المنظور الإعلامي لتجريم الاستعمار
لابد من الاعتراف بأن قانون 23 فيفري 2005 الممجد للاستعمار في مادته الرابعة والمطالب في مادته الثالثة بإنشاء مؤسسة لذاكرة “حرب الجزائر« وكفاح المغرب وتونس هو إنجاز لـ “لوبي الأقدام السوداء في فرنسا”.
- ولابد من الاعتراف أن اعتبار 5 ديسمبر يوما وطنيا في فرنسا لذكرى ما يسمى بـ(الضحايا الذين ماتوا من أجل فرنسا في إفريقيا الشمالية) هو وفاء لتعهدات جاك شيراك عندما كان رئيس حكومة عام 1986 حيث قال بأن “المستوطنين عانوا من جور التاريخ«، وهو الذي دشن نصبا تذكاريا في حديقة عمومية في 11 نوفمبر 1996 مهدى إلى أرواح من يسميهم بـ”الضحايا المدنيين والعسكريين الذين سقطوا في إفريقيا الشمالية«.
- وشيراك أول من احتفل في 5 ديسمبر عام 2002 بهذا اليوم قبل إقراره رسميا يوما وطنيا في فرنسا في 17 سبتمبر 2003.
- دور المجتمع المدني في التأثير على الرأي العام
- من الصعب أن تطوي فرنسا ملف الجزائر بعد 132 سنة من الاحتلال، ومن الصعب أن تحدث القطيعة بين “الأقدام السوداء« و”الحركة والقومية«، ففي الجزائر كشفت تحقيقات أمنية أن لهؤلاء يدا في الإرهاب الذي عاشته الجزائر منذ توقيف المسار الانتخابي في 11 جانفي 1992 لغاية 1999.
- أ- أولى الجمعيات التي كانت تقف وراء قانون 23 فيفري 2005 هي “أميداد« التي أنشئت عام 1967 ممن قادوا انقلاب أفريل 1961 من المستعمرين الفرنسيين ضد حكومة الميتروبول وتم نفيهم أو سجنهم.
- إن هذه المنظمة امتداد للمنظمة العسكرية السرية OAS وحققت في العام الموالي 1968 عفوا شاملا بالرغم من أن مطالبها لا تقتصر على ذلك بل تدعو إلى التعويض المادي والمعنوي وتتشكل من الأقدام السوداء.
- ب- وثاني هذه الجمعيات هي (نادي الحنين إلى الجزائر) التي أنشئت عم 1973 من الأقدام السوداء وتحولت عام 2006 إلى جمعية وطنية لتمثيل الفرنسيين من شمال إفريقيا، وهي أول جمعية تطرح فكرة إدخال تاريخ الأقدام السوداء إلى المنظومة التربوية، وقد استطاعت أن تشارك في ملتقى جامعي حول الموضوع نفسه عام 1988.
- ومنذ بداية التعددية السياسية والإعلامية في الجزائر توسع وجود الأقدام السوداء في الجزائر ووجد في توقيف المسار الانتخابي بابا لتجديد المطالب.
- وبمجرد ظهور مقالات صحفية في فرنسا تدين التعذيب خلال فترة الاحتلال، بدأت جمعيات الأقدام السوداء تتحرك، وكان الحديث في لوموند 2000 عن لويزة اغيل أحريز بداية الحملة ضد الجزائر، وزادت حدة هذه الحملة بعد ظهور قانون 29 جانفي 2001 الذي يصف قتل الأرمن عام 1915 بـ”الإبادة الجماعية«، وقانون 21 ماي 2001 الذي يصف المتاجرة بالزنوج والاستعباد بـ(جريمة ضد الإنسانية).
- غير أن هذه القوانين كانت متبوعة بقانون ضد محتوياتها، وهو قانون 23 فيفري 2005 في مادتيه الثالثة والرابعة، حيث تضيق الثالثة الخناق على المؤرخين لوضعهم في مؤسسات بحث أمنية والرابعة التي تمجّد الاستعمار وتضع حدا لحرية المؤرخ بالقول: (إن البرامج المدرسية تعترف بشكل خاص بالدور الإيجابي للتواجد الفرنسي في ما وراء البحار خاصة في إفريقيا الشمالية).
- تقنين أفكار قديمة
- لقد تنبّه الأب الروحي للحركة الوطنية في الجزائر، مصالي الحاج، بعد عودته إلى الجزائر من منفاه بالغابون في 11 أوت 1946، إلى أن الاحتلال الفرنسي يعزف على وتر الحضارة، فبادر في 2 نوفمبر 1948 إلى تقديم مذكرة إلى الأمم المتحدة رفقة رئيس الحزب الدستوري التونسي ورئيس حزب الاستقلال المغربي تفضح هذه الادّعاءات القائلة (بأن الاستعمار ما هو إلا تمدّن وحضارة وتعمير البلدان المتخلفة).
- ويأتي قانون 23 فيفري 2005 ليقنّن الفكر الاستمعاري في الجزائر ولا يطرح فكرة جديدة، ولهذا نتساءل كيف يمكن التعامل إعلاميا مع فكرة تجريم الاستعمار وليس مناهضة القانون سالف الذكر؟
- أولا
- من يقرأ ردود الأفعال الفرنسية في وسائل الإعلام إزاء قانون 23 فيفري 2005 يجد أن هناك اتجاهين متباينين ولكنهما متقاربان:
- 1- اتجاه تدعمه جمعيات الأقدام السوداء ومنها جمعية (شباب الأقدام السوداء للدفاع عن قانون 23 فيفري 2005).
- 2- اتجاه يدعو إلى الفصل بين القانون والتاريخ أثناء معالجة قضايا الاستعمار وظهر في لائحة بعنوان “الحرية للتاريخ« وقعها 19 كاتبا ومؤرخا فرنسيا نشرت في liberation الفرنسية في 13 ديسمبر 2005 تطالب بإلغاء القوانين التي لها علاقة بالاستعمار الفرنسي وترك ذلك للمؤرخين، مروّجة لفكرة رفض التاريخ الرسمي.
- ثانيا
- من تتبع الصحافة الجزائرية منذ 2005 لغاية اليوم قلما يجد فيها كتابات الرأي التي تنير الرأى العام إزاء القضايا المصيرية للشعوب، وأغلب ما نشر هو تصريحات لمسؤولين فرنسيين وردود أفعال لفئة من المجاهدين.
- ثالثا
- إن التعامل مع فكرة تجريم الاستعمار إعلاميا يفترض وجود مؤسسات وهيئات تعنى بالتاريخ الجزائري ومجتمع مدني يدافع عن الماضي ويكشف جرائم الاحتلال.
- رابعا
- هناك شبه غياب أو شبه استقالة للمثقف الجزائري وتجاهل شبه كامل للجامعي وعدم اكتراث للمؤرخ بالقضايا التاريخية المتعلقة بالاحتلال الفرنسي للجزائر.
- صحيح أن هناك العديد من البحوث التي أنجزت لنيل شهادات وقامت وزارة المجاهدين بطبعها، إلا أن الاهتمام الإعلامي بها غير موجود.
- لاشك أن موضوع تجريم الاستعمار غير متبلور على الصعيد الدولي بسبب استمرار الاحتلال الأجنبي للأقطار العربية والإسلامية، لكن هل تستطيع وسائل الإعلام التعاطي مع الموضوع دون وجود مجتمع مدني وخاصة جمعيات حقوق الإنسان ذات الصلة بمناهضة جرائم الحروب.
- وكيف سيتعامل الإعلام الجزائري مع عملية تجريم الاستعمار الفرنسي في ظل تردد الكثير من الأحزاب الممثلة في البرلمان في اتخاذ مواقف واضحة.
- إننا نعتقد أن النائب في البرلمان بغرفتيه يمثل ضمير الشعب قبل تمثيله لحزبه وإذا كانت ضغوط داخلية أو خارجية على حزبه، فإن خيانة ضميره هي خيانة للشعب الذي انتخبه وليس للحزب الذي رشحه.
- إن تبني البرلمان لقانون تجريم الاستعمار أصبح ضرورة لاعتبارات أخلاقية:
- 1- إن المعاملة بين المؤسسات التشريعية تكون بالمثل، فالجمعية الفرنسية أصدرت قانونا يمجد الوجود الفرنسي في دول المغرب العربي، وعلى مجلس الشورى لاتحاد المغرب العربي أن يتحرك ليتحرر أمام شعوب المغرب العربي، كما أنه على برلمانات المغرب العربي أن تقوم بالدور المنوط بها.
- 2- إن وسائل الإعلام في المغرب العربي لا تستطيع أن تبقى في ركن صدى وسائل الإعلام الفرنسية وعليها بصناعة الحدث بنقل مواقف الذين يحترمون شعوبهم وكشف من يتعاملون في السر أم العلن مع الأعداء داخل الوطن أو خارجه.
- ملاحظات:
- أ- إن المتأمل في النصوص القانونية الفرنسية المجسدة للاحتفالات بالأيام الوطنية الفرنسية يجد:
- 1- قانون 6 جويلية 1880 المؤسس للعيد الوطني الفرنسي المحدد بيوم 14 جويلية.
- 2- قانون 14 أفريل 1954 الذي يعيد الاعتبار للمنفيين والمتوفين في المحتشدات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية 1939 - 1945. يعتبر الأحد الأخير من شهر أفريل من كل سنة يوما وطنيا للفرنسيين.
- 3- قانون 17 سبتمبر 2003 الذي يعتبر 5 ديسمبر يوما وطنيا لمن يسميهم “الضحايا المدنيين والعسكريين الذين سقطوا في إفريقيا الشمالية«.
- ب- والمتأمل في النصوص المتعلقة بموقف فرنسا من الشعوب التي احتلتها يجد:
- 1- قانون 13 جويلية 1990 وهو يعتبر 21 مارس اليوم العالمي الذي اعتمدته الأمم المتحدة للقضاء على مختلف أشكال التمييز، يوما وطنيا لتقديم التقارير من قبل لجان حقوق الإنسان. ويقر في مادته الأولى “يحظر كل تمييز قائم على أساس الانتماء أو عدم الانتماء العرقي إلى الأمة، كالجنس والدين«، وهو القانون الذي اخترقته حكومة ساركوزي منذ وصوله إلى الحكم بدعم جزائري.
- 2- قانون 18 أكتوبر 1990، وهو ينص على تغيير عبارة “العمليات المنجزة في إفريقيا« بعبارة “حرب الجزائر والكفاح في تونس والمغرب«. وفي المادة (L) مكرر.
- 1 تنص على أن: “الجمهورية الفرنسية تعترف بالخدمات المقدمة من طرف المشاركين تحت رايتها في حرب الجزائر والكفاح في تونس والمغرب ما بين 1952 - و2 جويلية 1962.
- وتمنحهم صفة “مكافح”. وما قبل 1952 لغاية 1830 لا وجود له في القوانين الفرنسية”.
- 3- قانون 29 جانفي 2001 المتعلق بالاعتراف بإبادة الأرمن سنة 1915، كما تنص المادة 1 منه، دون الإشارة إلى التعويض المعنوي أو المادي.
- 4- قانون 21 ماي 2001 المتعلق بالاعتراف بالمتاجرة بالعبيد والاستعباد كجريمة ضد الإنسانية. والمادة الثالثة تدعو المجلس الأوروبي والمنظمات العالمية قصد الاعتراف بذلك.
- وعلى هذا الأساس يمكن للمجتمع المدني الجزائري القيام بحملة دولية لتجريم احتلال الشعوب، باعتبار أن الثورة الجزائرية كانت منارة لشعوب العالم وأنها استطاعت أن تدفع بقية الشعوب إلى الاقتداء بها، وما يجري في العراق من مقاومة دليل على ذلك، لأن أمريكا استعملت الطريقة نفسها التي استعملتها فرنسا وأول ما اطلعت عليه هو فيلم “معركة الجزائر« للكشف عن أساليب المقاومة العراقية في حربها ضد أمريكا.
- (للمداخلة مراجع)