المخاض الفلسطيني
سياسة الضم الصهيونية للضفة والجنوب السوري وصولا إلى الفرات، سياسة لا تنفصل عن احتلال أراضي فلسطين التاريخية، إنه فعلٌ واحد لـمُلتهم واحد. الأغبياء وحدهم من يصدّق أن القسمة التمييزية بين الداخل والقطاع والضفة حقيقية.
لأنهم يسرحون في أحلام سبات عميق، ولأنه ليس لهؤلاء الرقود تاريخ نضالي حي يرجعون إليه أبعد من اتفاقية الاستسلام “أسلو” 1993. إنه من يظن بأن مقاومة الاحتلال لا تطاق فهو واهم، ومن يظن بأن فلسطين وحدها في الميدان فهو واهم، ومن يظن بأن الاحتلال سينتصر على أهل البلاد فهو واهم… وأوهام الخانعين كأوهام الغازين. ستأخذ المواجهة في الضفة بعدا آخر كان أهلنا في غزة ينتظرونه، القبائل العربية المحاذية للضفة في الأردن وسورية ستتحرك في دمائها النخوة وستلهمها المقاومة في الضفة روحا جهادية لم يتنسَّموا عبيرها منذ عقود.
إن الهزات العنيفة التي أحدثت تصدعات في كيان الاحتلال الصهيوني تدفعه لمزيد من التطرف، وتلكم قوة نابذة لكل ما هو من “قيم” الديمقراطية التي كانت تدّعيها الحكومات المتعاقبة وتسوّقها في دول العالم خاصة الغربية منها. ومع تعريها شبه الكامل من كل تلك الأكاذيب باتت الشروخ بين مكونات هذا المجتمع اللقيط بادية وتضغط بقوة على تركيبته المتنافرة؛ فإنك لما تراهم مجتمعين على النيل منا “تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى”.
العامل الفاعل في تصدع هذا الكيان إذن ليست المشاركة في الانتخابات من عدمها، إنه عملٌ ترفي ما دامت الانتخابات تجري تحت سلطة الاحتلال. إن المعاول النافعة جدا في توسيع الشروخ التي أصابت هذه الدولة وتدفع الصهاينة إلى القناعة باستحالة العيش في بلاد الآخرين وتغير المواقف الغربية في دعمها الأعمى لهذا السرطان الخبيث، هو مزيد من المقاومة المسلحة، ليس على الطريقة الغزاوية الباسلة فحسب، بل على طريقة “الذئاب المنفردة” وكذلك بطريقة الشهيد البطل فاروق رمضان التلي رحمه الله.
البديل الفلسطيني
قضية “نتن ياهو” مع شعبه لا تؤثر فيها هذه الإطلاقات، وليس دحلان من يستطيع أن يُسقط رئيس الحكومة الصهيونية أو يؤثر على تلكم الانتخابات، هذه ألعابٌ نارية تترافق والأعراس الانتخابية. هنالك دعاية انتخابية مسبقة لبيدق الإمارات ومصر لتصويره كبطل قادم على جواد كي ينقذ الفلسطينيين، وهو الذي لم نسمع له ركزا في تاريخ المقاومة الفلسطينية. ثم إن مربط الفرس في هذه المسرحية المضحكة هو: ما شأن محمد بن زائد بالصهاينة لينذرهم عن غزوة السابع من أكتوبر 2023؟ وما وظيفة هذا الشخص في عالمنا الإسلامي حقيقة؟
بات من حق “ألبانيزي” الإيطالية مقرِّرة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة اليوم أن تمنح الجنسية الفلسطينية وتترشح للرئاسة ممثلة عن الشعب الفلسطيني كله. إنها تتحدث عن حقوق الفلسطينيين أكثر من المسؤولين في السلطة، الذين يتجمعون ويراؤون بكثرة في هذه الأيام قبل الانتخابات. ألا تعِس عبد المنصب! تعس عبد السلطة!
رسالة مضى عليها ثلاث سنوات تظهر الآن قبل الانتخابات الصهيونية والفلسطينية؛ إنها حيلٌ تسبق الانتخابات، ولن تخدم الفلسطينيين بإسقاطها “نتن ياهو” لأن الاحتلال كله ينبغي أن يسقط بعد الذي حدث في غزة. كما أنها لا تخدم المستورثين الجدد للقطاع، لأن غزة ليست رام الله. وعلى كل حال، فالسنوار رحمه الله رجلٌ سياسة وحرب، لا يتحدث بهذه اللغة، وإذا كان ولا بد من دراسة “الرسالة”، فلتطبَّق عليها قواعد المحدثين في الجرح والتعديل.
توصيف السيد خليل الحية القضية الفلسطينية بأنها تمر بحالة نسيان فيه مبالغة، كيف وهي ملء السمع والبصر في الجمعية العامة للأمم المتحدة وعلى أعلى المستويات؟ ثم إن الضمير العالمي لا يزال حيا وهو يغضب لغزة ويدافع عنها، وواضح أنه مستعد لتقديم الدعم بكل الصور حتى العسكري منه. تبقى قضية الإغاثة العاجلة وإعادة الإعمار، فعلى أهلنا في القطاع أن يثبتوا ويصبروا ويصابروا، لأنهم على ثغر مرابطون، ثم إن توسط الإخوة في المقاومة الفلسطينية لإصلاح ذات البين سعيٌ مشكور يستحقه أهلنا في اليمن والسعودية، ولكن على أي أساس سيلتقي المتقاتلون؟ إذا كان على الله ورسوله فسيجدون قواسم تجمعهم إذا كانوا يريدون، وعلى غيرها سيستحيل ذلك كما يستحيل اللقاء مع رام الله بعد السابع من أكتوبر.
“حل الدولتين” أطروحة تعني الدول الأخرى وتعني حكام العرب والمسلمين لكنها لا تعني الأمة، الدول الأخرى لها مصالحها وليست معنية بقضية مقدسة حتى النخاع لملياري مسلم. والأنظمة العربية والإسلامية متبدِّلة وتفتقد الحالية منها إلى الشرعية ولا يمكنها البتّ في قضية وجودية. تبقى المراهنة على الأمة الإسلامية كشعوب ترى في القضية الفلسطينية قضية حياة أو موت، وإن كانت أمتنا لن تموت إلى آخر الزمان.
روسيا تبحث لنفسها عن موقع القطبية في عالم متعدد الأقطاب وهذا ما ختم به “سيرجي لافروف” كلمته في الجمعية العامة، ولدى روسيا سجلٌّ حافل بالخذلان والوعود غير المفعولة بل والتدخلات المأساوية، كاعترافها بدولة الاحتلال وتخليها عن حليفتيها العراق وليبيا، وإثخانها تقتيلا في الشعب السوري.
في منظور الآخرين
قرار الحكومة البريطانية حظر منتجات المستوطنات في الضفة الغربية قرارٌ سياسي فضفاض، المستوطنون الإرهابيون في الضفة كالحرباء، لديهم قدرةٌ على التخفي وتغيير الأسماء والأماكن التي تصدر منها المنتجات، فهل الحكومة البريطانية قادرة على الدخول في هذه المتاهة؟ بضائع كثيرة تغزو الأسواق العالمية تحمل علامات دولية لا تدل على أنها للدولة الصهيونية، مثل ناقلات النفط والشحن التي تحمل أعلام دول مختلفة ولكنها ملكٌ للكيان المحتل، فليدع إعلاميونا الترويج لهذه الخدعة السياسية وليركزوا على كشف حقيقتها.
كتّابٌ كثر غربيون واقعون تحت تأثيرات وهمية أفقدتهم الإحساس بالواقع، يعتبرون الكيان الصهيوني ديموقراطيا، ويصدِّقون بإقامة دولة فلسطينية، وأن تحدي اليمين المتطرف لهما والاستيطان جديان وقد يغيران ذلك الواقع المثالي الذي يصورونه. هذه كلها دعاية لأكذوبة قديمة من إعلاميين متهودين لا يزالون يقدمون خدمة لهذه الدولة القائمة على أباطيل كثيرة، منها أنها دولة محتلة، ومتمددة، وعنصرية، وتقوم على أساطير دينية تلمودية، وتعتقد بأحقيتها في الحياة على حساب إبادة شعوب أخرى، ولا تؤمن بالقانون الدولي، ومتهمة بجرائم حرب، وتعتبر نفسها قلعة متقدمة لحماية الحضارة الغربية، وتعيش على الحروب المستمرة، وتحاصر ملايين البشر، وقتلت مئات الآلاف من المدنيين، وتعتدي على دول المنطقة…
النفاق الأوروبي يشبه الوضوح الأمريكي والصلف الصهيوني، إنها جميعا عملات مستعمَلة في دولة واحدة. ثم إن الغرب يتشارك في ما بينه احتلال قلب العالم الإسلامي، فبريطانيا أسَّست، وفرنسا دعمت، وألمانيا مولت، وأمريكا حمت… وقد بدأت الرياح الجيوسياسية تجري بما لا يشتهي المحتلون! بدءا بعزلة الكيان دوليا، ثم تضعضع الثقة فيه من قبل شذاذ الآفاق الذين جلبهم إلى بلاد غير بلادهم مصدقين أساطيره التاريخية، وكذلك اختناق الاقتصادات الغربية بحرب روسيا ضد أوكرانيا وحرب المضايق التي سببها السابع من أكتوبر، والأهم من ذلك كله، القناعة التامة التي باتت لدى الشعوب الإسلامية بضرورة شد الرحال إلى المسجد الأقصى امتثالا لوصية النبي عليه الصلاة والسلام لتحريره من الغزاة الصهاينة مهما كلّفهم ذلك من تضحيات.
النفاق الأوروبي يشبه الوضوح الأمريكي والصلف الصهيوني، إنها جميعا عملات مستعمَلة في دولة واحدة. ثم إن الغرب يتشارك في ما بينه احتلال قلب العالم الإسلامي، فبريطانيا أسَّست، وفرنسا دعمت، وألمانيا مولت، وأمريكا حمت… وقد بدأت الرياح الجيوسياسية تجري بما لا يشتهي المحتلون! بدءا بعزلة الكيان دوليا، ثم تضعضع الثقة فيه من قبل شذاذ الآفاق الذين جلبهم إلى بلاد غير بلادهم مصدقين أساطيره التاريخية، وكذلك اختناق الاقتصادات الغربية بحرب روسيا ضد أوكرانيا وحرب المضايق التي سببها السابع من أكتوبر.