العالم
قروض لتلميع الواجهة مقابل تهميش قطاعات اجتماعية أساسية

المخزن يواصل الارتهان للاستدانة الخارجية وسط أزمة متفاقمة

عبد السلام سكية
  • 2107
  • 0
ح.م

في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تفاقم المديونية الخارجية وانعكاساتها الخطيرة على السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، صادق مجلس إدارة مجموعة البنك الإفريقي للتنمية على منح المغرب تمويلاً جديداً بقيمة 270 مليون أورو، مخصصاً لتوسيع وتحديث البنية التحتية للمطارات، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل القديم-الجديد حول جدوى الاستدانة لتمويل مشاريع مرتبطة بالتظاهرات الرياضية، مقابل تهميش القطاعات الاجتماعية الأساسية.
ويقدَّم هذا القرض، وفق الخطاب الرسمي، باعتباره رافعة لتعزيز تنافسية النقل الجوي وتهيئة البلاد لاستضافة كأس العالم 2030، غير أن هذا التبرير لم ينجح في تبديد مخاوف فئات واسعة من الرأي العام، التي ترى في هذه السياسة استمراراً لمنطق الإنفاق الاستعراضي على حساب حاجات المواطن اليومية، في بلد لا تزال فيه المستشفيات العمومية تعاني نقصاً في التجهيزات والأطر، ويواجه فيه قطاع التعليم العمومي تراجعاً مقلقاً في الجودة والبنية التحتية.
ويشير منتقدون إلى أن القروض الخارجية، مهما غُلّفت بشعارات “التنمية” و”الاستثمار”، تظل ديوناً واجبة السداد، تُثقل كاهل الأجيال القادمة وتحدّ من هامش القرار الاقتصادي، خاصة في ظل سياق دولي يتسم بتقلبات حادة وارتفاع كلفة الاقتراض.
كما يحذرون من أن ربط مشاريع كبرى بآجال ظرفية، مثل كأس العالم، قد يفضي إلى اندفاع غير محسوب في الإنفاق من دون تقييم دقيق للانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية بعيدة المدى.
ويأتي هذا التمويل في وقت لا تزال فيه الاحتجاجات الشعبية الرافضة لتنظيم كأس أمم إفريقيا وكأس العالم حاضرة في الذاكرة الجماعية، حيث خرج مواطنون في أكثر من مدينة مطالبين بإعادة توجيه الأموال العمومية نحو تحسين الخدمات الصحية، ودعم المدرسة العمومية، وخلق فرص عمل مستدامة، بدل ضخها في منشآت لا يستفيد منها سوى قطاع محدود من الفاعلين الاقتصاديين، وعلى رأسهم شركات السياحة والنقل والخدمات الكبرى.
وتشمل المشاريع المعلن عنها تحديث مطارات مراكش وأغادير وطنجة وفاس، وتوسيع مباني المحطات، وبناء برج مراقبة جديد، وتهيئة مساحات واسعة لمواقف الطائرات وممراتها، وهي مشاريع يرى فيها منتقدون تعميقاً للفجوة المجالية والاجتماعية، إذ تُضخ الاستثمارات في مدن سياحية كبرى، بينما تظل مناطق واسعة من البلاد محرومة من أبسط شروط التنمية.
كما تُقابل الوعود الرسمية بخلق آلاف مناصب الشغل بتشكيك واسع، على اعتبار أن معظم هذه الوظائف تكون مؤقتة ومرتبطة بأشغال البناء، في حين لا تُقدّم حلولاً جذرية لمعضلة البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات. ويؤكد متابعون أن الرهان على السياحة وحدها، في ظل اقتصاد هش وغير متنوع، يُعد خياراً محفوفاً بالمخاطر.
وفي ظل هذه التطورات، يتعزز النقاش حول غياب الشفافية والمساءلة في تدبير القروض الخارجية، إذ لا تُطرح للرأي العام تفاصيل دقيقة حول شروط التمويل، وكلفته الحقيقية، وآليات تسديده، ولا حول البدائل الممكنة التي كان من شأنها توجيه هذه الموارد نحو قطاعات أكثر إلحاحاً وأثراً اجتماعياً.
وبينما تُسوق الحكومة هذه المشاريع كاستثمار في “صورة المغرب” ومكانته الدولية، يرى معارضون أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المطارات المحدثة ولا بحجم الطاقة الاستيعابية للمسافرين، بل بقدرة الدولة على ضمان العلاج اللائق، والتعليم الجيد، والعيش الكريم لمواطنيها، بعيداً عن منطق الاستدانة المتواصلة التي ترهن الحاضر وتُقايض المستقبل.

مقالات ذات صلة