المقاومة تعتمد نهجا جديدا للقتال.. وهذه الرسائل التي أرادت إيصالها
مع دخول حرب غزة يومها 445، اتخذت المعارك التي تقودها المقاومة الفلسطينية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في شمال غزة منحى جديدا على مستوى تكتيكات القتال والمواجهة، يتناسب مع مقتضيات المرحلة الراهنة وتطوراتها الميدانية.
وشهدت الأيام الأخيرة تنوع العمليات القتالية التي نفذها مقاتلو المقاومة ضد جنود الاحتلال بين قنص واشتباك من المسافة صفر واستخدام الأحزمة النارية والعمليات الاستشهادية والطعن بالسكاكين والتنكر في زي عسكري إسرائيلي.
وأسفرت هذه العمليات عن مقتل 60 ضابطًا وجنديًا في صفوف جيش الاحتلال (17 منهم قنصًا) منذ بدء عمليات الشمال قبل أكثر من شهرين، بحسب تصريحات الجناح العسكري لحركة حماس، كتائب القسام، فيما قال المحتل إن عدد قتلاه 35 ضابطًا ومجندًا فضلا عن عشرات الإصابات في صفوفه.
وحسب الخبراء والمحللين تعكس العمليات النوعية المتصاعدة للمقاومة تحول الوضع إلى حرب استنزاف كاملة لجيش الاحتلال الذي يواجه نقصا في أعداد الجنود، الأمر الذي دفعه للاستعانة بمزيد من قوات الاحتياط.
وتتميز هذه العمليات بعنصر المفاجأة وعدم القدرة على كشفها استخباراتيًا ولا تقنيًا، كما تعتبر نقلة نوعية في تكتيكات المواجهة التي تعتمد على مبدأ الفردانية والذئاب المنفردة.
تغيرات تلائم المرحلة
ويعكس التحول في عمليات المقاومة من الاستهدافات بعيدة المدى إلى تكتيك الذئاب المنفردة، القراءة الموضوعية الدقيقة لتطورات المشهد، فالقدرات العسكرية للفصائل لم تعد كما هي منذ بداية الحرب قبل 14 شهرًا.
وفي هذا الصدد، قالت مصادر من حركة حماس لـجريدة “الشرق الأوسط”، إن العمليات الأخيرة نُفذت وفق ظروف ميدانية في ظل الهجمة المسعورة الكبيرة التي تنفذها القوات الإسرائيلية في مناطق شمال قطاع غزة، وتحديداً مخيم جباليا، وبلدة بيت لاهيا.
وأضافت المصادر ذاتها “المقاومون في الميدان هم من يقررون مصيرهم بأنفسهم وبدون تعليمات قيادية عليا، لكنهم يضعون من هم أعلى منهم رتبة أو رفاقهم بمخططاتهم ويتحركون وفق ذلك، وبناءً على هذا التدرج يتم الإبلاغ بتلك العمليات، وبعضها أحياناً تكون مرت عليه ساعات، وفي بعض العمليات كان يتم الإعلان بعد يوم أو يومين، وفق إتاحة الظروف الميدانية لذلك”.
ولعل هذا يفسر ما كان يردده “أبو عبيدة”، الناطق باسم “كتائب القسام”، في خطاباته الأخيرة قبل أشهر قليلة، حين أكد استعدادهم لحرب استنزاف طويلة، بالإشارة منه إلى استخدام تكتيكات “حرب العصابات”.
وأمام المعادلة غير المتكافئة والتي تميل لصالح جيش الاحتلال ما كان أمام المقاومة سوى اللجوء إلى مثل هذه التكتيكات، التي تكون أقل احتياجا للسلاح الثقيل، وأكثر مرونة في التعاطي مع التطورات الميدانية والأكيد أنها تضاعف حالة الرعب داخل صفوف جيش الإحتلال، وتجعل الحصيلة تقيلة وموجعة.
رسائل ثبات وصمود
وبمثل هذه العمليات النوعية الدقيقة، تكون المقاومة قد أرسلت حزمة من الرسائل الباعثة على الصمود والثبات والاستمرارية سواء للداخل الفلسطيني والكيان المحتل وللمجتمع الدولي برمته.
كما تأكد المقاومة أنها لا تزال قادرة على التكيّف مع مسرح العمليّات في قطاع غزَّة وهذا ما تُثبته البراعة والتّكتيك في أنماط وأساليب عملياتها المختلفة حيث القيادة والسيطرة لدى المقاومة متماسكة.
من جهة أخرى أثبت المقاومة نجاحها الاستخباراتي، إذ تعتمد مثل تلك العمليات النوعية في المقام الأول على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، بداية من تحديد الهدف بدقة متناهية، ودراسة جغرافيا العملية بكل تفاصيلها بحرص شديد، والعناية الفائقة في التنفيذ، الاقرب للانتحار منه للعمليات التقليدية التي تحتمل ثنائية النجاح والفشل.
كما أن بث تلك العمليات عبر مقاطع مرئية على منصات التواصل الاجتماعي وبتلك الدقة في التصوير والمونتاج والإخراج يبرهن على حضور المقاومة ميدانيًا بشكل كبير، وقدرتها على إدارة المشهد من كافة جنباته.
وعلى صعيد مغاير، فإن تزامن تلك العمليات النوعية التي تكبد الاحتلال خسائر فادحة في صفوفه، والتكثيف منها، مع المفاوضات الجارية حاليًا بشأن صفقة تبادل رهائن واتفاق لوقف إطلاق النار، يحمل بين طياته رسالة مباشرة وواضحة تحاول المقاومة إيصالها للجميع، المفاوض والوسطاء، بأنها تفاوض من منطلق قوة لا ضعف، من وضعية الثبات لا التقهقر، وأنها ماضية في حرب الاستنزاف تلك حتى أخر مقاتل بين صفوفها.