المخزن يُشرع أبوابه للاحتلال الصهيوني
بعد سنوات من “زواج غير شرعي” بين المخزن والكيان الصهيوني، انتقل التطبيع بين الجانبين إلى مستوى جديد برفع التمثيل الدبلوماسي إلى مرتبة السفارات وتبادل السفراء، في خطوة جاءت لتتوج مسارًا من العمالة والانبطاح والخيانة المغربية خدمة الاحتلال.
وجاءت الخطوة التي تم الإعلان عنها بشكل رسمي، مساء الأربعاء، من الجاني الصهيوني وحليفه الأمريكي، فيما لم يصدر من المخزن أي بيان، باستثناء تعليق من وزير الخارجية ناصر بوريطة لتبرير التطبيع وهو الزعم بخدمة القضية الفلسطينية حيث نقل عنه القناة الأمريكية اليمينية “فوكس نيوز”، قوله ” قدمنا المساعدات الإنسانية للفلسطينيين بفضل هذه العلاقات التي نملكها مع إسرائيل”، وهو المبرر الذي اثبت زيفه طيلة سنوات حرب الإبادة الصهيونية في غزة.
وواجهت الخطوة انتقادات حادة من أصوات مغربية مناهضة للتطبيع، رأت فيها تكريسًا لمسار يتجاوز، بحسب قراءاتها، حدود العلاقات الدبلوماسية التقليدية. وكان أحمد ويحمان، رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، في مقدمة المنتقدين، إذ وصف رفع التمثيل إلى مستوى السفارات بأنه محطة جديدة في مسار التطبيع، وربطه بما يعتبره انتقالًا تدريجيًا للحضور الإسرائيلي من المجال الدبلوماسي إلى مجالات سياسية وثقافية ورمزية داخل المغرب.
ويستند ويحمان إلى مسار يعتبر أن التطبيع لم يعد مقتصرًا على العلاقات الرسمية بين الحكومتين، مستحضرًا العبارة التي أوردها المرصد والمنسوبة إلى مسؤولة إسرائيلية أثناء تفقد مقر التمثيلية الإسرائيلية في الرباط، والتي قالت، بحسب البلاغ، إن المكان «لن يكون مجرد سفارة، وإنما بيت لكل إسرائيلي في العالم». ويقرأ ويحمان هذه العبارة باعتبارها ذات دلالة خاصة في ضوء الانتقال الحالي إلى مستوى السفارات، لأنها، في تقديره، تعكس تصورًا يتجاوز الوظيفة الدبلوماسية التقليدية إلى حضور إسرائيلي أوسع داخل المغرب.
ولا يحصر رئيس المرصد هذا الحضور في المجال السياسي، بل يتحدث عن مسار من “الاختراق” يشمل الدولة والمجتمع والهوية والسيادة، مستندًا إلى ما يعتبره توسعًا في العلاقات الأمنية والتكنولوجية والاقتصادية، وإلى وقائع ونقاشات أثارت جدلًا داخل المغرب حول الحضور الإسرائيلي واليهودي في الفضاء الثقافي والديني والرمزي. ويعتبر ويحمان أن التطبيع انتقل بذلك من مجرد اتفاق بين حكومتين إلى محاولة لإعادة تشكيل علاقة المجتمع المغربي بإسرائيل، وهو ما يرفضه المرصد بصورة صريحة.
وفي السياق ذاته، يستحضر ويحمان ما يصفه بتنامي الخطاب الذي يمنح الوجود اليهودي والإسرائيلي أبعادًا تتجاوز التاريخ المغربي إلى إعادة تقديم المغرب ضمن سرديات مرتبطة بإسرائيل، مشيرًا في بلاغه إلى عبارات من قبيل “المغرب أرض يهودية” و”المغرب المملكة المقدسة لبني إسرائيل”. ويورد هذه العبارات باعتبارها مؤشرات، من وجهة نظره، على انتقال التطبيع إلى المجال الهوياتي والرمزي، وليس فقط إلى العلاقات السياسية والاقتصادية.
كما يربط رئيس المرصد موقفه بالسياق الفلسطيني، مؤكدًا أن رفع العلاقات إلى مستوى السفارات يأتي في وقت تستمر فيه الحرب على غزة، وأن تحويل التطبيع إلى مرحلة أكثر عمقًا لا يمكن، في نظره، فصله عن الجرائم والدمار الذي يشهده القطاع. ولذلك يواصل المرصد طرح موقفه الرافض للتطبيع، ويدعو إلى وقف مساره وإغلاق مكتب التمثيل الإسرائيلي وإنهاء أشكال التعاون التي يعتبرها مضرة بالسيادة الوطنية وبالموقف الشعبي المغربي من القضية الفلسطينية.
أما علي أنوزلا، فيركز على أن قرار رفع التمثيل لا يمثل، في تقديره، بداية لمسار جديد، لأن التطبيع الذي بدأ سنة 2020 تجاوز منذ فترة طويلة حدود مجرد وجود مكتب اتصال. ويرى أن السنوات الماضية شهدت توسعًا متدرجًا في العلاقات، وأن الانتقال إلى السفارات يأتي في النهاية ليمنح هذا المسار غطاءً دبلوماسيًا رسميًا يتناسب مع مستوى التعاون الذي نشأ بين الجانبين.
ويولي أنوزلا أهمية خاصة لطريقة الإعلان عن الخطوة وتوقيتها، منتقدًا أن يصل خبر بهذا الحجم إلى المغاربة من خلال الجانب الإسرائيلي، في وقت لم يكن فيه الموقف المغربي الرسمي قد ظهر بالوضوح نفسه. ويرى أن طريقة تقديم القرار تكشف، في قراءته، عن طبيعة إدارة ملف التطبيع، كما تمنح دلالة سياسية للإعلان تتجاوز الجانب البروتوكولي.
ويربط أنوزلا كذلك بين رفع التمثيل وبين الحرب على غزة، معتبرًا أن تثبيت العلاقة مع إسرائيل في هذه اللحظة يكتسب دلالة مختلفة عن أي وقت سابق. فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بترقية تقنية لمستوى العلاقات، وإنما بتأكيد رسمي على استمرار مسار التطبيع بينما تتواصل الحرب وسقوط الضحايا الفلسطينيين. ويعتبر أن هذا التوقيت يضع الخطوة في مواجهة مباشرة مع الحراك المغربي المناهض للتطبيع الذي استمر منذ 2020.
أما محمد قنديل، فيذهب إلى أن جوهر القضية لا يكمن في السفارة باعتبارها بعثة دبلوماسية، وإنما في المسار الذي يقف خلفها والجهات التي دفعت باتجاهه. ويرى أن الانتقال إلى مستوى السفارات يمثل امتدادًا مباشرًا للإطار الذي تأسس سنة 2020 برعاية أمريكية، وأن الحضور الأمريكي في الإعلان الأخير يؤكد، بحسب تحليله، استمرار هذا الدور في دفع العلاقة بين الرباط وتل أبيب نحو مستويات أعمق.
ويعتبر قنديل أن السنوات الست الماضية أظهرت توسعًا متدرجًا في العلاقة، لم يتوقف عند السياسة والاقتصاد، وإنما امتد، وفق تحليله، إلى الأمن والاستخبارات والتكنولوجيا والتعاون العسكري والاستراتيجي. ومن هذا المنطلق، يصف قرار السفارات بأنه تثبيت مؤسساتي لعلاقة يرى أنها أصبحت متعددة المستويات، وليست مجرد علاقة دبلوماسية بين دولتين.
ويركز قنديل بصورة خاصة على مسألة السيادة، إذ يرى أن اتساع التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة يفرض، في قراءته، العودة إلى سؤال القرار المستقل، معتبرًا أن ما يسميه «التطبيع» لم يعد مجرد خيار في السياسة الخارجية، بل أصبح مسارًا يطال بنية الدولة ومجالات متعددة داخل المجتمع المغربي. وهو لذلك يرفض الفصل بين السفارة وبين ما سبقها من تعاون، ويرى أن السفارة هي الشكل الرسمي الأكثر وضوحًا لمسار بدأ منذ 2020.