“المغرب يسعى لتحييد الجزائر والاستحواذ على الطريقة التجانية”
التصوف لعب دورا كبيرا في وقف زحف التطرف في السنغال
صدر مؤخرا للأستاذ ياسين قلوش كتاب “رحلتي إلى السنغال” يرصد فيه تأثير الزوايا الصوفية في حياة الناس هناك، ويعتبر الكتاب مهما على أكثر من صعيد، وهو جزء من مشروع بحثي أوسع حول التصوف والمتصوفة في الجزائر والسنغال، يعده المؤلف في جامعة وارسو.
وفي هذا الحديث القصير مع “الشروق”، يتوقف صاحب الكتاب عند أهمية التصوف في السنغال وامتداد الزوايا الصوفية الجزائرية هناك، وكيف يمكن لهذا الامتداد أن يشكل ثقلا دبلوماسيا للجزائر في إفريقيا، لو عرفنا كيف نستغله، خاصة وأن دول الجوار تسعى جاهدة لتحيد الجزائر من هذا الملف عبر نسبة الطريقة التجانية إليها.
ارتبط الإسلام في السنغال بالطريقة الصوفية، حيث انتشرت عدة طرق هناك، أهمها الطرق القادرية والشاذلية والتيجانية. وهي طرق وصلت إلى السنغال عبر الجزائر، وخاصة التيجانية، فهي جزائرية المنشإ. هل لمست هناك هذا الامتداد؟
بالتأكيد. فكما ذكرت في مقدمة الكتاب البروفيسورة كاثرينا باخنياك: قال لي مؤلف هذا الكتاب ياسين أثناء عرض نتائج بحثه: “بالنسبة للسينغاليين، لا يكتمل إسلام المرء إلا إذا كانت له طريقة ينتمي لها، ولا يتصور أحد أنه مسلم إذا لم يكن له شيخ يتبع له”، وهو ملخص شاف وكاف لتجربته التي عاشها في السنغال.
فالإسلام الموجود في السنغال هو الإسلام الصوفي الطرقي فقط. والناس هناك يتفاخرون بطرقهم الصوفية وأيها أكثر عددا. وأبرز الطرق الصوفية هناك: الطريقة المريدية، الطريقة التيجانية، الطريقة القادرية، الطريقة اللائية (أو اللاهينية). والطريقة التيجانية منبعها وأصلها جزائري ولها نفوذ كبير في السنغال بسبب عدد أتباعها، وتأتي في المرتبة الثانية بعد المريدية الطريقة السنغالية. وكان يمكن للجزائر استغلال هذا النفوذ بشكل أكبر.
من خلال رحلتك في السنغال، إلى أي مدى وقفت على صدق المقولة التي ترى بأن التطرف في إفريقيا والإسلام السياسي يهدد التصوف والإسلام المعتدل هناك؟
من خلال ما رأيته وما عشته هناك، أعتقد أن العكس هو الصواب. أقول بأن الإسلام الصوفي المعتدل في السنغال وتمسك الناس به هو الذي يدرأ المتشددين والأصوليين ويقطع الطريق أمام الإسلام السياسي في السنغال. وأنا أرى مثل كثير من الباحثين بأن الصوفية والتفاف الناس حولها هي سبب الاستقرار السياسي والأمني الذي تتميز به السنغال عن غيرها من دول إفريقيا، وخاصة دول غرب إفريقيا. من المعلوم أن السنغال هي الديمقراطية الأكثر استقرارا في إفريقيا.
بعض الزوايا الصوفية التي انطلقت من الجزائر “الطريقة التجانية”، لها امتدادات في إفريقيا، لكن الجزائر حتى الآن لم تعمل على استغلال هذا الامتداد لحشد الدعم لمواقفها في القارة. ما تعليقك؟
في اعتقادي، أن نفوذ الطرق الصوفية في السنغال غير محدود، وهي جزء من عقيدة الشعب. فعلى سبيل المثال الطريقة المريدية التي أسسها الشيخ أحمد بمبا السينغالي، تدير وتسير مدينة كاملة عدد سكانها يتجاوز مليوني ساكن (مدينة طوبى أو “توبة”)، والحكومة لا يمكنها أن تتصرف أو تقوم بأمر في المدينة إلا بعد أخذ الإذن من الشيخ الخليفة العام للطريقة المريدية. وهذه المدينة في المرتبة الثانية اقتصاديا بعد دكار، وهذا بسبب الزراعة التي يقوم بها أتباع الطريقة المريدية تنفيذا لوصية الشيخ أحمد بمبا المؤسس، وكل العوائد تذهب إلى الطريقة المريدية. فلك أن تتصور حجم النفوذ الذي تتمتع به الطريقة التجانية ذات المنشإ الجزائري، وما يمكن أن تحققه الجزائر لو استغلت هذا النفوذ. وهي في المرتبة الثانية في السنغال من حيث عدد الأتباع بعد المريدية.
لكن المغرب يسعى جاهدا لاستغلال نفوذ التجانية والادعاء أن التجانية طريقة مغربية. فكما نعلم الشيخ أحمد التجاني ولد بالجزائر وأسس طريقته التجانية بالجزائر، وهي نسبة إلى قبيلة بربرية جزائرية، لكنه توفي ودفن في المغرب الأقصى ولهذا تنازع المغرب الجزائر في أصل هذه الطريقة، وتقيم (المغرب) الملتقيات والمؤتمرات الدولية لأتباع التجانية.