الجزائر
تدابير بفتح المؤسسات باكرا وتفادي التجمعات ومنع الخروج

المدارس في مواجهة التحريض الإلكتروني وسط التلاميذ

نشيدة قوادري
  • 5471
  • 0

أمرت مصالح التربية عبر الولايات رؤساء المؤسسات التربوية، خاصة للطورين المتوسط والثانوي، بأهمية الالتزام التام بفتح أبواب المدارس ابتداء من الساعة السابعة والربع صباحا، مع اتخاذ جميع التدابير التنظيمية التي تضمن سلامة التلاميذ وانضباطهم داخل الفضاء المدرسي، في خطوة حازمة تهدف إلى الحفاظ على استقرار المؤسسات وضمان السير العادي للدروس بعد 15 يوما من الدخول المدرسي، وكذا حماية المتعلمين من “محرضين” من خارج المنظومة التربوية يحاولون دفعهم للخروج إلى الشارع وتنظيم احتجاجات، ظاهرها “مطالب مدرسية” وباطنها التشويش على السنة الدراسية، والتي انطلقت في ظروف حسنة جدا .

أفادت مصادر “الشروق” أن بعض مديريات التربية للولايات قد بادرت بتوجيه تعليمة رسمية إلى مديري المؤسسات، تدعوهم فيها إلى فتح أبواب المؤسسات بدءا من يوم الأحد 5 أكتوبر الجاري، على الساعة السابعة والربع صباحًا، وعدم الانتظار إلى غاية الثامنة، مع اتخاذ جميع التدابير التنظيمية التي تضمن سلامة التلاميذ وانضباطهم داخل الفضاء المدرسي.

وفي هذا الصدد، أبرزت مصادرنا أن الإرسالية، التي تم تداولها على نطاق واسع في أوساط مديري المتوسطات والثانويات، شددت على ضرورة تفادي تجمعات التلاميذ أمام مداخل المؤسسات التربوية، وإبقائهم داخلها طيلة اليوم الدراسي، مع منع خروجهم لأي سبب إلا بعد انتهاء آخر حصة، إضافة إلى تسجيل الغيابات من داخل المؤسسة، والاتصال الفوري بأولياء التلاميذ الغائبين.

كما جاء في التعليمة أيضًا ضرورة التبليغ عن أي عناصر محرضة من بين التلاميذ، من خلال موافاة المصالح الولائية المعنية ببياناتهم الكاملة (الاسم واللقب، تاريخ ومكان الميلاد، المستوى الدراسي، هوية الولي الشرعي، العنوان، ورقم الهاتف)، فضلًا عن رفع تقرير مفصل حول وضعية الغيابات في الفترة الصباحية قبل الساعة العاشرة.

مديرون لردع التحركات الافتراضية ومحاولات التحريض

وبناء على ما سبق، أبرزت ذات المصادر التربوية أن التعليمة ذاتها قد جاءت على خلفية تداول منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تحاول تحريض التلاميذ على تنظيم احتجاجات داخل بعض المؤسسات التعليمية، بذريعة “مطالب مدرسية” أو “مناهج جديدة.”

ورغم محدودية هذه الدعوات، إلا أن التحركات الرقمية أثارت قلق السلطات التربوية، خاصة في ظل انتشارها وسط فئة حساسة مثل التلاميذ، ممن يسهل استدراجهم عبر الخطاب العاطفي أو التضليلي، الذي ظاهره الدعوة لتخفيف البرامج الدراسية وباطنه التشويش على السنة الدراسية.

وإلى ذلك، أشارت المصادر نفسها إلى أن مصالح مديريات التربية للولايات المختصة، قد رصدت في الأيام الأخيرة محاولات تنسيق بين تلاميذ عبر مجموعات “فيسبوك” و”تيك توك”، تدعو إلى “عدم دخول الأقسام” أو “التجمّع أمام المؤسسات”، وهو ما يمثل محاولة لضرب استقرار الدخول المدرسي، والذي تمّ إلى حد الآن في ظروف جد مقبولة.

تأكيد على الصرامة و الانضباط لضمان انتظام الدراسة

وبالاستناد إلى ما سلف، أكدت مصادرنا على أن التعليمة صدرت بلغة واضحة وصارمة، تعكس حرص الإدارة التربوية على الوقاية المسبقة، ومنع أي انزلاقات ميدانية قد تستغلها أطراف خارج المنظومة التربوية.

ذلك أن الهدف الأساس، كما تشير مصادر مطلعة، هو “ضبط الإيقاع داخل المؤسسات التربوية، وضمان انتظام الدراسة دون اضطرابات”، خاصة بعد ملاحظات ميدانية كشفت أن بعض التلاميذ يغادرون المؤسسات التربوية خلال الفسحات أو بعد أولى الحصص، ما يفتح المجال للفوضى أو الاحتكاكات في محيط المدرسة.

ومن جهة أخرى، شددت مصادرنا على أن الإرسالية، قد ألقت بالمسؤولية المباشرة على مديري المؤسسات التعليمية، في فرض الانضباط داخل الفضاء التربوي، ومتابعة الوضع بدقة مع مستشاري التربية والأساتذة وأعوان الحراسة، لضمان انسيابية الدخول والخروج، والتعامل الفوري مع أي تجاوزات أو محاولات تحريض.

تدابير احترازية ميدانية لمنع تجمعات التلاميذ

ولم تكتفِ الإرسالية بالتذكير بالإجراءات الروتينية، بل دعت إلى تحيين نظام المراقبة اليومية داخل المؤسسات من خلال، الحرص على فتح الأبواب باكرًا لتجنب الاكتظاظ والتجمعات أمام المداخل، إلى جانب الالتزام بتوزيع الأعوان والإداريين على النقاط الحساسة “المداخل، الساحة، الممرات.”

بالإضافة إلى السهر على منع أي تلميذ من مغادرة المؤسسة التعليمية قبل نهاية الحصص، فضلا على التقيد التام بتسجيل الغيابات يدويًا وإلكترونيًا من داخل المؤسسة لضمان المصداقية، علاوة على الاتصال الفوري بأولياء التلاميذ في حال الغياب دون مبرر، مع رفع تقرير يومي قبل الساعة العاشرة صباحًا يتضمن إحصاءات دقيقة للغيابات والملاحظات السلوكية.

وبالتالي، فإن هذه الإجراءات الاحترازية، قد اعتبرها العديد من المديرين “ضرورية ومبررة” في هذا التوقيت من السنة الدراسية، والذي غالبًا ما يشهد تراخيًا تدريجيًا في الانضباط بعد الأسابيع الأولى من الحماس والانطلاق.

التحريض الرقمي… ظاهرة جديدة داخل الوسط المدرسي

وفي سياق ذي صلة، أثار مختصون في علم الاجتماع التربوي، ظاهرة جديدة داخل الوسط المدرسي ويتعلق الأمر بـ”التحريض الرقمي”، إذ لفتوا إلى أن ما تشهده بعض المؤسسات التربوية من تأثير مباشر لمحتويات مواقع التواصل يشكل تحديًا حقيقيًا، بحيث أصبح الفضاء الرقمي ساحة تفاعل موازية، تؤثر في المواقف والسلوكيات اليومية للتلاميذ، حتى داخل المدرسة.

وفي هذا الصدد، يرى الخبير المتابع للشأن التربوي، ” بلقاسم .ع” أن “المشكل ليس في التعبير عن الرأي، بل في التحريض غير المسؤول الذي يُدار من خارج المؤسسة، وغالبًا من أطراف مجهولة الهوية تستغل براءة المراهقين”، مضيفًا أن “التربية الرقمية أصبحت ضرورة أكثر من خيار.”

أما الأستاذة “بوعبد الله، س”، المتخصصة في شؤون التوجيه والإرشاد المهني والمدرسي، فترى أن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها بعض مديريات التربية، “ليست قمعية بل وقائيًة، وتهدف إلى تحصين الوسط التربوي من موجة التحريض الافتراضي، التي قد تتسبب في اضطرابات حقيقية على الميدان.”

وأجمع خبراء آخرون على أن مثل هذه التعليمات الإدارية لا يمكن أن تنجح دون دعم الأسرة، حيث أن متابعة الأولياء لأبنائهم، ومراقبة استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي، ومناقشة ما يتداولونه عبر الشبكات، كلها أدوات أساسية لقطع الطريق أمام أي محاولة استغلال.

كما وجب الإشادة أيضا بدور الأستاذ، والذي يبقى محوريًا في توعية التلاميذ داخل القسم حول مخاطر الانجرار وراء المنشورات المجهولة، والتفريق بين المطالب التربوية المشروعة، وبين التحريض الممنهج الذي يستهدف استقرار المدرسة الجزائرية.

لقد أظهرت هذه الواقعة مرة أخرى أن المدرسة الجزائرية، تواجه جيلاً رقمياً يعيش في تفاعل دائم مع العالم الافتراضي، بما يحمله من فرص ومخاطر، فمهما كانت صرامة التعليمات، فإن المعركة الحقيقية تبقى في توعية التلاميذ وتحصينهم فكريًا وسلوكيًا ضد التحريض، ليبقى الحذر الإداري مهم، لكنه لا يُغني عن التربية الواعية.

وما بين الرقابة والانفتاح، والانضباط والحرية، تواصل المدرسة الجزائرية اليوم سعيها إلى تحقيق المعادلة الصعبة: أن تكون فضاءً للأمن الفكري والانضباط السلوكي في آن واحد.

ويبقى نجاح هذا المسعى مرهون بمدى تعاون جميع الفاعلين في المنظومة التربوية، من إداريين، أساتذة، أولياء، وتلاميذ، لفهم أن الانضباط ليس خيارًا فوقيًا، بل شرط أساسي لاستمرار العملية التعليمية بأمان ونجاعة.

مقالات ذات صلة