الجزائر
تحديات تربوية وصراع بين جيل اليوم وقيم الماضي

المعلم بين الأمس واليوم.. هيبة ومكانة تهددها التكنولوجيا

وهيبة.س
  • 1000
  • 0

في زمن تتسارع فيه وتيرة التكنولوجيا، لم يعد الهاتف النقال مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبح امتدادا للذات، ومصدراً للمعرفة، والتسلية، وحتى الهروب من الواقع، ففي قلب هذا التغير، تبرز علاقة معقدة بين ثلاثة أطراف وهم المعلم، والتلميذ، والهاتف النقال.. علاقة تجمع بين التواصل والانفصال، بين التعلم والتشويش، وبين الإمكانيات والتحديات، ويعود اليوم العلمي للمعلم المصادف لـ 5 أكتوبر من كل سنة، ليطرح إشكالية العلاقة الثلاثية بين المعلم والتلميذ والهاتف النقال، فمن الأداء إلى التحدي التربوي، وبين الأمس واليوم، مسيرة عطاء وواقع متغير..

وحول موضوع الصورة الوجدانية للمعلم عند التلاميذ بين الأمس واليوم، أكد المختص في علم النفس التربوي عبد الحليم مادي، أن الاحتفال باليوم العالمي للمعلم، هو تكريم لدوره المحوري في بناء المجتمعات، وتقديرا لرسالته التربوية النبيلة، لكن المناسبة فرصة للتأمل في واقع المعلم اليوم.

وقال إن المعلم في الماضي، كان ينظر إليه كقدوة ومصدر للعلم والحكمة، فلم تكن أدوات التكنولوجيا متوفرة، ولا كانت الدروس مسجلة أو متاحة على الإنترنت، وكان صوت المعلم هو المرجع الوحيد، وكلمته مسموعة في القسم والحي والمجتمع.

عبد الحليم مادي: المدرس لم يعد المصدر الوحيد للمعلومة

ويرى مادي، أن صورة المعلم مربوطة بالقيمة والرسالة التربوية، فإذا كان يخدم رسالته يكسب الاحترام، وعلى قدر التزامه بالقيمة التربوية والتعليمية يجذب انتباه التلميذ إليه، مشيرا إلى أن المؤسسة التربوية مؤسسة اجتماعية، والمدرسة هي المجتمع تتأثر بالتغيرات الثقافية الاقتصادية والاجتماعية، فإذا انتشرت المهمات النبيلة، يحترم الأساتذة كغيرهم في المجتمع، وإذا انتشرت المفاسد، أثر ذلك على العلاقة بين التلميذ والمعلم.

وقال إن المنظومة التربوية تغيرت، أين كان التلميذ يتعلم في المدرسة ويلعب فيها ويتلقى داخل محيطها ذكريات جميلة، فاليوم المدرسة لم تعد مرتبطة بالمتعة، خاصة بعد زيادة الحجم الساعي، وتغير الصيغة التعليمية، مضيفا: “كان التلميذ يتعلم من أجل التعلم والتقدم، اليوم يتعلم من أجل صراع اجتماعي، ربطوا التلميذ بالعقد النفسية والاجتماعية، حيث بات المجتهدون مضغوطين، وغيرهم أيضا مضغوطين.. سباق تعلمي ليس من أجل التقدم المعرفي بقدر ما هو صراع من أجل المكانة الاجتماعية، فالعلاقة بين التلميذ والتلميذ هي الأخرى تغيرت”.

وتأسف عبد الحليم مادي، من انتشار العقد النفسية بين التلاميذ وبمساهمة بعض الأولياء، بحيث تولدت منافسة عدوانية، ولم يعد المعلم في ظل هذه التوترات ذلك الشخص الذي يجذب إليه التلاميذ ويجعلهم يحبون الدراسة برغم الفوارق في الترتيب، والنقاط المتحصل عليها.

ولكن يبقى المعلم برغم التحولات الحاصلة والتغيرات الاجتماعية، حاضرا في وجدان الكثير من التلاميذ سواء أبناء الأمس أو اليوم، بحيث علق متحدثنا قائلا: “بين الأمس واليوم، تغيرت الأشكال، وتبدلت الوسائل، لكن جوهر رسالة المعلم يبقي ثابتا في بناء العقول، تهذيب النفوس، وغرس القيم.. فهل المدرسون الشباب مستعدون لخوض هذا التحدي التربوي الجديد؟”

أساتذة.. بين الرفض والتأقلم مع التكنلوجيا

ورغم وجود تفاوت في تعامل بعض المؤسسات التربوية مع الهواتف النقالة التي تكون بحوزة التلاميذ، إلا أن هناك من قامت بالمنع الصارم داخل محيطها، فقد أعلنت متوسطة الإخوة معمري بالقليعة، تزامنا مع اليوم العالمي للمعلم، عن انطلاق عمليات تفتيش عن الهواتف النقالة وسط التلاميذ، مؤكدة في بيانها، أن أي هاتف يحجز سيسلم للإدارة وسيتم إرجاعه في آخر السنة الدراسية، بحسب القانون الداخلي الذي صادق عليه الولي، ولا يحق إلا للولي الشرعي استرجاع شريحة الهاتف.

وفي السياق، أكد عبد الحليم مادي، أن دور المعلم اليوم، لم يعد يختصر في المعرفة، بل أيضا تربية التلميذ على كيفية التعامل مع التكنولوجيا، قائلا إن الدراسات التربوية الحديثة تشير إلى أن الاستخدام المفرط للهاتف داخل إطار المؤسسة التربوية يؤدي إلى تراجع التركيز والتحصيل الدراسي، لكنه في المقابل، يعتبر وسيلة فعالة لتحفيز التعلم التفاعلي إذا تم توظيفه بشكل مدروس.

وقال إن المشكلة ليست في الهاتف بحد ذاته، بل في غياب التوازن والرقابة، سواء من الأسرة أم المؤسسة التعليمية.

يجب على الأساتذة أن يكونوا قدوة في القسم

وأشار ذات المختص أن المنع الصارم للهواتف النقالة بين التلاميذ خطوة جيدة، لكن في مقابل ذلك يجب أن يمنع الأساتذة والمعلمون من حمل هواتفهم والانشغال بها داخل القسم وأمام التلاميذ، خاصة بحسبه، أن الفكرة جيدة إذا اقترنت بتكوين المعلمين على استراتيجيات إدماج التكنولوجيا في التدريس، مع التخلص من إدمان الهواتف، والاهتمام به أمام المتمدرسين.

وعلق قائلا: “اليوم نجد الكثير من الأساتذة هم من يشوشون على التلميذ بهواتفهم، فعليهم أن يمنحوا صورة إيجابية بتصرفاتهم، لأن التلميذ يقتنع بما يرى أكثر مما يسمع”.

وفي ما يتعلق بالآثار النفسية للعلاقة الثلاثية بين المعلم والتلميذ والهاتف النقال، أوضح مادي، أن على الأستاذ أن يزيد من مردوده التربوي، ويركز على بناء أجيال صاعدة، فلما يتخلى عن الهاتف في القسم يصبح قدوة حسنة للتلميذ، فالعلاقة الثلاثية هذه، بحسبه، تبقى معقدة، تتطلب وعيا جماعيا وتعاونا بين جميع الأطراف، وباعتبار الهاتف ليس عدوا ولا صديقا، بل أداة يمكن أن تصنع الفارق إذا أُحسن استخدامها، فإن العلاقة بين المعلم والتلميذ بحسبه تصبح ثنائية مرتبطة بالرسالة والقيمة التربوية.

الهاتف الذكي في قلب الفصل الدراسي

وقال العديد من الأستاذة عبر منصات التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، في يومهم العلمي: “إننا نشعر اليوم بأننا ندرس تلاميذ أجسادهم في القسم، لكن عقولهم داخل هواتفهم”، فالإحباط المتزايد بحسبهم من استخدام الهواتف سواء في القسم أو داخل المؤسسة التربوية أثر على العلاقة الثنائية بين التلميذ والمعلم الذي يجد بعض تلاميذه منشغلين بتصفح وسائل التواصل أو تصوير مقاطع الفيديو القصيرة.

ورغم أن لبعض الأساتذة الذين يدرسون في الأطوار الثلاثة للمنظومة التربوية في الجزائر، رأيا آخر، بحيث يعتبرون أن الهاتف وسيلة تعليمية فعالة، إذا ما أُحسن استخدامه، وهذا بحسب أحد المدرسين في الطور المتوسط، الذي علق عبر صفحته الخاصة، قائلا إنه يطلب من التلاميذ البحث عن معنى كلمة أو مشاهدة فيديو توضيحي، ويسجل تفاعلا إيجابيا وانطباعا محمودا عند أغلب هؤلاء التلاميذ، في حين يعترف أساتذة آخرون سواء التعليم المتوسط أم الثانوي، بأن الهواتف النقالة تجعل التلميذ في صراع دائم بين المعرفة والتشتت، رغم أن هذه الأداة متعددة الاستخدامات، فبحسب هؤلاء، فإن التلاميذ في حد ذاتهم اشتكوا من تسبب الهواتف النقالة في تشتت أفكارهم، رغم أن بعضهم استطاعوا أن يجدوا فرصة لمزيد من التعلم والمعرفة خارج إطار الدروس التي تقدم في القسم.

مقالات ذات صلة