المهاجرون ملؤوا بيوت الله والمقرؤون أضرّت بهم الإشاعات
لم يبق من عمر تلاوة القرآن الكريم في مسار صلاة التراويح التي داوم عليها الملايين من الجزائريين والجزائريات، إلا بضع ساعات وبضع آيات، وستقرن المصليات الجزائريات بالخصوص في بيوتهن بعد شهر من القيام وصلاة الجماعة التي تقتصر بالنسبة للجزائريات في تراويح رمضان والجمعة وعيدي الفطر الأضحى، وفي بعض المصليات الجامعية فقط، ولا تشمل الصلوات المفروضة بما فيها التي تقام في النهار مثل الظهر والعصر، وتميز تراويح هذا العام بالكثير من الخصوصيات، فكانت بدايتها بردا وسلاما، حيث شارك هذا العام عشرات الآلاف من المهاجرين في صلاة التراويح عندما قرروا العودة إلى الجزائر لقضاء عطلتهم السنوية خلال الشهر الفضيل، ولكن في النصف الثاني حدثت الكثير من الطوارئ كان أولها حضور المئات من المتسولين والمتسولات من اللاجئين السوريين، الذين وجدوا في التوافد الكبير للجزائريين والجزائريات على المساجد لأداء صلاة التراويح الفرصة الكبرى لأجل كسب المال وبيع أيضا أشياءهم من حليّ وحتى توابل دمشقية وحلبية، ولكن سونلغاز فجّرت شمل عشاق التراويح منذ اليوم العاشر من رمضان، عندما بدأ مسلسل الانقطاعات خاصة في أيام الحرارة التي جاوزت الأربعين، حيث انسحب الكثيرون وخاصة النساء من أداء صلاة التراويح لأن تنقل المرأة في الظلام غير مستحب بالنسبة للجزائريين، ولاحظنا فقدان الكثير من المساجد لروادها الذين فضلوا قيام الليل بمفردهم في المنازل خوفا من الاعتداءات في جنح الظلام، حتى أن بعض المصليات النسائية أغلقت أبوابها بعد أن هجرتها النسوة، رغم العودة في الأيام الأخيرة من الشهر الفضيل، والتي تزامنت مع الاحتفال بليلة القدر، لكن السؤال الذي لم يجد له أحد الإجابة هو عزوف الجزائريات عن أداء الصلوات المفروضة في المسجد ومنها صلاة الظهر التي تُقام في وضح النهار، بينما تنتقلن في غسق الليل إلى المساجد لأداء صلاة الصبح.
التواجد القوي للمهاجرين وأبناءهم الذين قضوا عطلتهم السنوية تزامنا مع أيام الشهر الفضيل، جعل بعض مديريات الشؤون الدينية تقترح تقديم بعض دروس ما قبل صلاة العشاء باللغة الفرنسية حتى يتمكن أبناء المهاجرين من فهم الدين الإسلامي، وهو المقترح الذي لم توافق عليه وزارة الشؤون الدينية وطلبت دراسة كل حالة على حدة حتى لا تتفرنس مساجدنا، واشتكى المقرئون من نسج إشاعات حول طلبهم المال واشتراطهم المنح وجمع الأموال من المصلين حتى يصلوا بالناس، وضربوا أمثلة عن مقرئين تركوا مدنهم وسافروا مسافات طويلة لأجل الصلاة لوجه الله، وطلبا للمغفرة والرحمة، ومع ذلك لم ترحمهم الإشاعة، وطالبوا بتنظيم صلاة التراويح ووضع صورتها بكل شفافية أمام الرأي العام.
أما الظاهرة التي ميزت أزيد عن 15 ألف مسجد بمصلياتها في الهواء الطلق في رمضان الحالي هو التواجد القوي للأطفال، بمن فيهم الذين لم يبلغوا بعد سن الدراسة وهو ما أحدث عراكات وشجارات في بعض المساجد، وأحيانا عندما يقوم الوالد إلى الصلاة يكون ابنه الصغير البرئ يقوم بحركات تُفقد المصلين التركيز، وتحوّل أكبر جامع في الجزائر وهو مسجد الأمير عبد القادر بقسنطينة شبيها بالحرم المكي حيث يجري الأطفال في كل مكان، ورأى بعض المصلين أن الظاهرة صحية لأن الأب الذي يستقدم معه ابنه مجبر على ذلك فهو يصلي وزوجته أيضا موجودة في ذات المسجد، ولا يمكنه أن يترك صغاره وحدهم في البيت أو في الشارع في غياب دور الحضانة التي دخلت في عطلة منذ بداية الصيف، حيث هناك عائلات تقوم بغلق المنزل والتوجه بكل أفرادها من صغار وكبار إلى المساجد، ولا يعودون إلا بعد الحادية عشرة ليلا، وقد تدخل عدد من الأئمة ونصحوا الأولياء بالالتفات إلى أبنائهم حتى لا تتحول المساجد إلى دور حضانة خاصة في المصليات النسائية، ولم يتمكنوا من توقيف ظاهرة الكراسي في المساجد التي لم يعد يصطحبها النسوة والكبار فقط للجلوس عليها في وقت الراحة، وإنما أصبحت موضة شبابية بحجة المرض، حتى تخال بعض المساجد أشبه بالمسارح من كثرة الكراسي والمقاعد، وطرح رواد المساجد لأداء التراويح مشكلة الحظائر الخاصة بركن السيارات، خاصة في جامع الأمير عبد القادر بقسنطينة، حيث كان المصلون يركنون سياراتهم في الشارع المقابل، ولكن مشروع الترامواي بخّر هذه الإمكانية، وحسب الإحصاءات فإن عدد المصلين في أكبر جامع في الجزائر تقلص لنصف العدد في رمضان 2012 .. ويتكفل أطفال وشباب لا يؤدون الصلاة بالتأكيد، لأجل حراسة السيارات رغم أن بعض المساجد في خنشلة تعرض روادها لتخريب سياراتهم، وإذا كانت الكنائس في أوربا تمنح لزائرها الطمأنينة من نظافة واستقبال ومكان لركن السيارات، فإن مساجدنا ما زالت بعيدة جدا عن تحقيق ذلك، حيث لا يُفكر إطلاقا في حظيرة السيارات عند بناء الجامع.