الجزائر
أضرارها أكثر من منافعها

الممهلات العشوائية.. ضربة للاقتصاد وتهديد لسلامة المواطن

سمير مخربش
  • 4011
  • 10
الشروق

تعرف الممهلات انتشارا واسعا عبر بلديات الوطن، وأغلبيتها توضع بطريقة عشوائية لا تتوافق مع الشروط والمعايير المعمول بها، وقد أصبحت هذه الكتل الضخمة تخضع للمزاجية والعفوية، وإذا كانت فيها منافع للناس فضررها اليوم يضاهي نفعها، وأضحت فعالية الممهل مثيرة للجدل.
لقد انتشرت الممهلات العشوائية كالفطريات، وهي في تزايد مستمر، وزرعها بهذه الطريقة له في نظر البعض مبررات، وحسب إحصائيات وزارة النقل في سنة 2021 يوجد في الجزائر 50 ألف ممهل على المستوى الوطني، منها 38 ألف ممهل لا يستجيب للمعايير التقنية والشروط القانونية، أي ما يعادل 76 بالمائة تدخل في خانة اللاشرعية، تنتشر كلها عبر الطرقات الوطنية والولائية والبلدية والحضرية. وهي نسبة مرعبة تطرح أكثر من تساؤل حول هذه الكتل الإسفلتية والدور المنوط بها. فهل ساهمت الممهلات فعلا في انخفاض حوادث المرور؟ وهل هي محل رضا من طرف عامة الناس؟ وقبل الحديث عن الممهلات التي يضعها المواطنون من تلقاء أنفسهم، هل تكتسي الممهلات التي تنجزها المصالح البلدية والولائية طابع الشرعية؟ ألا تخلف هذه الممهلات أضرارا على المركبات والاقتصاد الوطني عامة؟ ومن المستفيد في نشرها بأعداد هائلة عبر الطرقات؟ هي أسئلة طرحناها بفروعها على مختصين في الميدان لوضع الممهل في الميزان.

ممهلات تحولت إلى مهلكات
لقد عرَّف المشرع الجزائري الممهلات بأنها تهيئة موضوعة على عرض الطريق، وبشكل عمودي لمحورها قصد إجبار سائقي السيارات على تقليل السرعة من أجل الحفاظ على أمن الراجلين، لاسيما قرب المؤسسات التربوية أو الصحية أو العمومية التي تستقبل المواطنين.
لكن الملاحظ أن الممهلات أصبحت تخضع للعشوائية، ولا يحكمها أي ضابط، وكل من هب ودب بإمكانه أن يضع ممهلات لم يعد دورها يقتصر على تخفيض سرعة السائق فقط، بل أصبحت تشكل خطرا عليه. وقد تتسبب هي الأخرى في حوادث مرور خطيرة بالنظر للارتفاع المعتمد في انجازها والذي يصل في بعض الأحيان إلى 40 سم.
فحسب المختصين، إذا كانت السيارة تسير بسرعة 60 كلم في الساعة وتمر بممهل يزيد ارتفاعه عن 20 سم بإمكانها أن تنقلب، وينتج عنها حادث مرور خطير. والذهنية المنتشرة حاليا تصب في خانة الانتقام من سائق المركبة، الذي يفرض عليه دوما ارتداء لباس المتهم عند وقوع أي حادث، ولا يتم التعامل معه كضحية.
وإلى جانب الخطورة التي تشكلها الممهلات على السائق، الذي قد يفقد التوازن والتحكم في المركبة وقد يتسبب في حادث جسماني، هناك كذلك ضرر يلحق بالمركبة في حد ذاتها لعدم قدرتها على تجاوز هذا الارتفاع بسلام. والأمر يتعلق خاصة بالسيارات الحديثة والألمانية على وجه التحديد والتي لا يزيد علوها عن الأرض عن 14 سم.
وحسب السيد عومار مسعودي وهو ميكانيكي بمدينة سطيف، فإن الاصطدام بممهل يلحق أضرارا جسيمة بالمركبة، ويتسبب مباشرة في كسر الأجزاء السفلية للسيارة بدءا من كاتم الصوت والكارتير ولوحات الكبح والنوابض والعجلات، وغيرها من القطع التي تتأثر بهذا النوع من الصدمات. ويضيف محدثنا الذي التقيناه بورشة الميكانيك، أن أغلبية الأعطاب التي تصيب السيارات سببها الممهلات العشوائية، وأغلبية الوافدين على مستودعات الميكانيك يلجأون إلى تغيير هذه القطع بشكل دوري، وكل ذلك بسبب الممهلات.
وأما السيد شريف الشيخ، عضو النادي الاقتصادي بسطيف، والمختص في البناء والتعمير فيقول أن الممهلات العشوائية في الجزائر ألحقت أضرارا جسيمة بالمركبات، بل ساهمت في إنقاص عمر المركبات، التي أصبحت تتآكل في فترة قصيرة عكس ما كانت عليه قبل وضع الممهلات في الطرقات، سواء كانت مصنوعة من الإسفلت أو تلك المدعمة بمسامير وقطع حديدية. وفي كل الحالات يقول محدثنا يجد السائق نفسه عرضة لصدمات تخرب مركبته وتصيب خاصة الأجزاء السفلية، وليس له خيار سوى الاستسلام للأمر الواقع، أو محاولة الاجتهاد في تجاوز الممهل بالعرض وتغيير الاتجاه، وفي هذه الحركة خطر آخر قد يؤدي الى الاصطدام بمركبة أخرى تسير في الاتجاه المعاكس.

الشركات الأجنبية المستفيد الأول من الممهلات
أصبحت الممهلات المنشط الرئيسي لتجارة قطع الغيار، التي زاد عليها الطلب مع تزايد هذه الكتل، فالأعطاب الناتجة عن الصدمات تعني استهلاك إضافي لقطع الغيار، وهو الإشكال الذي يعاني منه خاصة أصحاب سيارات الأجرة الذين يؤكدون بأنهم مضطرون إلى تغيير لوحات الفرامل، والنوابض في ظرف قصير عكس ما كان عليه الوضع في السابق، وكل ذلك بسبب صدمات الممهلات. وحسب الميكانيكي عومار مسعودي فإن هناك سيارات أجرة يضطر أصحابها إلى تغيير لوحات الفرامل مرة كل شهر، وهي الفئة الأكثر تضررا من الممهلات.
وأما السيد بشير الشريف وهو مستورد لقطع الغيار فيؤكد أنه كان في السابق يستورد في الشهر 4 حاويات من قطع الغيار التابعة لنظام الفرملة، لكن حاليا بعد زرع الممهلات أصبح يستورد 70 حاوية في الشهر.
وهنا يتدخل مرافقنا السيد شريف الشيخ، عضو النادي الاقتصادي بسطيف فيقول أن هذا الارتفاع في كمية قطع الغيار المستوردة، يعني تقديم خدمة كبيرة للشركات الأجنبية التي تصنع هذه القطع، والتي تعتبر المستفيد الأول من الممهلات التي وجهت ضربة موجعة للاقتصاد الوطني، فكلما وضعنا ممهلا أضفنا حاوية جديدة لقطع الغيار القادمة من الخارج. وإذا كانت المؤسسات التربوية يقول شريف الشيخ التي تكثر عندها الممهلات تعمل من الثامنة صباحا الى غاية الخامسة مساء، فبعد هذا التوقيت لصالح من تعمل الممهلات، أليس لصالح الشركات الأجنبية؟ فإذا كان هناك اهتمام ينبغي أن يسلط على تبذير المواد الاستهلاكية فالأجدر أن يوجه الى ما تخلفه الممهلات من استنزاف للعملة الصعبة.

استهلاك إضافي للوقود وضياع للوقت
إن عملية تجاوز ممهل من طرف المركبات تتطلب تغييرا في السرعة وينجر عن ذلك استهلاك إضافي للوقود، ولذلك فإن الطرقات التي تكثر فيها الممهلات أصبحت تشكل هاجسا لمستعمليها خاصة أصحاب الشاحنات والعاملين في قطاع النقل العمومي، وما وقفنا عليه ميدانيا، إذ أن الطريق المزروع بالممهلات يلقى نفورا كبيرا من أصحاب الشاحنات، ذلك ما أكده لنا سائق شاحنة لنقل البضائع.
وكمثال واقعي، فإن المسافة بين ولايتي سطيف وبسكرة تقدر بنحو 200 كلم، وهي نفس المسافة تقريبا بين ولايتي سطيف وسكيكدة، وعند كراء شاحنة لنقل البضائع من سطيف إلى بسكرة قيمة الكراء تقدر بـ4.5 مليون سنتيم، وهي القيمة المعمول بها لدى ناقلي البضائع، بينما كراء نفس الشاحنة من سطيف إلى سكيكدة يقدر بـ2.5 مليون سنتيم، وذلك لأن المتوجه إلى بسكرة يجد في طريقه 189 ممهل أي تقريبا بمعدل ممهل واحد في كل 1 كلم، بينما الناقل المتوجه إلى سكيكدة لا يجد في طريقه سوى عدد قليل جدا، وبالتالي المهمة أسهل وأقل تكلفة.
وحسب العاملين في الميدان، فإن قيمة الوقود المستهلك في الطرقات التي تكثر فيها الممهلات تصل إلى الضعف تقريبا، ما يعني خسائر إضافية وتلوثا للبيئة فضلا عن الوقت الضائع عبر الطرقات. فالممهلات عادة ما تعطل المسافرين والناقلين الذين أصبحوا يقطعون المسافة المعهودة مع إهدار كبير للوقت، بالإضافة إلى التوتر والقلق الناجم عن هذه الحواجز التي تعترض مسار المسافرين.

قوانين نظرية غير مطبقة
وضع المشرع الجزائري شروطا جديدة لوضع حد لفوضى زرع الممهلات عبر الطرقات خارج الإجراءات الإدارية اللازمة، حيث حصر قرار وزاري مشترك صلاحية دراسة، والبت في طلبات وضع الممهلات في لجنة تقنية سداسية محلية يرأسها الوالي وتتولى أمانتها مصالح الأشغال العمومية.
وهناك قرار مشترك بين وزاراتي الداخلية، والأشغال العمومية يضبط كيفيات المبادرة بدراسات تحديد مواقع الممهلات، وأماكن وضعها وإعدادها والمصادقة عليها، حيث فتحت هذه الإجراءات الجديدة المجال أمام المواطن لطلب وضع ممهلات إلى جانب مصالح الأشغال العمومية، ومصالح الأمن، والبلديات والإدارات والمرافق العمومية المعنية.
وجاء هذا القرار الصادر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية تطبيقا للمرسوم التنفيذي رقم 05-499 الصادر في شهر ديسمبر من عام 2005 والخاص بتحديد استعمال الممهلات والشروط المتعلقة بوضعها وأماكنها، إلى جانب قرار صدر شهر أفريل 2006 يحدد بدوره طبيعة الممهلات، وأماكن وضعها وإعدادها والمصادقة عليها، ومقاييسها ومواصفاتها التقنية. وهي إجراءات جاءت لوضع حد لحالة الفوضى التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة في وضع الممهلات.
وأضحت هذه الممهلات الموجهة أصلا لحماية الراجلين بالدرجة الأولى في المناطق الآهلة بالسكان مصدر إزعاج بالنسبة لسائقي السيارات، ليس فقط بسبب عدم احترام مواقع وضعها، ولكن أيضا بسبب انعدام مقاييس مضبوطة تحكم العملية. إلى درجة أن بعض المواطنين أصبحوا يبادرون بوضع ممهلات دون أي ضابط. ففي معظم بلديات الوطن نجد ممهلات عشوائية، بعضها تنجز من طرف مواطنين من تلقاء أنفسهم، وهي مخالفة تضع أصحابها تحت طائلة القانون، فيعاقب بالحبس النافذ من شهرين إلى 06 أشهر وبغرامة مالية من 25.000 إلى 100.000 دج، أو بأحد هاتين العقوبتين فقط كل شخص يضع ممهلا على مسلك مفتوح لحركة المرور دون ترخيص من الوالي وفي حالة العودة تضاعف العقوبة.
ورغم وجود هذه العقوبة إلا أن أغلبية الممهلات أنجزت من طرف مواطنين دون أن يخضعوا للمتابعة القانونية. وهذا في الوقت الذي يشترط القرار الوزاري المشترك وجود ملف كامل تدرس على أساسه اللجنة التقنية طلب وضع ممهلات، يتضمن الطلب إلى جانب تعيين الطريق المعني عدد الحوادث المسجلة، القرب المحتمل من مؤسسة عمومية، تقدير متوسط حركة المرور اليومية، شكل موقع وضع الممهل، مخطط حركة المرور عند الاقتضاء وخريطة بيانية للطريق تستوفي المعلومات الضرورية لتقييم الوضعية.
وللأسف، فإن المواد القانونية التي تحدد شروط وضع ممهل تبقى مجرد حبر على ورق، وغير مطبقة في أغلبية البلديات، سواء تعلق الأمر بدوافع وضعها أو شكلها أو اللافتات التي تبين موقع تواجدها. فإلى جانب الممهلات العشوائية التي ينجزها المواطنون من تلقاء أنفسهم دون شروط الإشكال يمتد إلى الممهلات التي تنجزها مصالح البلديات والتي تبقى هي الأخرى غير مطابقة للمعايير المعمول بها، حتى وإن صدر قرار إنجازها من طرف اللجنة المختصة.

أشكال عشوائية منافية للمقاييس
وحسب السيد عبد المالك بوترعة، وهو مهندس معماري من ولاية المسيلة التقيناه بسطيف، فإن العشوائية تبقى تلاحق الممهلات التي تنجزها مصالح البلديات ويظهر ذلك في عدم احترام المقاييس المعمول بها، والتي تحدد نوعين من الممهلات الأول محدودب، والثاني في شكل شبه منحرف، والمقاييس العلمية تحدد طول الممهل بـ4 متر، وارتفاع قدره 10 سم مع بداية تحميل تقدر بـ5 ملم. وهو الارتفاع الذي يسمح بمرور المركبة دون حدوث صدمة، ودون أن يلحق بها أي ضرر. مع اشتراط وضع الإشارات التي تشير إلى وجود ممهل.
لقد جاءت الممهلات لحماية الراجلين، لكن ثمرتها لم تظهر في الميدان بدليل أن عدد حوادث المرور لم يتراجع، ولازالت الطرقات تحصد الأرواح، ولم يساهم الممهل بشكل واضح في التقليل من الحوادث، ومثله كمثل قانون سحب رخصة السياقة، الذي تبين أنه بدون جدوى وتم إلغاؤه في الجزائر منذ شهر فيفري 2022.
وهناك حوادث تسبب فيها الممهل وخلف أضرارا جسمانية ومادية. كما رفع الممهل في فاتورة استيراد قطع الغيار واستنزاف العملة الصعبة وتعطيل مصالح المواطنين وعرقلة سير سيارات الإسعاف. وحسب السيد شريف الشيخ عضو النادي الاقتصادي بولاية سطيف، فإن الحل يكمن في التخلص من الممهلات مثلما فعلت العديد من الدول المتطورة، ويقتصر الاعتماد على إشارات المرور، والكاميرات لإجبار السائق على تخفيض السرعة مع تفعيل نظام العقوبات، الذي يسمح بردع أصحاب المخالفات، والتقليل من حوادث المرور وحماية الأشخاص والمركبات.

مقالات ذات صلة