الرأي

المشكلة في “قد”!

محمد سليم قلالة
  • 618
  • 0

تضمَّن قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر الاثنين بشأن غزة جملة أساسية لو حُذف حرف “قد” منها لأزالت الشك في كونه قرارا يمهد لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس حل الدولتين، ولَحقَّق المطلوب منه ولو في حده الأدنى!

الجملة تقول: “وبعد تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية على نحوٍ أمين وتقدّم أعمال إعادة تطوير غزة، قد تتوافر الشروط أخيراً لبلورة مسار موثوق نحو تقرير المصير وقيام دولة فلسطينية”!

لنتصور أن حرف “قد” هذا، الذي إذا دخل على المضارع يفيد التقليل والتشكيك، لم يرِد في الجملة، فإن المسألة ستصبح واضحة باعتبار أن مسار العملية التي يُشرف عليها مجلس السلام المؤقت سيؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية وإن كان هناك اختلافٌ بشأن طبيعتها، خاصة وأن القرار في بدايته (الفقرة 4) تضمَّن ما يلي: “يرحّب بإنشاء مجلس السلام (BoP)* بصفته إدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية تضطلع بوضع الإطار وتنسيق التمويل لإعادة تطوير غزة وفقاً للخطة الشاملة وبما يتفق مع مبادئ القانون الدولي ذات الصلة، وذلك إلى أن تُكمِل السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها على نحو مُرضٍ كما ورد في مقترحات مختلفة، بما فيها خطة السلام للرئيس ترامب لعام 2020 والمقترح السعودي الفرنسي، وبما يمكّنها من استعادة السيطرة على غزة بشكل آمن وفعّال”، أي أن القرار يُحيل في هذه الفقرة بطريقة غير مباشرة إلى المقترح السعودي الفرنسي الذي طُرح في نيويورك في 28- 29 جويلية 2025 وتضمَّن بالأساس حل الدولتين وأقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 سبتمبر 2025، كما يُحيل في الوقت ذاته إلى خطة السلام للرئيس ترامب لعام 2020، المعروفة بـ”صفقة القرن”، والتي تضمَّنت من بين ما تضمَّنته “الاعتراف بدولةٍ فلسطينية منزوعة السلاح على نحو 70% من الضفة الغربية وغزة” مع إبقاء “القدس الموحّدة عاصمة لإسرائيل” و”إمكانية جعل بلدة أبو ديس (شرق القدس) عاصمة رمزية للفلسطينيين” و”إنشاء ممرّ بري يربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة” من دون حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة سنة 1948، إضافة إلى ما يرافق ذلك من إجراءات استثمارية بما قيمته 50 مليار دولار (صفقة القرن)… وهي الخطة التي رفضتها في حينها كافة الدول العربية بما في ذلك السلطة الفلسطينية (باستثناء الإمارات والبحرين).

وبرغم أن الإحالتين في قرار مجلس الأمن الأخير تشيران إلى مفهومين مختلفين للدولة الفلسطينية المستقبلية، إلا أنهما تتضمّنان معا حدا أدنى بقبول قيام “دولة فلسطينية” في جزء من الضفة الغربية وقطاع غزة.. وحتى وإن رفض الكيانُ الصهيوني أحدهما (المقترح السعودي الفرنسي) الذي يتضمّن إقامة دولة ذات سيادة تامة عاصمتها القدس الشرقية، إلا أن هذه الفقرة كانت قادرة على إبقاء قرار مجلس الأمن 2803 ضمن إطار مقبول لو لم ترٍد “قد” هذه في الجملة السابقة “قد تتوافر الشروط…” بعد هذه الفقرة!

هذه الـ(قد)، يمكنها أن تعني أن كل المسار الحالي إنما هو بهدف تصفية القضية الفلسطينية وتمكين الاحتلال من تحقيق بالدبلوماسية ما لم يتمكن من تحقيقه بالحرب على حدِّ موقف المقاومة…

ومع ذلك يبقى الأمل قائما، أوَّلا في أن هذا القرار يمكنه أن يساهم في رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وقد بلغت ما بلغت، وهذه مسألة لا تحتمل التأخير ولا يعرف حقيقتها ودرجتها إلا من كان في الميدان، وثانيا قد يُبقي هذا القرار بعض الأمل من خلال نوعية الدول التي ستكون في “مجلس السلام” هذا المُزمَع إنشاؤه… فإذا كانت تشكيلته لا تتم إلا بموافقات إسرائيلية، فسنعرف بأن الطريق نحو القدس مازال بعيدا، أما إذا كانت تشكيلته فيها مَن يدعم بالفعل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال، فإن المقاومة تكون قد أدَّت ما عليها، والشعب الفلسطيني يكون قد قدَّم تضحيات تفوق قدرات البشر…

و”قد” هنا، في الجملتين الأخيرتين تختلف عن “قد” الأولى، لأنها دخلت على الفعل الماضي وهي تفيد التحقيق لا التشكيك، وما النصر أولا وأخيرا إلا من عند  الله…

مقالات ذات صلة