الجزائر
في هواية تجمع بين البحث عن النكهة وممارسة التجارة

المنقبون عن “الفقايع” يمشطون جبال الشلعلع بباتنة

الشروق أونلاين
  • 1497
  • 0
ح.م

تحولت غابات وجبال الأوراس الشرقي، وبخاصة الحظيرة الوطنية لبلزمة، غرب مدينة باتنة، منذ أسابيع إلى ورشة كبيرة للمنقبين، لا على الكنوز المعدنية، بل على الكنوز الغذائية، أي أصناف الفطر التي يسمونها هنا “إيقورسل” باللهجة المحلية أو “الفقايع”. هذه الظاهرة ليست مجرد نشاط موسمي، بل أصبحت هواية تجمع بين السياحة والرياضة والتجارة، حيث يشارك فيها الكبار والصغار وحتى العائلات التي تصطحب أطفالها لتعليمهم الصبر والملاحظة الدقيقة للطبيعة.

معدات بسيطة وخبرة ضرورية
لا تحتاج هذه الحملات التفتيشية إلى عتاد كبير، بل يكفي سكين متوسط الحجم، وذراعان ثابتان، وعينان حادتان، وخبرة واسعة في التعرف على منابت هذا الغذاء اللذيذ، الذي يُباع في الأسواق ولدى الخواص. كما أن بعض المشاركين يستخدمون أجهزة صغيرة لتحديد الرطوبة ودرجة حرارة التربة، خصوصًا في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
يقول عادل بشكيط، هاوٍي جمع الفطر للشروق اليومي، وهو ينقب عن تلك الكنوز: “من هوايتي المفضلة البحث عن الفطريات حينما يكون ذلك ممكنًا، لأن الفطر نبات يخضع لعوامل مناخية دقيقة في التشكل والبروز. يسمح لي البحث عنه بقطع مسافات طويلة، وهي بالنسبة لي رياضة وسياحة، وفي الوقت نفسه فرصة للاستمتاع بهدوء الغابة ومشاهدة تنوع النباتات والحشرات والطبيعة المحيطة”.

هكذا ينمو الفطر
ويضيف عادل: “أهم فصل لجني الفطريات هو الخريف، لأن الفطر يحتاج لتكونه لرطوبة تسببها الأمطار بعد حر الصيف، مع ضرورة أن تكون معدلات الحرارة بين 16 و20 درجة، وشريطة توفر النيتروجين – الأزوت-، هذه العوامل تسمح بالنمو والنشاط للأجسام الثمرية التي تمد خيوطها، التي تشبه خيوط الطباشير الأبيض في التربة، لتتلاقى مع الجذور المتحللة أو الأوراق المتحللة، فيخرج وينمو بسرعة، لأن الفطر لا يحتاج إلى التمثيل الضوئي مثل النباتات الأخرى”.
ويشير المتحدث إلى أن معرفة أنواع التربة مهمة أيضًا، فالفطر ينمو بشكل أفضل في التربة الغنية بالمعادن، مثل تلك التي تسمى محليًا “المينة”، والتي تعود إلى وجود مناجم قديمة في المنطقة.
وفيما يشبه التحدي مع رفاقه حول من يجمع أكثر خلال الجولة إلى منطقة جبال الشلعلع، يختار رشيد مداني الذهاب ما وراء طريق السقن، معللاً اختياره للشروق التي رافقته، بأن هذه المنطقة مليئة بالفطر حينما تتوفر التساقطات المطرية الكثيفة والجو الدافئ والرطوبة العالية، ولوقوعها قرب تربة غنية بالمعادن، حيث كان هناك منجم فرنسي مهجور. يقول رشيد: “كل منطقة لها طابعها الخاص، ولا يمكن توقع وجود الفطر إلا بمراقبة الأرض بعناية، والاعتماد على خبرة السنوات السابقة في تحديد المواقع الأكثر إنتاجًا”.
في هذه الخرجة لم يكن رشيد لوحده، بل مع مجموعة من أصدقائه الذين تجمعهم هواية البحث عن الفطريات. كما يوضح مراد عطية المقيم بوادي الماء: “ليست كل المناطق تحتضن الفطر، ثمة أماكن محددة مثل طريق الشلعلع على اليمين بالقرب من قمة تالمات، وأيضًا الجهة اليسرى للحظيرة الوطنية بلزمة باتجاه وادي الماء، وأعالي كوندورسي القريبة من قمة ثوقر. هذه المناطق أكثر رطوبة من غيرها لوقوعها في الجهة الشمالية، غير المقابلة للشمس، وهذا يجعلها مثالية لنمو الفطر بشكل أكبر وأسرع”.
في هذه المناطق، وجدنا العشرات من الباحثين عن الفطر منتشرين، يقلبون الأرض بعينهم قبل أن يهوي أحدهم واسمه مراد، على واحدة بحجم كف اليد، قائلاً: “هذه بداية حسنة وفأل طيب. ويؤكد حجمها الكبير والناعم أن لها شقيقات غير بعيد، بحكم الخبرة لا واحدة من دون أخريات”. يطلق الباحث إشارة النصر بعد ما قطع أربع فطائر ملتصقة بجذر نباتات خضراء، ويلقيها داخل كيس أحضره معه.

بحث مدروس التوقيت
بعد ثلاث ساعات، على مسار بطول 20 كلم، تهاوت عشرات القطع في أكياس المشاركين، وهم يبررون ذلك بالظروف المناخية وتوقيت الخروج للبحث عنه، فيقول أحدهم: “يجب الخروج مباشرة بعد انتهاء تساقط الأمطار واعتدال الجو الدافئ، وهذه القطع التي عثرنا عليها لن نعثر عليها في حال تأخرنا بيوم واحد، فالحرارة المرتفعة تخفيها للأبد”.
يشير الخبراء إلى أن التوقيت المثالي يعتمد على الرطوبة النسبية للتربة ودرجة الحرارة النهارية والليلية، وأن أي تأخير حتى ساعات قليلة يمكن أن يقلل من حجم الغنائم المتاحة.
يتسلح معظم المشاركين بخبرة طويلة في المجال، الذي يعتمد على معارف مناخية وطبيعية. فعمر بوراس وإبراهيم باهي، شابان في العقد الرابع، معتادان على جني الفطر منذ عقدين كاملين، لذا لا يفرطان أبدًا في هذه الخرجات كلما كان الوقت مناسبًا. يشرح عمر بوراس: “أهم فترة هي الخريف، وأحيانًا خلال الربيع وقبيل فصل الصيف، شريطة توفر مناخ ملائم لذلك. كل رحلة تعطينا خبرة جديدة في التعرف على التربة، مواقع الظل، نمو النباتات المصاحبة للفطر”.

1200 دج للكيلوغرام ومخاطر سامة
مراد مداني وعمر بوراس وإبراهيم باهي يمارسون صيد الفطر لأسباب تجارية بحتة، فالكيلوغرامات التي يتم جمعها خلال أيام الخريف تُباع في الأسواق الشعبية، وسعر الكيلوغرام 1200 دينار جزائري. وفي مرة، يؤكد عمر بوراس أنه جمع 7 ملايين سنتيم خلال أيام، وهو مبلغ يساعده في اقتناء مشتريات له ولأفراد عائلته.
أما إبراهيم باهي فيقول إنه لم يحدث يومًا أن عاد بلا غنيمة، وأقلها مئات الغرامات التي يطهيها في البيت مع البيض، وهي لذيذة ومفيدة ومغذية بالبروتينات الهامة للجسم.
وثمة محاذير عدة ينبغي أن يعرفها جامع الفطريات للتفريق بين الأنواع القابلة للاستهلاك والأنواع الضارة، فقد هلكت ذات مرة عائلة من أم البواقي جراء تناولها فطرًا ساما فتحولت المتعة إلى مقتلة.
عادل بشكيط يؤكد: “يجب فرك رأس الفطر بالبيد، فإن تغير لونها فهذا يعني أنها سامة”، وبعد برهة ظهرت فوقها بقع رمادية، فقام برميها، لأنها ذات مكونات مهلكة..
ويضيف: “الفطر السام يأتي عادة بلون داكن ويسمى هنا ‘التارغلا”، إذ أن الفطر مفيد و”التارغلا” قاتلة، وينصح الذين ليست لديهم خبرة بمشاورة العارفين، خاصة وأن التصوير والإرسال متاح عبر الهواتف الذكية”.

هواية بلا ضوابط قانونية
في نهاية اليوم وخلال العودة، جمع الرفاق محاصيل تراوحت بين الكيلو ونصف حتى الكيلو، ما يعني أن الموسم واعد، في انتظار تساقطات مطرية وأجواء دافئة أخرى.
ورغم أن الفطر يباع في الأسواق من طرف الباحثين عنه، فلا توجد تراخيص بيع، لأن الأمر يتم بطريقة تقليدية جدًا، إذ ينمو طبيعيًا من دون تدخل بشري، مقارنة ببعض مزارع تربية الفطريات. نجحت مؤسسات خاصة غرب البلاد وشرقها من تصدير قرابة 5 أطنان لفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، جلبت ما يفوق 3 ملايين دولار، في انتظار تصدير 30 طنًا من وهران إلى إيطاليا، رغم أن هناك علبًا تباع في بعض المحلات، لكنها ليست في مستوى النكهة الطبيعية لفطريات جبال الشلعلع وحظيرة بلزمة.
كما أن الخبرة المتراكمة لدى المنقبين تجعل من جمع الفطر نشاطًا ممتعًا، يجمع بين التحدي البدني، والمتعة الذهنية، والتواصل مع الطبيعة، وربط الماضي بالتراث المحلي، فكل قطعة فطر تروي حكاية المكان والموسم والأرض.

مقالات ذات صلة