المكتبات الرصيفية.. كنوزٌ وكتب نادرة بأثمان بخسة
تحوَّلت ساحة البريد المركزي إلى فضاء لانتشار تجارة الكتب القديمة، التي باتت تستهوي الشباب وحتى المسنين الذين يرون فيها متنفسا وفرصة لربح دنانير إضافية، وساهمت هذه التجارة إلى تشكيل نوع جديد من المكتبات “الرصيفية” التي تعرض أنفس الكتب والمؤلفات لكبار المؤلفين والأدباء من مختلف أنحاء المعمورة، والتي تعرض للبيع على طاولات وأفرشة توضع على الرصيف، وتشهد هذه المكتبات إقبالا متزايدا للمتعطشين للقراءة، حيث يجدون فيها الكثير من المؤلفات النادرة التي غابت عن المحلاََّت والمكتبات الرسمية.
ساهم الرواج الكبير لتجارة الكتب القديمة والمستعملة، إلى استحداث مؤسسات قائمة بذاتها تعمل على شراء الكتب من المواطنين وتعيد بيعها لممتهني تجارة بيع الكتب على الطاولات والأرصفة، وتعمد هذه المؤسسات إلى وضع ملصقات إشهارية في الحافلات والساحات العمومية تعرض من خلالها خدمات شراء الكتب من المواطنين، هذا ما أكده لـ”الشروق” السيد محمد عمراني أحد تجار الكتب القديمة بساحة البريد المركزي بالعاصمة، والذي كشف أنه يمتهن هذه التجارة منذ 14 شهرا، ووجد فيها العديد من الفوائد المالية وحتى الثقافية حيث تحوَّل إلى مُطالع وفيّ لعدد كبير من الكتب في مقدمتها المؤلفات الدينية، ما جعله يكتسب ثقافة إسلامية واسعة تضاهي ثقافة طلاب الجامعة، على حد قوله، مؤكدا أن تجارة الكتب تحولت إلى هواية “تجري في الدم” وساعدته على اكتساب الكثير من الأصدقاء من بينهم دكاترة وأساتذة في الجامعة وأطباء يقصدونه عند نهاية كل شهر لشراء الجديد من الكتب القديمة.
وقال المتحدِّث إنه يبيع ويشتري الكتب في نفس الوقت، ما يجعل مكتبته التي تحتوي على 400 كتاب، تتجدد في كل يوم، وهو ما يساعده على استقبال المزيد من الزبائن، وفي مقدمتهم الباحثين وأساتذة الجامعة وحتى الطلبة الذين يبحثون عن كتب ومؤلفات في التخصصات التي يدرسونها.
وعن أسعار الكتب المعروضة، أكد محدثنا أنها في متناول الجميع وتتعلق بحجم ونوعية الكتاب ووضعيته “قديم أو جديد”، مؤكدا أن الكتب الدينية هي الأرخص ثمنا بسبب وفرتها، حيث تقدر كتب الغزالي بأسعار تتراوح بين 130 و150 دج ومن أكثر الكتب رواجا للغزالي كتاب “جدد حياتك” الذي سوق بـ 140 دج، بالإضافة إلى كتب تفسير الأحلام التي تعرف أيضا رواجا كبيرا وسط الطالبات والنساء من مختلف الأعمار، وبالنسبة لمؤلفات مالك بنبي فإنها تعرض بأسعار تتراوح بين 110 و240 دج وهي كثيرة الطلب أيضا من طرف الجامعيين والأساتذة”.
إقبالٌ واسع على الكتب الدينية والثقافية والتاريخية والعلمية القديمة
من جهته، أكد السيد بلوط كريم أحد التجار الأوفياء للكتب القديمة، أن هذه التجارة من شأنها أن ترفع من المستوى الثقافي للمواطنين وتحفز الناس على البحث والمعرفة، وتساهم أيضا في انتشال الشبان من آفة البطالة والفراغ بامتهان هذه التجارة التي تعود عليهم بأرباح يومية تتراوح بين 700 و1500 دج “لا ينقضي يوم إلا ونبيع بين 10 و30 كتاباً من مختلف التخصصات”، وفيما يتعلق بمصدر الكتب التي يبيعها، قال إن جمع الكتب أمرٌ صعب للغاية، حيث يقتنيها أحيانا بالمجان من بعض الناس الذين لا حاجة لهم بها، ويرغبون في التخلص منها لكونها قديمة جدا، خاصة الذين يمتلكون مكتبات منزلية، حيث يعاودون بذلك بيعها بأثمان معقولة تتراوح بين 150 و1500 دج للكتاب حسب نوعيته وحجمه، وبذلك تختلف عن أسعار المكتبات، وأضاف المتحدِّث أن غالبية الزبائن ممن يقبلون على هذه الكتب هم من الأستاذة وطلبة الجامعات وبعض محبي المطالعة وجمع الكتب، وحسبما شاهدناه في مختلف الطاولات، فإن هذه الكتب تتنوع بين الدينية والثقافية والتاريخية والعلمية أيضا، إضافة إلى الروايات المختلفة، ويحرص هؤلاء الباعة على اختيار أفضل الأماكن التي تشهد حركة لا تنقطع طوال اليوم، وهو الأمر الذي يضمن لهم تسويق ما في جعبتهم من كتب مستعمَلة.
وفي السياق ذاته، أكد أحد الباعة الذي رفض ذكر اسمه وحتى تصويره أنه يعمل على ترويج الكتب والمجلات النادرة التي لا توجد في المحلات والمكتبات، وبأسعار معقولة ما ساهم في كثرة الإقبال عليها، وكشف أن الأجانب من أكثر الأوفياء لشراء الكتب القديمة والخرائط النادرة، وتجدهم يدفعون بسخاء كبير، لتشجيع التجار على بيع المزيد من الكتب القديمة في مقدمتها المؤلفات التاريخية، وأضاف محدثنا أنه ينشط بشكل غير رسمي ولا يملك أي رخصة لبيع الكتب على الطاولات، غير أن السلطات تشجع هذه التجارة لفائدتها الكبيرة على المجتمع.