الرأي

“المعلمون الأهالي”

عمار يزلي
  • 1614
  • 6

المدرسة الجزائرية اليوم، وبعد النتائج غير المريحة التي عرفتها منذ سنوات بسبب تقلُّب أمزجة المشرفين عليها في الوزارات المتعاقبة وميولها التغريبية، هي في أمسِّ الحاجة اليوم إلى العودة إلى الخلف قليلا والنظر في المرآة لمعرفة أصل الخلل ولبّ التخلف الذي حصل مع الخلَف، فالعمل المسستقبلي يبدأ بتأصيل التعليم عندنا وربطه في الوقت ذاته بمستجدات الحضارة الإنسانية.

يعود جذور هذا الإشكال في التوجُّه العلماني، لنخبة “المعلمين الجزائريين” (الأهالي)، الفرع الآخر غير الثاني في تيار “الشباب الجزائري” المشبَّع بالقيم العربية الإسلامية، والذي اتخذ منها مرجعيته الفكرية والثقافية، بينما اتخذت نخبة المعلمين الجزائريين، من الثقافة الفرنسية وقيمها مرجعية. وعليه، فإن نخبة المعلمين الجزائريين، وإن تشكَّلت ضمن دائرة “الشباب الجزائري”، فإنها قد مثَّلت الجناح الأكثر تفرنُسًا، أو كما يصفها محفوظ قداش، بالميل الأكثر ثقة في الفرنسة، وهو الميل الذي سيُنتج المتعلمين المختلطين، المنعوتين فيما بعد بالاندماجيين من قبل التيار الوطني الاستقلالي الإصلاحي.

هؤلاء المتعلمون المختلطون، المنحدرون من الطبقات الشعبية، خلافا لمجموعة مثقفي النخبة المنحدرين من الأرستقراطية الجزائرية، وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف، مفصولين عن الشرائح التي أنتجتهم بسبب تلبُّسهم بالقيم الغربية اللائكية، ودعوة المجتمع الجزائري إلى الاندماج النهائي في “الفرنسة”. ومن جهة أخرى، لا يرتقون إلى مصاف مثقفي النخبة، باعتبارهم مجرد “متعلمين أهالي” لا يشكِّلون ثقلا اجتماعيا نتيجة إخفاقهم في مشروع “رفع مستوى التحضُّر لدى الأهالي”، إضافة إلى أنهم لا ينتمون إلى عائلات كبرى ذات نفوذ اجتماعي وسياسي. وعليه، فسيبقى الكثير من هؤلاء المعلمين في حالة تذبذب حضاري بين الرغبة الذاتية في الارتقاء إلى مصاف “الفئة المتحضِّرة” (Les évolués)، وبين الكبح الموضوعي لهذه الرغبة.

في هذا السياق، يعبِّر السيد فاسي، الأمين العام لنقابة المعلمين الجزائريين لحقوق الإنسان، فرع وهران سنة 1921 عن هذا الحلم في جواب عن سؤال شارل اندري جوليان حول الانتفاضات الشعبية، متهما قادة الانتفاضات بـ”الرغبة في تعريض هؤلاء (الأهالي) إلى قمع أكثر وحشية وإلى إبادتهم”، واعتبر أن “..الدواء المقترَح: الوطنية، أخطر ألف مرة من المرض نفسه”، وليؤكد في الحديث ذاته المنشور بجريدة “صوت البسطاء” (La voix des humbles)، لسان حال مجموعة “المعلمين الأهالي”، أن “..الأهلي (الجزائري) الخاضع جدا، والمحترِم للسيادة الفرنسية، لا يطلب غير العيش في أمان. أما فيما يتعلق بالإسلام القومي، فإنَّ هذا غير موجود بعد..”.

هذا الموقف، هو الموقف الذي سيتبناه فرحات عباس، أحد تلامذة هذا التوجُّه، عندما سيعلن فيما بعد “..لو كنت اكتشفت وجود أمة جزائرية، لكنت وطنيا. لن أموت من أجل الوطن الجزائري، لأن هذا الوطن غير موجود(..)، لذلك أبعدنا عنا كل هذه الترّهات والأوهام، لنربط مستقبلنا، وبشكل نهائي بمستقبل العمل الفرنسي في هذا البلد”. موقفٌ بدأ في التغيّر ابتداءً من سنة 1943 ثم غيّرته جذريا أحداثُ 8 ماي 1945.

المدرسة الجزائرية اليوم في منعرج تاريخي نحو إصلاح في التوجُّه لا في الآليات: إصلاحات مستمدَّة من الرغبة الفعلية في الانتقال إلى “جزائر جديدة” قولا وعملا ومنهجا، أساس ذلك التأصيل مع المعاصرة، وهي الأزمة التي كثيرا ما نادت بها النخبُ الوارثة لتراث من العلوم كان المسلمون هم أهله وسادته. تأصيل في المناهج التعليمية، وتأصيل شامل في كل القطاعات.. من هندسة البناء إلى تخطيط المدن، إلى عقلنة التسيير وأخلقة العمل أيا كان هذا العمل، فكريا كان أم يدويا، مهنيا أم سياسيا.

مقالات ذات صلة