الرصيف. وغير بعيد عن المساجد، تجد الأسواق تعج بالمتسولين منهم من فضل البقاء في مداخل الأسواق ومنهم من اقتحم السوق ليضرب عصفورين بحجر واحد والغنيمة من صدقات المتسوقين، وحتى الباعة الذين يجودون أحيانا ببعض الصدقات على حالات يرون فيها الحاجة بمنحهم خضرا ولحوما وفواكه، في حين يدخل آخرون عالم التسول موسميا، يستغلون فرصة رمضان لكسب بعض الدنانير مغتنمين شهر التراحم والتكافل، فكثيرا ما تنشب خلافات بين المتسولين حول مدخل المسجد الفلاني أو الرصيف الفلاني.

أدعية منتقاة تتحف السامعين يتدرب عليها “الطلاّبون”

انتقاء العبارات والألفاظ لاستعطاف المارة هو الوتر الحساس الذي يلعب عليه الكثير من المتسولين، مبتكرين تقنيات جديدة ومظاهر مؤثرة، قصد التأثير في نفوس المارة والظفر بشفقتهم ورحمتهم، حيث تتربع على الجمل المكررة عبارات دينية ودعوات للمارة بصيام مقبول وبشهر كريم وبالخير والرحمة مثل “لله يا محسنين في شهر الصائمين”، أو “عاونونا لله باباهم مات وخلالي اليتامى”، تلك الجمل تجعل المارة يتعاطفون لحالتهم.

ولإثراء الموضوع تقربت الشروق” من المواطنين لنقل انطباعاتهم فكانت الإجابات متقاربة، والحيرة والتساؤل في مطلع كل إجابة بخصوص انتشار المتسولين عبر الأرصفة وأمام الأسواق والمساجد، محتارين إن كان المتسولون محتاجين أم يتظاهرون بالفقر والحاجة، إذ اختلط عليهم التمييز بين المحتاج الحقيقي والممتهن، وأكد محدثونا أن ظاهرة التسول ازدادت بشكل ملفت للانتباه كون أغلبية الأرصفة ممتلئة خاصة النسوة.

متسولون معاقون ومنقبات يفترشون شوارع العاصمة وأرصفتها

المتسولون رتب ودرجات، فالمعوق وذوو العاهة المستديمة في أعلى مرتبة تليهم المنقبة برضيع، غير أن العنصر النسوي يغلب على المتسولين حين تفترش المحجبات والمنقبات الأرصفة والشوارع بألبسة بالية رثة توحي بملامح البؤس والشقاء مصطحبات معهن رضعا، وأطفالا في عمر الزهور تركوا مقاعد الدراسة وامتهنوا التسول تحت توجيهات وتعليمات أشخاص كبار أغراهم المال والكسب بدون تعب ولا عناء.

ويلجأ المتسولون إلى الاعتماد على مشاهد تكون مؤثرة كاصطحاب الرضع مرفوقين بقوارير الحليب للتأثير أكثر، في حين أن الباقي يستغلون إعاقتهم بدهن مراهم على الإعاقة أو الإصابة لاستمالة المارة ناهيك عن المعاق على كرسي متحرك تجره سيدة منقبة.

“الشروق” تنقل بعض معاناة المتسولين

حاولنا خلال جولتنا الميدانية التقرب من بعض المتسولين لمعرفة الأسباب الخفية وراء افتراش النسوة للأرصفة تحت حرارة الشمس تصل إلى 40 درجة، لكن الصمت لازم بعضهن إلا أن السيدة “سمية” عمرها 54 سنة أفرغت مافي جعبتها كونها تقصد يوميا محلات بيع المأكولات الخفيفة لطلب الإعانة، لأن زوجها معاق ولها أربعة أطفال صغار من بينهم رضع، تقيم ببيت قصديري بنواحي منطقة السمار، وأن صعوبة المعيشة دفعتها لمد يدها الطلبة”، تصمت والدموع في عينيها.

صادفنا ونحن بشوارع ديدوش مراد فتاة في العقد الثاني بلباس بالية، كانت تتخذ من مدخل إحدى الثانويات مكانا لها، تقربنا منها، في البداية رفضت التحدث إلينا، لكن إلحاحنا جعلها تسرد بعض مأساتها فبعبارة: “كنت أرافق والدي المكفوف وأمي ونسكن بيتا من غرفة واحدة، والآن فارقا الحياة وأنا وحيدة لم أجد سوى هذه المهنة لأوفر لقمة العيش”.

مقالات ذات صلة