المنابر الإعلامية غير الناضجة تتناول ظاهرة الاختطاف بطرق تهويلية
النهوض بالمجتمع، وتحقيق ازدهاره في مختلف المجالات من أجل ضمان حياة مستقرة وكريمة لأفراده، يحتاج إلى تشخيص دقيق وعميق لكل مشاكله وظواهره السلبية، ومن ثم البحث عن حلول عملية لها، وتقع هذه المسؤولية على عاتق المختصين في الشأن الاجتماعي.
من أجل معرفة تفاصيل أكثر عن هذا التحدي، تواصلنا مع الأخصائية الاجتماعية والأسرية السيدة “سدراتي صونيا” وأثرنا معها عدة نقاط هامة وحساسة من خلال الحوار الآتي:
بداية ممكن تعطي للقارئ لمحة بسيطة عن علم الاجتماع ودوره في المجتمع؟
علم الاجتماع هو علم قائم على منهجيات أكاديمية، و يعنى بدراسة الظواهر الاجتماعية وكذا سلوكيات الأفراد وعلاقاتهم ببعضهم البعض، ويعتمد على أساليب البحث العلمي الذي يتيح لنا السيطرة على ظروف الحياة الاجتماعية وتحسينها.
عملكم عادة يكون في إطار مؤسساتي حسب تفرعاته ما هي الإنجازات التي حققتها خدماتكم في مجتمعنا الجزائري؟
كل مكان فيه تجمع بشري؛ فهو بلا شك يحتاج إلى وجود أخصائي في علم الاجتماع نظرا للدور الكبير الذي يلعبه داخل تلك المؤسسة، فمؤكد أن وجوده لا يكون شكليا فقط بل يبذل مجهودات جبارة من أجل الحفاظ على التوازن والنظام داخل تلك المؤسسة، من خلال دراسة وتحليل وتفسير الظواهر والمشكلات المطروحة ومن ثم وضع آليات لحلها. كما أنه يهتم أيضا مدى تجاوب الأفراد مع طبيعة بيئتهم العملية، والتخفيف من حدة الخلافات الناتجة عن الفروقات الفردية في الأفكار، والطباع، والمستوى العلمي و الاجتماعي…
تخصصك بالضبط هو علم الاجتماع الأسري حدثينا عن هذا الفرع واهتماماته؟
تعتبر الأسرة الخلية الأساسية لتكوين المجتمع، والاهتمام بها وتخصيص فرع علمي لدراسة شؤونها هو الخطوة الأساسية لتقييم المجتمع ككل. وهذا الفرع هو علم الاجتماع الأسري الذي يعنى بدراسة عوامل استقرار الأسرة ونجاحها، وتشخيص العوامل التي تهدد كيانها، وتضعف ترابطها مثل الخلافات الزوجية، والعنف الأسري، والتفكك الأسري وغيرها من المشاكل الأسرية التي تؤثر على المجتمع، بهدف البحث عن الحلول المناسبة.
لك باع طويل في النشاط الجمعوي كمرشدة اجتماعية وأسرية ما مدى إقبال الأسرة الجزائرية والمجتمع ككل على خدمات الأخصائي الأسري؟
عندما يكون الشغل منظم في إطار جمعية أو مؤسسة ما؛ فالأمر يكون سهلا لأنه يمكننا من تقديم دروس في الشأن الأسري، تقديم إرشادات للتعامل مع مختلف المشاكل الأسرية، تنظيم دورات تأهيلية للفتيات المقبلات على الزواج، نصائح وارشادات لحديثات العهد بالزواج… وهي نشاطات ضمن برنامج الجمعية وتجد لها إقبالا لا باس به من طرف النساء خاصة.
اهتمامك بمشاكل المجتمع الذي نعيش فيه يكون مزدوجا، لأن واجبك كمختصة هو البحث عن حلول عملية برأيك ما هي أهم المشاكل والظواهر الراهنة التي أقضّت مضجع الأخصائي الاجتماعي؟
وضعت إصبعك على الجرح، المشاكل عديدة ومعقدة أيضا، ولا يمكن أن نفصل بين مشكل وآخر فكلها متعلقة ببعضها البعض. لذلك لا يمكن الاستهانة بأي ظاهرة سلبية لكن على سبيل الذكر تشغلنا ظاهرة اختطاف الأطفال، ظاهرة تمرد الأجيال المعاصرة على القيم الاجتماعية، ظاهرة الإدمان على المخدرات، ظاهرة التفكك الأسري…
على ذكر ظاهرة اختطاف الأطفال التي كنت بصدد سؤالك عنها ما تعليقك عليها وما تقييمك لمختلف المواقف إزاء هذه الظاهرة الخطيرة؟
رغم كونها ظاهرة خطيرة مستفحلة بشكل غير مسبوق في مجتمعنا، إلا أنها لا تمثل سوى وجها آخر للعنف الذي يميز مجتمعنا منذ عقود، لكن قبل أن أواصل الحديث عنها يستعجلني الحديث أولا عن طريقة معالجتها، برأيي هناك أصوات ومنابر إعلامية غير ناضجة حيث تناولت الظاهرة بطرق تهويلية غير مدروسة، فبغض النظر عن الأضرار النفسية والجسدية التي تلحق بالضحية وأهله وأقاربه، فالتطرق لظاهرة حساسة مثل هذه يجب أن يدرس بدقة ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، بدل التضخيم والتلفيق وفتح المجال لتضارب الإشاعات خاصة في زمن التقنية والسرعة، وهو ما يفاقم المشكل بنشر الرعب في الأوساط الشعبية، وفي قلوب البراءة على وجه الخصوص، وانعدام الثقة تماما بين أقرب الناس.
هل الأصوات الشعبية المنادية بتطبيق الإعدام ضد هؤلاء المجرمين تدخل في زمرة الأصوات غير الناضجة؟
أنا لم أتحدث عن الغضب الشعبي فهي ردّة فعل طبيعية ومشروعة، لكنني أتحدث عن التسويق الإعلامي لمختلف الظواهر الاجتماعية وليس لظاهرة اختطاف الأطفال فحسب، فالتهويل الذي تنتهجه بعض وسائل الإعلام واستفزاز مشاعر الشعب من خلال ما تنشره من صور مروعة عن التنكيل بجثث البراءة، هدفه استقطاب عدد كبير من المتابعين لا توعية المواطن والتصدي للظاهرة. و تأثيره سيكون سلبيا لا إيجابيا. باختصار لا للتهويل ولا للتهوين.
برأيك ما أسباب استفحال هذه الظاهرة؟
برأيي هذه الظاهرة ما هي سوى شكل من أشكال العنف في مجتمعنا، وهي ظاهرة معقدة تظهر كل مرة بشكل جديد حيث يصعب تطويقها، وتستحيل مقاربتها سوسيولوجيا بالإعتماد على مؤشرات واحدة، فهي مفرز لمجموعة من الظروف المتحالفة على أفراد شعبنا: التاريخية، السياسية، الاقتصادية، الثقافية والاقتصادية، الاجتماعية…
هل من حلول تقترحينها لمعالجة الظاهرة وبماذا تنصحين أهالي الأطفال الصغار؟
الحلول على المدى القريب والعاجل تكون بـ:
– تشديد الرقابة الأمنية وتطبيق القوانين الردعية والعقوبات الصارمة.
– أما على المستوى الأسري يجب على أهالي الأطفال الصغار توصيتهم وتعليمهم التصرف أمام أي أشخاص مشبوهين، وهي ليست مسؤولية الأسرة فقط بل المجتمع ككل، المدارس والمساجد وسائل الإعلام المختلفة مكلفة بهذه الأدوار التوعوية، بطرق موضوعية، وأساليب فاعلة بعيدا عن الترهيب الذي يسبب عقدا و أمراضا نفسية لدى الأطفال وأهاليهم.
– لكن الحلول الجذرية برأيي تحتاج إلى جهود مكثفة لتحسين الأوضاع تدريجيا وعلى مختلف الأصعدة .
هل من كلمة أخيرة توجهينها للمجتمع الجزائري في هذه الفترة المحمومة جراء استفحال العديد من المشاكل الاجتماعية؟
أقول إن تحسين أوضاعنا ومحاربة المشاكل والظواهر السلبية تحديات صعبة لكنها ليست مستحيلة، وهي تستدعي تظافر جهود الجميع، السلطة والشعب بعيدا عن الغوغائية، والظواهر الصوتية العقيمة، لذلك علينا جميعا خاصة نخبة المثقفين أن نسعى إلى محاربتها بالعلم والعمل والإخلاص والصبر والتوعية.