المعلّم المثاليّ
مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي “مغارس” للقيم السامية والمبادئ العالية، ولم يسجل التاريخ أن أحدا منهم خان وطنه، أو وهن لما أصابه، أو اسْتكان لعدوه.. فاستشهد من كتب له الله، عزّ وجل، الشهادة مقبلا غير مدبر، وفرح بنصر الله من نسأ الله في أجله.
ولما كان الإمام المجاهد عبد الحميد هو نفسه «فنّاً في الرجولة» (جريدة البصائر في 2/5/1949، ص 2)، فإنه كان يُعِدُّ طلبته “لمراتب الرجولة”، (آثار الإمام الإبراهيمي ج 4، ص 150).. وشتّان ما بين الرجولة والذكورة، وكم كانت أمتنا العربية والإسلامية بعدما انعدمت – أو كادت تنعدم – فيها الرجولة، لأن أكثر مؤسساتها التعليمية والدينية أُسْنِدَت لمن لا تُوجد في قاموسهم “مادة الرجولة”.. وفاقد الشيء لا يعطيه.
من طلبة الإمام عبد الحميد بن باديس، محمد بن العابد الجلاّلي (نسبة إلى بلدة أولاد جلاّل)، الذي ولد في عام 1890، أي يصغر أستاذه بسنتين اثنتين فقط.
استظهر كتاب الله في بلدته وأخذ مبادئ اللغة والدين، ثم توجّه تلقاء مدينة قسنطينة لينضم إلى مُحضّري إعداد الرجال تحت إشراف “الإمام – الرجل” عبد الحميد بن باديس، فكان أحد مَنْ سَمّاهم الشاعر عبد القادر سَلامات من مدينة عين صالح “البوادس”، أي تلاميذ الإمام ابن باديس وأنصاره.
ثم نزل إلى ميدان الجهاد فكان كاتبا في المنتقد والشهاب والبصائر مستعيرا أحيانا اسم “رشيد”.
ومارس التعليم في عدة مدارس (التربية والتعليم بقسنطينة، إحياء العلوم في العلمة، التربية والتعليم في بسكرة، العرفان في عين مليلة).. فكان متميزا وممتازا، فلقّبه الإمام ابن باديس “المعلّم المثالي” (فوزي مصمودي: أعلام من بسكرة، ج 1، ص 74).
لقد كان للشيخ محمد بن العابد آراء في ميدان التربية، وهذه الآراء ليست ممّا قرأه في الكتب والمجلات، ولكنها من تجاربه الميدانية.. وكان “رائد الأنشودة الوطنية”.
ولأن الشيخ محمد بن العابد كان ذا همة، فقد سَمَتْ به هذه إلى أن يغامر، فأسس جريدة في سنة 1934 سماها “أبو العجائب”، وكان يساعده في تسييرها أحد أعمدة الحركة الإصلاحية وهو أحمد بوشمال، أخلص خلصاء الإمام ابن باديس، ولكنها وُئِدَت من طرف فرنسا بعد عشرة أعداد لأنها لم تحمل لهجتها الوطنية الصادقة.
وقد ساهم الشيخ ابن العابد في ميدان تأليف الكتب منها “تقويم الأخلاق” (1927)، و”الأناشيد المدرسية لأبناء وبنات المدارس الجزائرية” (1939)، ويا حبذا لو تُجمع مقالاته التي نشرها في الصحف والمجلات.
لقد جمع الشيخ ابن العابد بين الجهاد العلمي والفكري وبين النضال السياسي، حيث كان عضوا في خير جمعية أُخرجت للناس، ومناضلا في حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية.
وما إن أُعلنَ الجهاد المسلح حتى نفر للجهاد في سنة 1955، وقد قبضَ عليه بنواحي الخروب، وقدّم للمحاكمة فَحُكِمَ عليه بعشر سنوات، فقال لأعضاء المحكمة: “مَنْ زَعَمَ لَكُمْ أنكم ستظلون هنا طوال العشر سنوات الآتية؟” (فوزي مصمودي – مرجع سابق، ص 79)، ومن تلاميذ الشيخ ابن العابد المجاهد الشهيد الرمز محمد العربي بن مهيدي.. أسلم الشيخ روحه إلى بارئها في 20 فبراير 1967، وأهدي هذه الكلمة لمعلمينا في يومهم الوطني 5 أكتوبر.