الرأي
المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج

المعرفة لخدمة التنمية

محمد بوالروايح
  • 120
  • 0

هذا العصر هو عصر التحديات الكبرى و الرهانات العظمى و بقدر ما تزداد التحديات تزداد معها الرهانات ، و في مقدمة هذه التحديات ما يتعلق بالتنمية بمفهومها الشامل الذي يشمل كل مناحي الحياة ، و في مقدمتها رأس المال المعرفي الذي هو محور كل تنمية ، فمؤشرات التنمية صعودا و هبوطا تقاس بمدى جودة هذا العنصر الحيوي و الاستراتيجي ، و لأهمية رأسمال المعرفي ، تخوض الدول معركة ضارية ، و تنفق أموالا طائلة لتجعل منه مفتاحا لكل تنمية و سلما لكل نهضة ، و في تاريخنا المعاصر نماذج فذة لدول استثمرت في رأسمال المعرفي فارتقت و حققت نجاحات تنموية باهرة أهلتها لمنافسة الكبار. إن المعرفة ليست ترفا فكريا بل منجزا حضاريا ، هو حصيلة المجهود العقلي الذي ارتقى بالإنسان من طور البداوة إلى طور الحضارة و رفع عنه الغبن التاريخي الذي عاناه في السنين العجاف التي اعتمد فيها الإنسان على مجهوده العضلي و على ما توفره الطبيعة من مواد خام يأخذها على طبيعتها لأنه يجهل كثيرا من القوانين الفيزيائية التي تحكمها. قرأنا عما قام به رئيس وزراء ماليزيا ” مهاتير محمد” ، صانع النهضة الماليزية الذي استثمر في العنصر البشري و اعتبر الإنسان الثروة الحقيقية التي لا تعدلها ثروة ، فوضعه في صدارة الاهتمام و وفر للإطارات العلمية المناخ الملائم من أجل أن تبدع فالتقت إرادة السياسي و العلمي فجعلت من ماليزيا دولة رائدة في المجالات التكنولوجية المختلفة. لقد حول “مهاتير محمد ” ماليزيا من دولة زراعية ، تعتمد على الموارد الزراعية و الطبيعية إلى دولة صناعية و قوة اقتصادية تنافس أكبر الدول الصناعية و أكبر الاقتصاديات العالمية.

لقد سقت النموذج الماليزي لبيان دور المعرفة في تحقيق التنمية و هو نموذج وضع للنهوض بماليزيا و إخراجها من طور إلى طور ، و نحن في الجزائر نملك من الكفاءات العلمية ما تملكه ماليزيا أو تزيد و نملك من العقول في مختلف الحقول العلمية ما يمكننا من كسب رهان التنمية الشاملة و المستدامة ، لقد علقنا آمالا كبيرة على عودة هذه العقول المهاجرة التي حاولت كثير من الدوائر العلمية و الإعلامية المعادية سلخها عن وطنها و إغراءها بكل وسائل الإغراء و لكنها ظلت –إلا قليلا  ممن استهوتهم المادة و جاذبية المال-  وفية لوطنها فلم يزدها بعدها عنه إلا تعلقا به و ترقبا للحظة الحاسمة التي تسهم فيها إلى جانب إخوانها في صناعة نهضة الجزائر التي يعول فيها على سواعد أبنائها في الداخل و الخارج ، “فما حك ظهرك مثل ظفرك”. ليس صحيحا ما تروجه منابر التضليل الإعلامي من أن هناك فصاما بين الكفاءات الجزائرية المهاجرة و ووطنهم، و بين السياسي و العلمي في الجزائر، فوجود شواذ اتخذوا من العلم وسيلة للارتزاق ، باعوا وطنهم بعرض من الدنيا قليل لا يصح أن يكون قاعدة ، فالشاذ لا يقاس عليه ، فالكفاءات الجزائرية المهاجرة في القارات الخمس التي تؤمن بأن الوطن لا يقدر بثمن و بأن خدمته ليست منة بل واجبا مقدسا كانت رهن إشارته و كانت استجابتها سريعة للانضمام إلى المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج ، الذي يضم خيرة العلماء و الخبراء في المجالات الاستراتيجية المختلفة من التكنولوجية الرقمية إلى التكنولوجية الطبية إلى الذكاء الاصطناعي ، و هي كلها مبشرات بغد أفضل و بجزائر جديدة ، مستعدة لكل الرهانات و قادرة على رفع كل التحديات و تحقيق التنمية في كل المجالات الحيوية. إن تشكيل المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج يجسد التناغم بين السياسي و العلمي في الجزائر و يؤكد بأن عهدا جديدا قد بدأ يشكل فيها العنصر العلمي المبتدأ و الخبر فيما يتعلق بالمعرفة المفضية للتنمية. إن تشكيل المجلس الأعلى للجالية العلمية بالخارج يعد تجسيدا حقيقيا لاقتصاد المعرفة الذي راهنت عليه الجزائر من أجل تحقيق التنمية المستدامة التي تجعل من التنمية أداة إنتاجية فعالة و المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني ، الذي يعد بمفاجآت كثيرة و نجاحات كبرى في المستقبل.

لقد آنست من وزير التعليم العالي و البحث العلمي كمال بداري قدرة على تحويل المعرفة إلى أداة لخدمة التنمية ، و راهنت في ذلك على خبرة الرجل العلمية و تمدرسه في أرقى الجامعات العالمية التي أسفرت عن نجاحات كثيرة لعل أهمها إسهاماته و الإطارات العاملة معه في وضع التصور الذي قاد إلى تشكيل المجلس الأعلى للجالية العلمية بالخارج الذي نعتقد أنه أول الغيث فما هو آت سيثلج صدر كل جزائري ، و يكمم في المقابل أفواه المتآمرين على الجزائر الذين يغيظهم أن يرووا جزائر شامخة لأنهم صناعة الرضوخ و أعداء كل شموخ.

من مهام المجلس الأعلى للجالية العلمية بالخارج و هو هيئة علمية استشارية بموجب المرسوم الرئاسي الصادر في سبتمبر 2026 : تقديم المشورة العلمية والتكنولوجية المعبرة عن خبرات الجالية في محاور التنمية الوطنية ، و اقتراح آليات مستدامة لربط الكفاءات بالمنظومة الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ، و المساهمة في التحول نحو اقتصاد المعرفة وتطوير قطاع البحث والتطوير بالجزائر. لقد نجحت الجزائر من خلال الإعلان عن ميلاد المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج في وضع توجهاتها الاستراتيجية و التنموية موضع التنفيذ و السير بها قدما نحو تنمية وطنية شاملة ، تغيظ الخصوم و تستفيد من مخرجات أحدث العلوم بما يسمح لها مستقبلا بمنافسة أرقى الدول في رسم المخططات التنموية و صناعة البدائل و التحول من استيراد التكنولوجيا إلى صناعتها و التحكم في زمامها. إنني بصفتي كادرا علميا ، أثمن تأسيس المجلس الأعلى للجالية العلمية بالخارج و أبارك للشعب الجزائري برمته هذا المولود العلمي الذي سيكون لبنة مهمة في عملية التنمية و ميزة أساسية للمجتمع الجزائري الراهن ، المتمسك بماضيه التليد و المتطلع إلى كل جديد في ظل ثقافة الحوكمة التي هي العاصم من كل الهزات التي قد يتعرض لها الاقتصاد في ظل التحولات و التقلبات الكبرى التي يشهدها العالم.

يتشكل المجلس الأعلى للجالية العلمية بالخارج من قامات كبيرة، لها بصمتها و حضورها على المشهد العلمي، تتنوع اختصاصاتها و اهتماماتها العلمية و لكنها تلتقي في النهاية لتشكل هيئة علمية وطنية، تضع نصب أعينها ترقية الوطن و الارتقاء به إلى مصاف الدول الكبرى و ما ذلك بعزيز على العقل الجزائري في بيئة جزائرية امتزجت في أديمها كل أشكال الحضارة من العصور القديمة إلى العصر الراهن ، بيئة مدحها الشيخ عبد الحميد بن باديس بقوله:” إن الطينة الجزائرية طينة علم و ابتكار إذا واتتها الظروف ” ( الآثار 152/4 ).

إن وصف البيئة الجزائرية بأنها بيئة طاردة للعلم من قبل بعض المثبطين، وصف ينم عن جهلهم بتاريخ الجزائر، إذ كيف تكون البيئة التي تعاقبت عليها حضارات كثيرة و شهدت ميلاد قامات علمية كبيرة بيئة طاردة للعلم ؟ !!، قد يكون لهذا الوصف ارتباط بتقاعس البعض، و لكن تعميمه على الجميع فيه ظلم لجهود العاملين على وصل السياسة بالمعرفة و التي أصبحت واقعا معيشا لا ينكره إلا مكابر في ظل ميلاد المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج ، الذي بدأ مشروعا نظريا و انتهى هيئة علمية تعد بالكثير.

لقد خصصت بعض مقالاتي بجريدة الشروق اليومي للحديث عن بعض القامات العلمية التي يضمها اليوم المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج ، و كانت أمنيتي أن تجد هذه القامات من العناية و الرعاية ما يمكنها من وضع خبرتها في خدمة الجزائر ، فتحولت الأمنية إلى حقيقة تثلج الصدر. لقد كتبت عن بلقاسم حبة و كمال يوسف تومي في مقالات مستقلة ، و كتبت عن الكفاءات العلمية الجزائرية بالخارج مجتمعة في مقالي المعنون : ” جامعات عالمية في الصدارة بجهد باحثين جزائريين ” ، و من الرسائل التي تضمنها هذا المقال ، هذه الرسالة الموجهة إلى الباحثين الجزائريين في الخارج : “رسالتي الثالثة أوجهها إلى الباحثين الجزائريين في الجامعات ومراكز البحث العلمي في القارات الخمس أن يجعلوا مساهمتهم في تطوير البحث العلمي في الجامعة الجزائرية شكلا من أشكال النضال الوطني ، وأن يتنازلوا عن بعض الامتيازات لصالح وطنهم. إننا نعقد آمالا كبيرة على استجابة نسبة معتبرة من باحثينا في الخارج لهذا النداء الوطني لأننا نأنس منهم روحا وطنية صادقة تضع الوطن فوق كل اعتبار. لقد سُررنا كثيرا بموقف بعض الباحثين الجزائريين ممن هُمِّشوا في جامعاتهم في فترة من الفترات والتحقوا بالجامعات العالمية ،كيف دفعتهم الوطنية إلى الاستجابة السريعة لنداء وطنهم واستعدادهم لوضع صفوة تجاربهم واختراعاتهم تحت تصرُّف الدولة الجزائرية”. ما كان أملا صار حقيقة، فاجتماع إرادة الغيورين على وطنهم تصنع المستحيل. يتشكل المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج من الكفاءات العلمية التي تم اختيارها على أساس الوزن العلمي و التخصصات الاستراتيجية ، و ممثلين عن وزارة التعليم العالي و البحث العلمي و الدفاع و الشؤون الخارجية و المالية ، و من مسيرين لمؤسسات اقتصادية موطنة بالخارج ، تعنى بمسائل الابتكار. و هذه التشكيلة تبين البعد الوطني لهذا المجلس ، حيث تلتقي الخبرة العلمية بالخبرة الميدانية ، و هو البعد الوطني الذي يسهم في بلورة عمل وطني متكامل و منسجم و متناغم لتحقيق التنمية الوطنية الشاملة.

يضم المجلس الأعلى للجالية العلمية بالخارج كفاءات كبيرة في أدق و أحدث التخصصات ، و هذا ينسجم مع توجه الجزائر لكسب رهان التكنولوجيا المتطورة من أجل مواجهة التحديات المعاصرة . مجلس تلتقي فيه خبرة إلياس زرهوني منسق المجلس الطبية الحيوية مع خبرة كمال يوسف تومي الهندسية الميكانيكية ، مع خبرة بلقاسم حبة و كريم زغيب في علم المواد ، مع خبرة ياسمين بلقايد في علم المناعة ، مع خبرة ليديا بوروبيا في الرياضات و الفيزياء ، من دون أن ننسى خبرات الأعضاء الآخرين الذين لم أذكرهم إنكارا لجهدهم بل اكتفاء ببعضهم فهم كالنجوم أيهم ذكر دل ذلك على من لم يذكر.

لكمال يوسف تومي مقولة منقولة عن العالم المصري الراحل الحائز على جائزة نوبل “أحمد زويل “، تلقفها بعض الجاهلين فجعلوا منها معولا لجلد الأمة و للتهوين من دورها في الاهتمام بالكفاءات العلمية ، و هي قوله : ” إن الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل”. أقول لكمال يوسف تومي و إخوانه في المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج ، هذه فرصتكم لتطوير خبرتهم و استثمارها للرقي بوطنكم ، و ها هي الدولة الجزائرية قد وفت بوعدها ،و فسحت المجال لكم لتبدعوا و تخترعوا فكونوا في مستوى ثقة وطنكم ، و ضعوا أيديكم في أيدي السياسيين لتثمر في النهاية نهضة وطنية شاملة و تنمية مستدامة ، و لا تعيروا اهتماما للراقصين في الظلام و المحترفين للتضليل الذين سيعملون من الآن على تحريك قواعدهم للتشويش عليكم و لثنيكم عن مهامكم الوطنية النبيلة التي اخترتم لها نيابة عن كل الجزائريين و ليكن شعاركم ” الكلاب تنبح و القافلة تسير “.

لي في النهاية مقترحان ، المقترح الأول أن يتم توسيع المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج ليضم كفاءات في التخصصات الأخرى و خاصة تلك التي يستفاد من خبرتها في المجالات الحساسة و الاستراتيجيات الضرورية لمكافحة الفكر الضال الذي يعمل على تشويه الإسلام و يحارب الوسطية و ينشر التطرف و الكراهية ، فهذه المجالات ضرورية أيضا لتحقيق الجانب الآخر من التنمية و هي التنمية الفكرية التي هي الأساس لحماية أمننا الفكري و الديني و حماية المرجعية الوطنية. و المقترح الثاني أن يتم تشكيل مجلس للكفاءات العلمية الوطنية بالداخل،  أو دمج المجلسين في مجلس وطني واحد إذ الغاية واحدة و هي خدمة الجزائر و تنميتها و تطويرها.

مقالات ذات صلة