الرأي

المشير ينقلب على إخوان المرشد بقضاء مصر

حبيب راشدين
  • 8000
  • 20

القضاء المصري الذي قضى على حكم الإخوان الناشئ في مصر، يكون قد حرر منطوق حكم مؤجل لانقلاب عسكري ناعم كان قد نفذ قبل خمسة عشر شهرا تحت غطاء الانتصار للحراك الشعبي، ليعيد توزيع الأوراق في لعبة إعادة تشكيل الفضاء العربي بربيع “لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ”.

سوف يسجل يوم الخميس 14 يونيو في صفحات الحركات الإسلامية المصرية والإخوان تحديدا كيوم انكسار وانتكاسة، إن لم يكن مقدمة لنكبة قادمة بعد أن ألحقهم عسكر مصر بمن سبقهم من إخوانهم في الجزائر قبل عشرين سنة خلت. ففي هذا اليوم كان الإخوان ومعهم السلفيون، وطائفة من ثوار ميدان التحرير، ينتظرون من المحكمة الدستورية العليا المصرية تثبيت قانون العزل، الذي كان سيمنع رجلا من النظام الدخول في الجولة الثانية من السباق على رئاسة مصر، فإذا بالمحكمة تثبت رجل “الفلول” وتحل برلمان الإخوان.

.

انقلاب ناعم على “ثورة” مخملية

قبل أربعة وعشرين ساعة من صدور القرار، كان الحديث في مصر يدور كله حول احتمال سيطرة الإخوان على جميع مفاصل الدولة: من البرلمان إلى الرئاسة، فالحكومة ولجنة إعداد الدستور، قبل حصاد المحليات في نهاية السنة، فإذا بالنظام الذي لم يسقط مع سقوط مبارك، لا يحتاج لأكثر من ثلاث ساعات لتطهير المشهد السياسي مما كان يوصف في الإعلام المصري والعربي بالتسونامي الإسلامي، والذي قد يتوج في المرحلة الثانية من الرئاسيات، بحرمان الإخوان من آخر فرصة للبقاء كشركاء في الحكم الجديد، بعد أن غالبوا طوال خمسة عشر شهرا من أجل الاستحواذ على جميع مواقع   السلطة  .

“زواج المتعة بين العسكر والإخوان كان سيتحول إلى قران دائم لولا الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الإخوان في إدارة علاقاتهم مع العسكر من جهة، ومع القوى السياسية المدنية الشريكة في الثورة”

المواجهة كما نرى انتهت بالضربة القاضية وفي جولة واحدة، ليستعيد العسكر السلطة التشريعية، ومعها الحق الحصري في تشكيل لجنة كتابة الدستور، ويعود الإخوان ومعهم ثوار ميدان التحرير والمواقع الاجتماعية إلى الخانة التي كانوا فيها غداة الانقلاب الأبيض الذي نفذه العسكر   على   مبارك   تحت غطاء الانتصار للشارع المنتفض.

.

دبلجة سيناريو الجزائر باللهجة المصرية

في الأسابيع القليلة الأخيرة، كانت النخبة المصرية تتداول على استحياء بعض المخاوف من احتمال تكرار ما أسموه بسيناريو الجزائر، لكنهم كانوا يسارعون إلى استبعاده بمفردات فيها كثير من التعالي والتميز الأخرق، بالقول أن الجيش المصري يختلف عن الجيش الجزائري، بل عن جميع جيوش العالم العربي، وكأنه لم يكن الواقع هو من علم عسكر العرب فن الانقلاب على الشرعية القائمة، كما رفعوه إلى مرتبة التنزيه بالإدعاء أنه بريء من دماء الشعب المصري.

لعل القارئ يذكر أن أول مقال كتبته غداة خلع الرئيس مبارك، قد خلص إلى أن ميدان التحرير إنما “قص شوارب النظام وعفا عن اللحية” في إشارة إلى أن استئصال رأس النظام قد أبقى على جسمه وهيكله قائما متسيدا، ممثلا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومؤسسة الجيش التي كانت شريكا في النظام وفي الحكم. وفي مقالات لاحقة ذكرت بالعشرات من القرائن والأدلة التي تشير إلى أن الربيع العربي في مصر تحديدا، قد التقت فيه رغبة العسكر والأمريكيين والإخوان في خلع الرئيس مبارك كل واحد بدافعه الخاص، وأن العسكر كانوا معترضين أساسا على ملف التوريث ليس إلا، فيما كان الأمريكيون قد دخلوا على نطاق أوسع في عملية إعادة تشكيل الفضاء العربي والبحث عن بدلاء للأحصنة النافقة.

.

إشغال “الثوار” بعصيدة البرلمان

إلى غاية انتخاب البرلمان المصري كان الوئام والتوافق بين العسكر والإخوان قائما، وأن متابعة التاريخ الطويل لحكم العسكر منذ انتصار ثورة الضباط الأحرار، تكشف في أكثر من مرحلة حاجة العسكر إلى استقطاب الإخوان والاستعانة بهم لتحجيم القوى الليبرالية المدعومة غربيا، حاجة أهدر الإخوان المسلمون ما كانت تتيحه من فرص للمشاركة في السلطة، بما أظهروه من تسرع في منافسة العسكر واستعدائه، سواء في زمن عبد الناصر، أو مع السادات الذي أعادهم للواجهة بهدف تحجيم بقايا الناصرية المعارضين لمعاهدة كامب دافيد، أو حتى مع مبارك، الذي استقوى بهم في مواجهة القوى السياسية المدنية المتعاظمة، فلم يكن من خيار أمام العسكر وهم يعزلون مبارك، درءا لتفاقم ثورة الشارع المصري، سوى تكرار محاولة الاستقطاب للتيار الإسلامي ألإخواني، والاستعانة به في إضعاف “فلول” نظام مبارك من الحزب الوطني، وتحجيم تطلعات التيارات المدنية المتطلعة لبناء دولة مدنية خارج إرادة العسكر.

.

الجمع بين الأختين يفسد عرس الإخوان

زواج المتعة هذا كان سيتحول إلى قران دائم لولا الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الإخوان في إدارة علاقاتهم مع العسكر من جهة، ومع القوى السياسية المدنية، التي حاولت بدورها الإستقواء بالقوة التنظيمية للإخوان للتستر على ضعفها التكويني، والذي لم يكن ليسمح لها بمواجهة الدولة المصرية العميقة التي لم تسقط مع سقوط رأس النظام.

“العسكر لم يكونوا على عجلة من أمرهم، وأعطوا الزمن للزمن، فنجحوا في ضرب شعبية الإخوان والتيار الإسلامي، وأظهروا الإخوان كقوة منشغلة فقط بالدفاع عن مصالحها، وتثبيت مواقعها السلطوية”

الجميع تابع شهر العسل الممتد بين الإخوان والعسكر إلى غاية استكمال انتخابات مجلسي الشعب والشورى، باكتساح الإخوان مع التيار السلفي للغرفتين، الذي يكون قد ضايق العسكر، ودفع بهم إلى الشروع في تدبير فصول مسار معقد ومركب، سوف ينتهي بعد خمسة شهور إلى تنفيذ انقلاب ناعم على المسار، وعلى ما سوق للمصريين كثورة، مسار بني على مراحل بكثير من الصبر والمثابرة، وببراعة سياسية لم تكن متوقعة من العسكر.

.

تلغيم للقوانين يعبث بساسة مغفلين

التدبير ربما يكون قد بدأ حتى قبل الدخول في المسارات الانتخابية، بزرع العسكر لكم هائل من الألغام السياسية والقانونية التي لم يلتفت إليها الإخوان وباقي شخوص المشهد السياسي، بدأت بالاستجابة الكيدية لرغبات الأخوان والأحزاب السياسية في تعديل قانون الانتخابات، وزرعه بأكثر من لغم وعوار دستوري سوف يعرضه لاحقا للطعن في دستوريته وهو ما حصل.

ثم إن قيادة العسكر التي أحنت الظهر أمام العاصفة، وأبدت قدرا من الضعف الظاهري أمام مجلس الشعب بأغلبيته الإسلامية، تكون قد أوهمت الأخوان بأن رؤوس مؤسسات الحكم قد أينعت جميعها، وحان وقت قطافها، فيما كان العسكر يعيد في السر جمع شتات قوى النظام الذي لم يسقط، ويعيد ترتيب أوراقه، وإعادة تدوير بقاياه للدخول بها مجددا في اللعبة السياسية، وهو ما حصل مع ترشيح الفريق أحمد شفيق بحظوظ باتت حقيقية للفوز بمنصب الرئاسة، فيما استعان العسكر بالقضاء المصري لجرف كل ما تحقق للإخوان طوال سنة ونصف، في بحر ثلاث ساعات من الزمن.

.

تفريق شمل الخلان لعزل الإخوان

المتابع للمشهد المصري يكون قد سجل في وقت مبكر العمل المنهجي الذي قام به المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بدءا بفصل الإخوان عن بقية القوى السياسية، حين أطلق يدهم في ريع الانتخابات التشريعية، وقبل ذلك في تسخير القوة التنظيمية لإخوان، والحضور الشعبي للتيار السلفي، لصالح تمرير الإعلان الدستوري الذي شرعن قيادة العسكر للمرحلة الانتقالية، ووضع بين أيديهم الأدوات الدستورية والقانونية والتنفيذية لإدارة المرحلة الانتقالية في الاتجاه الذي أرادوه، واستعان بهم لترتيب أولويات المرحلة الانتقالية بتقديم العربة على الحصان.

الوجه الآخر من المسار الانقلابي، ظهر في تدبير العسكر لدخول الإخوان في صراع خاطئ ومواجهة مفتوحة من القضاء المصري، أفضت في الأسابيع التي سبقت حل مجلس الشعب إلى تلاسن بين مجلس النواب ومؤسسة القضاء ساهمت في أنجاز الطلاق البيني بين المؤسستين.

ولأن العسكر لم يكونوا على عجلة من أمرهم، وأعطوا الزمن للزمن، فقد نجحوا أيضا في ضرب شعبية الإخوان والتيار الإسلامي، وأظهروا الإخوان كقوة منشغلة فقط بالدفاع عن مصالحها، وتثبيت مواقعها السلطوية، وبسط سيطرتها على مؤسسات الدولة، وقد ساعدهم الإخوان بما أبدوه من شراهة واستجاعة للسلطة، سواء في إنفاقهم لشهور طويلة في معارك جانبية خاسرة للإطاحة بالحومة، أو في دخولهم ما يشبه الانحراف التشريعي، بسن قانون العزل السياسي المطعون فيه منذ البداية، أو في مراوغة شركائهم في المشهد السياسي على تشكيل اللجنة التأسيسية، فيما كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني يضغط على المواطن المصري، وينتهي به إلى الكفر بالثورة والثوار.

.

حيرة عقلة الأصبع والإنكشاري أردوغان

العسكر لم ينقلبوا على الإخوان وبقية شخوص المشهد السياسي وحسب، بل يكونوا قد نفذوا ما يشبه العصيان على المسار الأمريكي الذي راهن كثيرا على شراكة مع التيار ألإخواني، أو على الأقل، على تقاطع المصالح معه لصالح تنفيذ فصول برنامج الشرق الأوسط الجديد.

“حتى مع التسليم بأن ما حدث هو انقلاب ناعم على مسار ديمقراطي، فإن القضاء المصري يكون قد أنقذ التيار الإسلامي والإخوان تحديدا من شرك عظيم، وصرفه عن ارتكاب خطيئة تولي إدارة دولة مقيدة بمعاهدة كامب دافيد”

فقد جاءت ردة الفعل الأولى على قرار المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان، جاءت من وزيرة الخارجية الأمريكية، التي سارعت إلى تنبيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى واجب ضمان استمرار المسار الديمقراطي واستكماله، وكأنها قد استشعرت قيام ظل العسكر خلف قرار المحكمة، وباتت تخشى انهيار العملية في مصر وتداعيات على كل ما حققه الربيع العربي في تونس وليبيا واليمن، وتداعيات أخطر على ما يجري في سورية تحديدا.

أطراف إقليمية أخرى تكون قد تضررت من هذا الانقلاب الناعم، يأتي في طليعتها تركية وقطر وإلى حد ما إيران لأسباب مختلفة. فقطر تكون قد خرجت من المشهد المصري مصلومة الأذنين، فيما كانت قد أنفقت الكثير من الأموال في القمار على حظوظ وصول الإخوان إلى السلطة في بلد بحجم مصر، وقد تشعر تركية الأردوغانية بكثير من المرارة، لأنها سوف تفقد حليفا كانت تعول عليه في تنفيذ إعادة الانتشار في الإقليم العربي وموازنة النفوذ الإيراني، وبدورها لن تكون إيران مرتاحة لقرار إقصاء الإخوان واستعادة العسكر المصري للمبادرة، وأخشى ما تخشاه أن ينجح العسكر المصري في إعادة التوازن لمصر، وإعادتها لقيادة القطار العربي مع ما بقي من الدول العربية التي لم يفتك بها الربيع العربي.

.

قضاة مصر ينقذون إخوانها المسلمين

قد يكون الوقت مبكرا لجرد وإحصاء تبعات هذا الانقلاب الحاصل في المشهد المصري، سواء على الواقع المصري الصرف، أو على المشهد العربي برمته، وهو ما يعنينا كعرب، بعد أن فقدنا في بحر عقد من الزمن: العراق وجنوب السودان، ووضعت ليبيا على طريق التقسيم، وحول اليمن إلى ما يشبه الصومال، ويجري العمل على بناء مشهد هوليودي لحرب أهلية مستديمة في سورية. وكما أن مفردات الربيع العربي قد وضعت المواطن المصري بين نارين، وأشكل على المواطن الليبي واليمني والسوري، فإن المواطن العربي قد وضع منذ البداية أمام خيار صعب، منتج لنفسية سكيزوفرينية، حائرة بين واجب دعم حق الشعوب المشروع في المطالبة بحق المشاركة في إدارة أمرها، أو الوقوف في صف المدافع المكره عن كيانات الدول العربية مع ما فيها من فساد واستبداد، خوفا من قيام سايكس بيكو جديد يمزق الفضاء العربي، ويضعه مجددا تحت وصاية الوكلاء من أعاجم الإقليم المقاولين للقوى العظمى.

وحتى مع التسليم، بأن ما حدث يوم الخميس هو انقلاب ناعم لعسكر مصر على مسار ديمقراطي، كان قد أوشك أن يستلم فيه التيار الإسلامي معظم مواقع السلطة، فإن القضاء المصري يكون قد أنقذ،عن قصد أو غير قصد، التيار الإسلامي والإخوان تحديدا من شرك عظيم نصب له، وصرفه عن ارتكاب خطيئة تولي إدارة دولة مقيدة بمعاهدة كامب دافيد، كانت ستحمل الإسلاميين على التطبيع مع الكيان الصهيوني، والقبول بإملاءات الولايات المتحدة الأمريكية بما هو ألعن مما كان يحمل عليه نظام مبارك، والذي يعيد العسكر تدويره بوجوه وباتجاهات وخيارات تبقى في طي المجهول.

مقالات ذات صلة